تحولت وسائل التواصل الاجتماعى خلال السنوات الأخيرة من سلاح إيجابى ومؤثر أسهم فى تقديم خدمات كبيرة فى المجالات الإنسانية والحياتية، إلى سلاح سلبى أسهم فى نشر الفوضى والشائعات والأخبار الكاذبة، ما أثر فى زعزعة الاستقرار فى المجتمعات وتغييب العقول وتغيير الواقع وقلب الحقائق، والأهم من ذلك امتد ليضرب الأسرة ويفكك أواصرها، الأمر الذى يتطلب سنّ قوانين قوية وفعالة للحد من تلك الفوضى الإلكترونية.
ولم تكن سلطنة عُمان بعيدة عن المشهد، وسارعت إلى مواجهة مخاطر وسائل التواصل الاجتماعى عبر إطلاق مبادرات توعوية وطنية شاملة مثل مبادرة "تبصير"، وتفعيل التوجيهات السامية بإعداد لوائح لتنظيم استخدام الأطفال للمنصات الرقمية، إلى جانب تكثيف الرقابة القانونية لحماية الخصوصية، ونشر الأدلة الإرشادية للوقاية من الابتزاز الإلكترونى والأخبار المضللة.
فخلال اجتماع مجلس الوزراء فى يناير 2026، وجه السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، مجلس الوزراء بدراسة وتشخيص المتغيرات السلوكية فى المجتمع، والعمل على وضع سياسات وآليات عمل واضحة ومحوكمة، تعزز القيم المجتمعية والسلوكيات الإيجابية وتعالج تأثيرات منصات التواصل الاجتماعى السلبية على سلوكيات المجتمع، وذلك فى إطار اهتمامه السامى بالشأن الاجتماعى والثقافى، وتعزيز قوة المجتمع العُمانى وحماية جميع شرائحه.
وفى ضوء تلك التوجيهات، يمكن القول إن ثمة عدة محاور للاستجابة العُمانية فى سياق مواجهة مخاطر السوشيال ميديا، وهى على النحو التالي: أولًا- مبادرة "تبصير": والتى أطلقتها وزارة الإعلام العُمانية لتعزيز الاستخدام الأمثل للمنصات الرقمية بهدف نشر الوعى المجتمعى والحد من الممارسات السلبية والآثار النفسية والاجتماعية. واختمت وزارة الإعلام، مطلع يوليو 2026 المرحلة الثانية من مبادرة "تبصير"، التى نُفذت على مدى أسبوعين عبر منصات التواصل الاجتماعى، بمشاركة شرطة عُمان السُّلطانية، وهيئة تنظيم الاتصالات، ووزارة التنمية الاجتماعية، فى إطار الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز الوعى بالاستخدام المسؤول والآمن للمنصات الرقمية.
جاءت هذه الحملة ضمن مبادرات الحلقة التطويرية التى أطلقتها وزارة الإعلام عام 2025م، بعنوان "نحو إطار وطنى للتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي" بالتعاون مع عدد من الجهات الحكومية والخاصة والمجتمع المدنى.
وهدفت الحملة، التى انطلقت فى 22 يونيو 2026، إلى رفع مستوى الوعى المجتمعى بأهمية الاستخدام الإيجابى لوسائل التواصل الاجتماعى، وتعزيز السلوك الرقمى المسئول، والحدّ من المُمارسات التى قد تترتب عليها آثار سلبية، لا سيما على فئة الناشئة من خلال تقديم محتوى توعوى يعالج الجوانب القانونية والتقنية والاجتماعية والتربوية والأسرية المرتبطة بالفضاء الرقمي.
وجاءت الحملة استجابةً لما يشهده العالم من توسّع مُتسارع فى استخدام المنصّات الرقميّة، وما تُمثله من أدوات مؤثرة فى تشكيل الوعى والسلوك المجتمعى، الأمر الذى يستدعى تعزيز الثقافة الرقمية وترسيخ مبادئ الاستخدام الواعى والمسئول للناشئة، بما يحقق الاستفادة من الإمكانات التى توفرها هذه الوسائل، ويحدّ من المخاطر المرتبطة بسوء استخدامها.
وركزت الرسائل التوعوية على نشر ثقافة احترام الأنظمة والقوانين المنظمة لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعى، والتوعية بأهمية حماية الخصوصية والبيانات الشخصية، وتعزيز الأمن الرقمى، إلى جانب إبراز دور الأسرة فى توجيه الأبناء نحو الاستخدام المتوازن للتقنيات الحديثة، بما يسهم فى بناء بيئة رقمية أكثر أمنًا واستقرارًا. وشكّلت الشراكة بين الجهات المشاركة نموذجًا للتكامل المؤسسى؛ إذ قدمت كل جهة محتوى توعويًّا يعكس اختصاصها، ضمن إطار موحّد وأهداف مشتركة.
وتناولت وزارةُ الإعلام الوعى بالتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعية والتفاعل مع ما يطرأ ويُتداول فيها، ومدى تأثيرها على الطفل وتناولت شرطة عُمان السُّلطانية التوعية بمخاطر استخدام وسائل التواصل الاجتماعى، والجوانب القانونية المرتبطة بالاستخدام المسئول لها، فيما ركزت هيئة تنظيم الاتصالات على مفاهيم الأمن السيبرانى وحماية البيانات الشخصية ورفع الوعى بالممارسات التقنية السليمة، بينما ركزت وزارة التنمية الاجتماعية على الجوانب الاجتماعية والأسرية، وأهمية تعزيز الحوار الأسرى وترسيخ القيم الإيجابية فى التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعى.
واعتمدت الحملة على محتوى رقمى متنوع صُمم بما يتناسب مع طبيعة منصات التواصل الاجتماعى، عبر رسائل توعوية مختصرة، روعى فى إعدادها أن تكون واضحة وجاذبة وسهلة الوصول، بما يُسهم فى إيصال الرسائل إلى أكبر شريحة ممكنة من المتابعين وتحفيزهم على التفاعل معها.
كما حافظت الجهات المشاركة على هُويّتها البصرية المستقلة فى جميع المواد المنشورة، مع الالتزام بالأهداف والرسائل الرئيسة للحملة، بما أتاح تنوّعًا فى أساليب الطرح والمحتوى، وأسهم فى تعزيز حضور الحملة ووصولها إلى فئات أكبر وأشمل.
تأتى حملة "تبصير" فى إطار اهتمام وزارة الإعلام وشركائها بتعزيز الوعى المجتمعى وترسيخ ثقافة الاستخدام الأمثل لوسائل التواصل الاجتماعى، بما يدعم بناء مجتمع رقمى واعٍ، قادر على توظيف التقنيات الحديثة بصورة إيجابية ومسئولة، وبما ينسجم مع مُستهدفات التنمية الوطنية فى بناء الإنسان وتعزيز الثقافة الرقمية.
وتتواصل الجهود العُمانية لتقنين استخدام وسائل التواصل الاجتماعى؛ فخلال اجتماع مجلس الوزراء فى 15 يونيو 2026م، وجّه السُّلطان هيثم بن طارق الجهات المعنيّة بتقييم موضوع الانتشار السريع لوسائل التواصل الرقمية واستخدامها من قبل شريحة واسعة من الأطفال من جوانبه المختلفة، وتشخيصه وإعداد الضوابط والآليات اللازمة لتنظيم استخدام الأطفال لتلك الوسائل، وبما يساعد الأسر فى إرشاد أبنائها والتحكم فى كيفية الاستخدام الأمثل لها، وذلك بالاستفادة من التجارب الدولية الرائدة فى هذا المجال.
ثانيًا- تنظيم استخدام الأطفال: فى ظل استخدام الأطفال لوسائل التواصل الرقمية والتى باتت محل اهتمام عالمى واسع منذ عدة سنوات، وانتقل من أن يكون مسئولية الأهالى بضبط الاستخدام، إلى توجه الحكومات نحو ضبط الممارسة، لم تكن سلطنة عُمان بعيدة عن هذا المشهد؛ فقانون الطفل الصادر بالمرسوم السلطانى رقم 22/2014 على سبيل المثال، حدد حقوق الطفل ومنها الثقافية، فى أن يكون ما يُعرض عليهم ملائمًا لعمرهم مثل السينما والأماكن العامة، كما يُحظر نشر أو عرض أو تداول أى نوع من أنواع المحتوى التى تخاطب غرائز الطفل الدنيا، أو تزيّن له السلوكيات المخالفة.
غير أن التطور الهائل فى التقنيات والخوارزميات، وصعود وسائل التواصل الاجتماعى العملاقة، أصبح يحتم تطوير أدوات رسمية للتعامل مع هذا الموضوع، وفى هذا الإطار، عملت هيئة تنظيم الاتصالات على مشروع لدراسة الجوانب التنظيمية والتقنية والقانونية المرتبطة باستخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعى، لتنتقل بعدها إلى المرحلة التالية، وهى المشاورة المجتمعية. تُعد ممارسة المشاورة المجتمعية ممارسة تحرص الهيئة عليها منذ 18 عامًا، لإشراك المجتمع بكافة فئاته من الأفراد والشركات، ومعرفة آرائهم تجاه مشروعات قرارات تمسّ مجالات مختلفة من اختصاصاتها.
وبناءً على التوجيهات السامية، عكفت الجهات المعنية على دراسة وضع ضوابط لاستخدام الأطفال لمنصات التواصل، مع طرح مسودات لوائح تنظيمية، بما فى ذلك مقترحات بتقنين السن الأدنى للاستخدام لضمان بيئة آمنة.
وفى 16 يونيو 2026م، طرحت الهيئة مسودة لائحة تنظيم استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعى، والتى تهدف إلى: تحقيق التوازن بين حماية الأطفال وتمكينهم من الاستفادة من الخدمات الرقمية والتقنيات الحديثة- استكشاف الحلول والآليات الفنية الممكنة للتحقق من العمر والحدّ من وصول القصر الى محتوى غير مناسب- تحديد التحديات المحتملة والآثار المترتبة على تطبيق الأحكام التنظيمية المقترحة- تقييم مدى ملاءمة الأحكام والمتطلبات التنظيمية الواردة فى مسودة اللائحة وقابليتها للتطبيق.
تناولت اللائحة ثلاثة محاور رئيسية، وهى التحديات التنظيمية والقانونية والتقنية، والسن القانونى للسماح باستخدام المنصات الرقمية، بالإضافة إلى التزامات المنصات، وأدوار أولياء الأمور، والجهات التنظيمية. ودعت الهيئة الجميع لتقديم الردود والآراء حول وثيقة المشاورة، خلال فترة شهر، أى فى موعد أقصاه 16 يوليو 2026. وتعتزم سلطنة عمان حظر وسائل التواصل الاجتماعى على الأطفال دون سن الـ16 عامًا.
ثالثًا- الأمن السيبرانى والتشريعات: يُعد قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطانى رقم 61/2026 أحدث إضافة تشريعية فى سلطنة عُمان، وتحديدًا تجاه الممارسات عبر وسائل التقنية المختلفة، بما فيها التواصل الاجتماعى ووسائل الإعلام.
يُمكن تحديد أهم مستجدات هذا القانون مقارنة مع القانون المُلغى الذى صدر عام 2011م، فى أن عدد مواده جاءت فى 62 مادة مقارنة بـ35 مادة فى القانون المُلغى، كما شهد توسعًا فى محتوياته، ويتعامل مع الذكاء الاصطناعى وأنظمتها، والأدلة الرقمية، ويتكون من 9 فصول. كما يُلاحظ أن القانون تعامل مع مستجدات الأحداث التى حصلت فى السنوات الماضية.
ويمكن اختصار القانون فى أنه يُحدد ممارسات تُعد جرائم، ولكل ممارسة عقوبة وهى الغرامة المالية والسجن ويمكن أن تكون العقوبة واحدة منهما وليس كليهما بالضرورة، وترتفع العقوبة مع ارتفاع حجم الضرر الناتج عن تلك الممارسات.