رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

ميراث الأجداد دمرته «ذبابة الفاكهة».. «مزارعو العمار»: محصولنا «فى المشمش»


6-6-2026 | 14:57

.

طباعة
جولة: محمد زيدان عدسة: ناجى فرح

على امتداد مزارع قرية «العمار» التابعة لمركز طوخ بمحافظة القليوبية، كان موسم المشمش دائماً أشبه بالعيد السنوى الذى ينتظره الأهالى من عام إلى آخر، موسم تتحول فيه القرية الهادئة إلى خلية عمل لا تتوقف، وتفتح فيه البيوت على أمل سداد الديون وتجهيز الأبناء وتحسين أحوال الأسر التى ارتبط رزقها بهذه الثمرة الذهبية منذ عقود طويلة، فـ«مشمش العمار»، لم يكن مجرد محصول زراعى عادى، بل علامة شهيرة فى الأسواق المصرية والعالمية، واسم ارتبط بالجودة والطعم المميز حتى خرجت من رحم انتظاره المقولة الشعبية المعروفة «فى المشمش»، فى إشارة إلى الموسم الذى يترقبه الجميع لتحقيق الانفراجة الاقتصادية.

 

هذا العام، تبدلت ملامح الموسم داخل القرية، فبدلاً من مشاهد البهجة المعتادة، سيطرت حالة من القلق والحزن على المزارعين، بعدما تعرضت مساحات واسعة من المحصول للإصابة بذبابة الفاكهة والتعفن، ما أدى إلى تلف كميات كبيرة من الثمار قبل وصولها إلى الأسواق، بالتزامن مع تراجع واضح فى حجم الإنتاج مقارنة بالمواسم السابقة.

هنا فى «العمار»، القرية التى ارتبط اسمها لعقود طويلة بأجود أنواع المشمش، لم يعد الحديث هذا الموسم عن وفرة الإنتاج أو حركة الأسواق، بل عن «ذبابة الفاكهة»، التى تحولت إلى كابوس يهدد محصولا يعد مصدر الرزق الأساسى لمئات الأسر، وبين الأشجار التى حملت يوم شهرة «العمار»، إلى مختلف المحافظات، يقف المزارعون فى مواجهة موسم يصفه كثيرون بأنه من الأصعب منذ سنوات، وسط مخاوف من اتساع الخسائر وتأثيرها على مئات الأسر التى تعتمد بشكل أساسى على محصول المشمش كمصدر رئيسى للدخل.

وبين صفوف الأشجار القديمة التى ورثها عن عائلته، جلس فاروق عمر، 68 عاما، أحد أقدم مزارعى المشمش بقرية العمار الكبرى، مستعيداً ذكريات مواسم المشمش القديمة، قبل أن يتحدث بحسرة عن الأزمة التى تهدد المحصول هذا العام، وقال: «أنا حياتى كلها مرتبطة بالمشمش، اتولدت وسط الشجر، وكبرت وأنا شايف موسم الحصاد فى العمار عيد للقرية كلها، زمان كان اسم مشمش العمار لوحده كفاية يخلى التجار ييجوا من كل المحافظات علشان يشتروا المحصول قبل ما ينزل السوق».

«عمر»، أضاف بفخر ممزوج بالحزن أنه «فى الثمانينيات والتسعينيات كان المشمش هنا يعتبر من أغلى وأجود أنواع المشمش فى مصر، ويمكن فى المنطقة كلها، العمار كانت معروفة إنها أصل المشمش بالقليوبية، والمحصول كان بيجيب خير كبير للناس كلها، كان القيراط بيجيب تمنه فى السنة»، لكن نبرة صوته تتغير سريعاً وهو يتحدث عن الأزمة الحالية، قائلاً: «النهارده الكارثة الحقيقية اسمها ذبابة الفاكهة، الحشرة دى بقت تضرب المحصول بشكل مخيف، والسنة دى كانت أقوى وأشرس من أى وقت فات».

كما أشار إلى «عدة أسباب وراء تفاقم الأزمة، أول سبب هو الظهير الصحراوى الغربى القريب من الأراضى الزراعية، فى مصانع وثلاجات وشركات تحضر شحنات فاكهة أو خضار مرفوضة أو غير صالحة، مثل الطماطم والخوخ والبرتقال واليوسفى، ويتم إلقاؤها فى الصحراء، وهذه الأشياء تكون بيئة ممتازة لتكاثر الذبابة، ومع الهوا الحشرة بتتنقل بسهولة لأراضينا هنا، والسبب الثانى يتعلق بضعف فاعلية بعض المبيدات المتداولة حالياً، «إحنا بقينا نرش أكتر من مرة بدون نتيجة حقيقية، أنا شخصياً رشيت أرضى خمس مرات الموسم ده، رغم أن الذبابة زمان كانت بتحتاج رشة أو اتنين بالكثير، المادة الفعالة فى الرش بقت ضعيفة، أو يمكن الحشرة نفسها بقت مقاومة للمبيدات».

والسبب الثالث، بحسب «عمر»، فيعود إلى التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات الأخيرة، موضحاً أن «الجو نفسه اتغير، والحرارة بقت عالية جداً، وده بيساعد الذبابة تنتشر بسرعة وتتكاثر بشكل أكبر، الثمرة نفسها مبقتش تستحمل على الشجر، وأى إصابة بسيطة بتخليها تقع أو تتلف بسرعة.. الفلاح دلوقتى بقى بيحارب على أكتر من جبهة، ذبابة، وحر، وتكلفة زراعة عالية، وفى الآخر ممكن يخسر أغلب المحصول».

واختتم حديثه بنبرة يغلب عليها الأسى: «اللى يوجع أكثر إن مشمش العمار له تاريخ واسم كبير، وإحنا خايفين يضيع بسبب الإهمال وانتشار الآفات، الناس هنا عايشة على المحصول ده، وأى خسارة فيه بتأثر على القرية كلها».

ومن داخل أحد بساتين المشمش، تحدث محمد فتحى زقزوق، 60 عاما، بينما كان يتابع عملية جمع الثمار المصابة، مؤكداً أن «الموسم الحالى شهد تراجعا غير مسبوق فى جودة المحصول، كما أنه يعد من أصعب المواسم التى مرت على المزارعين منذ سنوات طويلة، بعدما شهدت الأراضى انتشارا واسعا لذبابة الفاكهة التى هاجمت المحصول بصورة غير مسبوقة».

وأضاف، «زقزوق»، وهو يتفقد إحدى الأشجار المصابة داخل أرضه: «الذبابة موجودة كل سنة فعلاً، لكن اللى حصل الموسم ده مختلف تماماً، الحشرة انتشرت بسرعة كبيرة داخل الحقول، وضربت نسبة كبيرة من الثمار قبل حتى ما تستوى أو تلحق تدخل مرحلة الحصاد، وده تسبب فى تلف كميات ضخمة من المحصول»، لافتًا إلى أن «جودة مشمش العمار»، تراجعت بشكل واضح هذا العام مقارنة بالمواسم السابقة، إحنا معروفين إن محصول العمار من أجود أنواع المشمش فى مصر، والتجار كانوا بييجوا مخصوص علشان يشتروا المحصول من الأرض، لكن السنة دى الجودة اتأثرت جداً، والثمار المصابة بقت كثيرة، وده خلى عملية التسويق صعبة جداً».

وأشار «زقزوق»، إلى أن الأزمة لم تقتصر فقط على انخفاض جودة الثمار، بل امتدت إلى تراجع الكميات الصالحة للبيع، ما انعكس بصورة مباشرة على دخل المزارعين، مضيفاً أن «الفلاح فى النهاية بيعيش على الموسم ده، ولما نسبة كبيرة من المحصول تتلف، طبيعى العائد يقل والخسائر تزيد، خصوصاً مع ارتفاع تكلفة الزراعة والرش والمبيدات».

وتابع أن «من أخطر ما يواجه المزارعين هذا الموسم هو قصر العمر الافتراضى للثمار على الأشجار، المشمش السنة دى ما بقاش يستحمل على الشجر زى الأول، الثمرة ممكن تقعد حوالى 20 يوماً فقط وبعدها تبدأ تتلف أو تقع، وهذا يجعل الفلاح فى سباق مع الوقت علشان يلحق يجمع المحصول قبل ما يضيع، الناس هنا تربت على زراعة المشمش، والمحصول ده بالنسبة لنا مش مجرد شغل، ده تاريخ ورزق بيوت كاملة، علشان كده الجميع قلقان من استمرار الأزمة وتأثيرها على المواسم الجاية».

أما أحمد توفيق، 64 عاما، أحد كبار مزارعى القرية، فبدأ حديثه باسترجاع تاريخ «مشمش العمار»، الذى ارتبط باسم القرية لعقود طويلة وأصبح جزءا من هويتها الزراعية، قائلاً: «مشمش العمار ليس مجرد محصول زراعى عادى، بل جزء من تاريخ القرية وهويتها التى توارثها الأهالى جيلا بعد جيل، كما أن شهرة هذا المشمش امتدت لعقود طويلة بسبب مذاقه المميز وجودته التى جعلته واحدا من أشهر أنواع المشمش فى مصر».

وأضاف: بينما كان يسير بين الأشجار القديمة داخل أرضه: «مشمش العمار له طبيعة خاصة مختلفة عن أى نوع تانى، والناس من زمان تعرفه بطعمه وريحته ولونه، السر مش بس فى الأرض، لكن كمان فى طريقة الزراعة اللى حافظ عليها الفلاحين هنا من سنين طويلة».

وفى ساحة الفرز والتعبئة، كانت شيماء محيى إبراهيم تواصل ترتيب ثمار المشمش داخل الصناديق، بينما تكشف آثار التلف الواضحة حجم الأزمة التى ضربت الموسم الحالى، وقالت: «إحنا شغلنا يبدأ من أول ما المحصول يخرج من الأرض، نقعد ننقى المشمش السليم ونفصل الثمار المصابة أو اللى فيها أى تلف، وبعد كده نرصه فى الكراتين علشان يطلع للسوق بشكل كويس».

وأشارت إلى أن «تراجع جودة المحصول انعكس بشكل مباشر على العمالة اليومية داخل القرية»، مضيفة: «إحنا رزقنا مرتبط بالموسم ده، كل ما المحصول يبقى كويس الشغل يزيد، والناس تشتغل أيام أكتر، لكن لما نسبة التلف تكبر الكميات اللى بتتعبأ بتقل، وبالتالى الدخل كمان بيقل، أوقات بنقعد ساعات طويلة علشان نطلع الكمية السليمة من وسط الثمار التالفة، لأن التاجر بيرفض ياخد أى ثمرة فيها مشكلة، وده بيخلى الفرز أصعب من كل سنة».

من جانبه، أوضح الدكتور نبيل الششتاوى، وكيل وزارة الزراعة بالقليوبية، أن «أجهزة المديرية تتابع أوضاع محصول المشمش داخل قرية العمار فى ظل انتشار ذبابة الفاكهة هذا الموسم.

وحول أزمة «ذبابة الفاكهة»، التى أثرت على المحصول هذا الموسم، قال «الششتاوى» إن «الإصابة بالآفات الزراعية أمر وارد فى مختلف المحاصيل، لكن التحدى الحقيقى يكمن فى الحد من نسب الإصابة والسيطرة عليها مبكراً للحفاظ على جودة الإنتاج وتقليل الخسائر، حيث إن أى محصول زراعى معرض للإصابة بالحشرات أو الآفات، لكن دور أجهزة المكافحة والمتابعة الزراعية هو التدخل السريع لتقليل حجم الضرر والوصول إلى أفضل إنتاجية ممكنة».

وأشار «الششتاوى»، إلى أن مديرية الزراعة بالقليوبية تنفذ حالياً مشروعا متخصصا لمواجهة انتشار ذبابة الفاكهة، يعرف باسم «مشروع الذبابة»، ضمن جهود الدولة لحماية المحاصيل الزراعية، موضحاً أن المشروع يعتمد على استخدام مصائد ورقية يتم تعليقها داخل الأشجار، تحتوى على مواد جاذبة للحشرة تساعد فى رصدها وتقليل أعدادها داخل المزارع، حيث إن المصائد تسهم بشكل كبير فى خفض نسب الإصابة، لأنها تعمل على جذب الحشرة قبل انتشارها بصورة واسعة داخل الحقول، وتتم متابعة هذه المصائد بشكل دورى من خلال فرق متخصصة.

 
 
 
 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة