رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

كنوز المصوّر| رجال القانون والجغرافيا والاستراتيجية يتحدثون: هكذا ترافعنا فى قضية طابا


25-4-2026 | 12:43

.

طباعة
نشر في : 30 سبتمبر 1988

هذه أسرار، وخفايا معركة طابا، نقدمها على شكل ثلاث شهادات يُدلى بها، على صفحات «المصور» ثلاثة من الذين خاضوا معركة فك الأسر عن طابا، حيث يتحدث كل منهم من خلال تخصصه ونشرت هذه الشهادات الكاتبة الصحفية سناء السعيد سنة 1988.

الدكتور مفيد شهاب يتكلم عن القانون الدولى.. واللواء محمد عبد الفتاح محسن يتكلم عن البُعد الاستراتيجى.. والدكتور يوسف أبو الحجاج يتكلم عن رؤية حقائق الجغرافيا عن المكان والحدود.

 

د. مفيد شهاب: 

ليست هناك حجة قانونية ذات سند قدمها الجانب الإسرائيلى

 

بعد المفاوضات السابقة على التحكيم وبعد وضع المشارطة ما أهم القرائن والدلائل والأسانيد التى قوّت من الموقف المصرى؟

إن الأسلوب العلمى الذى أعطى الاعتبار الأول لقومية هذه القضية، هو الذى جعل الإعداد إعدادا جيدا، وينتهى بمشارطة تحكيم جيدة قوية، لا أقول إننا قد انتصرنا فيها وأخذنا شيئا ليس من حقنا، وإنما انتصرنا بأن نجبر الطرف الآخر على أن تكون اتفاقية تحكيم محكمة محددة، لا تتيح للطرف الآخر أن يستمسك بلفظ غير واضح أو نقطة غير محددة، أو بمواعيد غير محددة، وإنما خرجت مشارطة التحكيم واضحة المعالم محددة الاختصاصات تحدد كل شيء دون أى لبس. وأنا أعتقد أنها كانت الخطوة الأولى لنجاح الخطوات التالية. وقد يكون من الصعب أن أحصر جميع القرائن التاريخية والجغرافية والقانونية التى قدمت، لكننا قدمنا ثلاث مذكرات مكتوبة، كل مذكرة تبلغ مئات الصفحات.. إذن كم هائل من الوثائق كلها أشياء مباشرة متعلقة بالموضوع، ولقد جمعنا كل ما له علاقة بالموضوع، وقدمناه تقديما علميا، فكل مذكرة كان فيها جزء تاريخى وجزء جغرافى وجزء قانونى. وجزء شهادات. وكل جزء يضيف إليه الأحكام النظرية والتطبيق عليها مسترشدين فى هذا بالكتب التاريخية وبالخرائط التركية الموجودة منذ عام 1906.

لو ركزنا على الجانب القانونى ماذا يقول الدكتور مفيد وهو المستشار القانونى للجانب المصرى طيلة السنوات الماضية بخصوص الدفاع المصرى والمرافعات أمام المحكمة؟

فى القانون الدولى وفى منازعات الحدود بصفة خاصة من أهم المعايير التى تثبت أن قطعة أرض معينة ملكى أو ملك غيرى، السلوك اللاحق، الذى يسلكه كل طرف تجاه هذه الأرض، فإذا كان ثابتا أن إسرائيل فى سنة 49 بمقتضى اتفاقية الهدنة قد انسحبت من طابا، وهذا مسلم به، ثم فى سنة 57 عندما دعتها الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى الانسحاب من سيناء، قد انسحبت أيضا من طابا، وهذا ثابت أيضا بالأوراق ومراسلات الأمم المتحدة وشهادات الشهود، فهذا فى حد ذاته قرينة قوية جدا وقاطعة، أنه لا يمكن لإنسان أن ينسحب من أرضه ولكنه ينسحب من أرض الغير فانسحاب 49 من طابا، وتأكده مرة أخرى سنة 57 فهذه قرينة قاطعة على أنه يتعامل مع طابا على أنها ليست ملكا له، ثم حين تكون هناك خرائط إسرائيلية توزع فى كتب المدارس، وفى هذه الخرائط وضعت خطوط تقريبية للحدود بين إسرائيل ومصر ومنها أن طابا فى الأرض المصرية. وعندما بدأ التحكيم اضطروا إلى سحب هذه الكتب من طلبة المدارس. ولكننا استطعنا أن نحصل على البعض ومنها وأن نقدمه للمحكمة، فهذه أيضا قرينة على أن إسرائيل تتعامل مع طابا على أنها أرض مصرية وليست أرضا إسرائيلية.

عندما نقدم صورا مصورة من بعض المصورين والرحالة الذين ذهبوا إلى هناك، وتقدم فيها طابا وقريب منها العلم المصرى أو قريب منها كشك مصرى، فهذه أيضا قرائن قاطعة على أن طابا مصرية.

حين نقدم بعض الصحف التى تشهد على أن هذه العملية كلها عملية «مفبركة»، مقال منشور فى جريدة «المونيتون» الإسرائيلية ومقال منشور فى جريدة «هوتم» الإسرائيلية يحكيان كيف أن العملية قد تمت بأن أمر قادة إسرائيل بعض الجنود بالذهاب إلى مكان العلامة (91) وأن ينزعوا هذه العلامة من مكانها ويلقوا بها فى البحر. ثم بعد ذلك تأتى الأمواج بها، صحف إسرائيلية تنشر ذلك مع ذكر أسماء منْ أعطى الأمر وأسماء الضباط الذين كلفوا بالقيام بالعملية مع التعليق على أنها عملية مهينة لإسرائيل لكونها عملا غير أخلاقى.. كل هذه الوثائق قدمت للمحكمة.

ثم كان من مهام المحكمة أن تنتقل إلى مكان طابا فى زيارة ميدانية، انتقل بالفعل المحكمون الخمسة. ورأوا على الطبيعة كيف أن الموقع المصرى به آثار لعلامة حدود ما زالت موجودة. ولم تجد المحكمة آثارا للموقعين اللذين حددتهما إسرائيل.

من هذه الشواهد كلها كان واضحا أن الجانب الإسرائيلى حتى بصرف النظر عن المستندات التى قدمها، لم يكن له أية حجة قانونية تساند موقفه. إنما كان يركز دائما على أن يجد منفذا لإضعاف الحجة المصرية.

أستطيع أن أقول إنه ما من حجة قانونية ذات سند قدمت من الجانب الإسرائيلى.

المذكرات المكتوبة

ماذا إذن عن المذكرات المكتوبة التى قدمها الجانب الإسرائيلى للمحكمة؟

المذكرات القانونية المكتوبة التى قدمها الإسرائيليون كانت ثلاثا.

وهم بالطبع أحضروا بعض الخبراء والشهود.. ومع الأسف أقول شهودهم لم يوفقوا فى إقناع المحكمة، بل إن بعض الكلام الذى جاء على لسان شهودهم كان يخدم وجهة النظر المصرية. وكان من بين شهودهم بعض الإنجليز ليخدموا وجهة النظر الإسرائيلية، وكانت إجاباتهم أمام الأسئلة الدقيقة المحددة لا تخدم إسرائيل بل تخدم مصر.

من حيث سير المحاكمة ما رأيك فى لجنة التحكيم وأسلوب عملها؟

أستطيع أن أقول بحكم تخصصى وبحكم معرفتى لقضايا الحدود المماثلة إن هؤلاء الثلاثة: رئيس المحكمة السويدى لاجرا جرين رجل ذو خبرة فى قضايا التحكيم الدولى فى منازعات الحدود وهو كان رئيسا لمحكمة الحدود فى قضية معروفة بين الهند وباكستان اسمها «ران اوف كاتش»، ومعه أستاذ قانون دولى سويسرى «شيندلر» هو عضو لجنة القانون الدولى، والعضو الثالث فرنسى رئيس محكمة النقض السابق وله خبرة فى قضايا التحكيم عموما، أنا بالفعل حضرت جميع الجلسات ويمكن أن أقول إن المحكمة نموذج مشرف من حيث الحيدة وإعطاء كل ذى حق حقه، والالتزام بالمواعيد الواردة، ولا تعطى ميزة لطرف على طرف إذا تكلم ممثل طرف نصف ساعة فمن حق ممثل الطرف الآخر أن يرد أيضا فى نصف ساعة. لا أولوية لطرف على آخر، حتى عندما جاءت مسألة من يبدأ الكلام طرحت المحكمة إجراء قرعة.

كم عدد الجلسات التى عقدتها المحكمة؟

المحكمة حددت وعقدت ثلاث جلسات للمرافعات الشفهية، وكانت كل جلسة تمتد فترة طويلة حوالى عشرة أيام أو أسبوعين. قبل ذلك كانت ترسل لها المذكرات المكتوبة والجلسات للمرافعات الشفهية وكانت ثلاثا.

منْ ترافع أمام المحكمة فى الجلسات الشفهية الثلاث؟

ترافع عدد من المحامين المصريين، اللجنة القومية كانت تشترك جميعها فى إعداد المذكرات. أما المترافعون فهم الدكتور طلعت الغنيمى، د. صلاح عامر، الأستاذ سميح صادق. د. أحمد القشيرى ، وأنا.

وتحدث فى البداية قبل كل هؤلاء ممثل مصر الرسمى وهو الدكتور نبيل العربى، أما القاضى المصرى الذى لا يتحدث فهو الدكتور حامد سلطان فكان على المنصة مع الأربعة الآخرين وهو غير متحدث.

هل كان هناك نوع من التخصص فى تحديد نقاط المرافعة بين المحامين المصريين الذين ترافعوا فى الجلسات الثلاث الشفهية؟

كان هناك بالطبع تخصص. كل منا يعد جزءا ونراجعه فيما بيننا، ونتفق عليه ونعدله، ثم يترافع شخص منا فى هذا الجزء، فمع التخصص العمل جماعى.

ما النقطة التى ترافعت أنت أمام المحكمة بشأنها؟

أنا أخذت الجزء القانونى المتعلق بالسلوك اللاحق لإسرائيل، وهو مبدأ الدفع على الخصم بأن موقفه مرفوض لأنه تسبب فى موقف آخر، عندما يكون موقف معين تريد أن تحسبه علىّ وأنت المسئول عنه، السلوك اللاحق لإسرائيل منذ أن نشأت حتى الآن، سلوكها اللاحق حول طابا، وسلوك مصر حول طابا والمبادئ القانونية، وأحكام محكمة العدل الدولية السابقة كلها، ومحاكم التحكيم التى تبين أن من أهم المعايير فى الحكم فى منازعات الحدود والمناطق المختلف عليها، هو تصرف وسلوك كل دولة نحو المنطقة المختلف عليها.

ما المبادئ القانونية الأخرى التى دافع بها المترافعون المصريون أمام المحكمة؟

هناك مبدأ آخر متعلق بتنفيذ التزامات بحسن نية. ليس مهما أن تنفذ الالتزامات فقط ولكن يجب أن تنفذها بحسن نية، وهو مبدأ هام للغاية فى القانون الدولى، فتأتى بأحكام القضاء الدولى التى تبين أن تنفيذ الأحكام يجب أن يكون بحسن نية، وكيف أن سلوك مصر كان دائما بحسن نية فى جميع تصرفاتها، وبالعكس أثبت كيف أن سلوك إسرائيل كان فيه سوء النية.

من المبادئ الأخرى التى دافع بها المترافعون المصريون مبدأ افتراض أن الأرض التى تحت يد إنسان يفترض فيها أنها أرضه حتى يثبت العكس. ومصر كانت تحوز طابا باستمرار على مر التاريخ. كون أن إسرائيل وضعت يدها عليها فى سنة 1967 فهذا وضع مؤقت شأن كل سيناء لأن هذا احتلال.

هناك أيضا مبدأ أن الاحتلال لا يغير من الصفة القانونية للأرض. أنا احتل أرضا، معنى ذلك أنه وضع مؤقت ولا أغير من معالمها إلى أن تتم التسوية فأتركها.

عدد من المبادئ القانونية كل منا كان يأخذ مبدأ ويشرحه نظريا وتطبيقيا وأحكام وعرض، أيضا لجزء تاريخى وجزء جغرافى. كل منا كان يذهب ويعرض جزأه أمام المحكمة، والذى كان يعد كل جزئية شخص بمفرده، وإنما الصورة النهائية يتفق الجميع حولها لأنها مذكرة باسم مصر.

أنا آمل أن يأتى اليوم الذى تنشر فيه كل هذه الوثائق على الرأى العام وتجمع فى كتاب واحد، ليعلم الرأى العام المصرى أولا أن مصر كانت صاحبة حق عندما لجأت إلى التحكيم بالتاريخ وبالجغرافيا وبالقانون، وليعلم أيضا أن الجميع قدم ملحمة وطنية بعمل جيد.

وأنا أعتقد أنها مسئولية وزارة الخارجية. أناشدها أن تجمع هذا العمل العظيم فى كتاب أبيض عن طابا يجمع كل هذه الوثائق.

أقوال إسرائيل

كانت هذه بعض المبادئ التى لجأ إليها المترافعون المصريون فى دفاعهم عن وجهة نظر مصر لإثبات حقها فى طابا، ماذا عن الدفاع القانونى الإسرائيلى أمام المحكمة، على ماذا اعتمد فى دفاعه؟

إسرائيل أساسا كانت تحاول أن ترد على الحجج بمحاولة التقليل من قيمة المبدأ، فإذا أشرنا إلى أهمية مبدأ السلوك اللاحق ومبدأ حسن النية يكون ردها أنها لا تلتزم به متعللة بأنها كانت فى حالة حرب مع مصر، حاولت إسرائيل من خلال الزعم – وهى حجتها القانونية – أنها كانت فى حالة حرب مع مصر وأن تقول إن هذه المبادئ لا تسرى إذا طرحنا أنها انسحبت من طابا فهى إذن ليست ملكها ويكون ردها أنها كانت فى حالة حرب.

ومن ثم فهى لا تلتزم بالقانون وكان الرد عليها لا، هناك مبادئ قانونية واجبة التطبيق فى حالة الحرب والسلم، وهناك مبادئ أخرى تطبق فى حالة الحرب ونطالبك يا إسرائيل بأن تلتزمى بها.

وكان الدفاع الإسرائيلى يتبع سياسة التشكيك فى المبادئ القانونية، وسياسة تشكيك فى حجج مصر، ومن هنا لم تنجح إسرائيل فى أن تنفذ إلى ثغرة قانونية أو تاريخية أو جغرافية.

وإذا تحدثنا عن قوة الحكم الذى ستصدره المحكمة بعد اطلاعها على كل ما قدمه الطرفان، هل تحدد بشكل واضح أيضا فى مشارطة التحكيم؟

من المبادئ المسلم بها فى القانون الدولى ما نسميه المتعاهد عبد لاتفاقه أو لمعاهدته، ويسمى فى القانون الداخلى العقد شريعة المتعاقدين، أو المتعاقد عبد لتعاقده، مبادئ قانونية مسلم بها منذ الأزل، منذ وجدت علاقات لا بد وأن يسودها النظام، وجد مبدأ مستقر منذ القدم، العقد شريعة المتعاقدين، وفى القانون الدولى المعاهدة ملزمة لأطرافها، مشارطة التحكيم التى التزمنا نحن الاثنين بها تنص صراحة على أن الحكم الذى يصدر عن محكمة التحكيم بالأغلبية يكون حكماً نهائياً ملزماً للطرفين واجب التنفيذ، وإسرائيل ملتزمة بهذا، ومصر ملتزمة بهذا وأمريكا ضامنة لهذا، لأن ميرفى وكيل وزارة الخارجية الأمريكية وقع على مشارطة التحكيم، مثل كارتر الذى وقع على اتفاقية السلام كضامن لهذه الاتفاقية.

إذن هناك التزام قانونى من الطرفين بضرورة تنفيذ الحكم أيا كانت نتيجته على مصر أو على إسرائيل، وأمريكا ضامنة لحسن تنفيذ هذا الالتزام، ليس حكماً قابلاً للاستئناف أو النقض، أو لالتماس إعادة النظر، وألا يطول النزاع إلى الأبد، النزاع بدأ من سنة 82 يكفيه ست سنوات ويجب أن يحسم لصالح أى من الطرفين.

إذن الحكم نهائى ملزم وواجب التنفيذ، هذا مبدأ قانونى دولى مسلم به، إذا كان هناك اتفاق تحكيم يجب الالتزام بحكم المحكمة، ولكن مصر حرصت على أن تضمن هذا الشرط فى مشارطة التحكيم، هو نص خاص مؤكد مثبت يكرر قاعدة قانونية مسلم بها، وهو أن أحكام القانون الدولى نهائية واجبة التنفيذ، إنما يبقى أن المجتمع الدولى والعلاقات الدولية تختلف فى طبيعتها عن المجتمع الداخلى، لا توجد أداة تنفيذ دولية تجبر من صدر الحكم ضده أن ينفذ بالقوة، وهو ما يفقده المجتمع الدولى، بعكس القانون الداخلي.

فى القانون الدولى لا يوجد هذا الجهاز الأعلى عن الدول حتى الأمم المتحدة هى ليست جهازاً أعلى من كل الدول، وإنما هى جهاز للتنسيق والتوفيق بين الدول.

ومن هنا لا توجد أداة أو جهاز يجبر الدولتين عملا على تنفيذ الحكم.

وماذا يفعل منْ صدر الحكم فى صالحه لتنفيذه؟

الحكم تبقى له قيمته القانونية الضخمة، يبقى أن هذا سند الشرعية، أن هيئة التحكيم الدولية أعلنت أن هذه الدولة هى صاحبة الحق، أن العلامة موقعها هذا هو سند الشرعية القانونية، ما تقوله المحكمة هو الحق، ما تقوله المحكمة هو القانون، وأن ينفذ هذا هو الأصل، وإنما أن يمتنع أحد الأطراف هذا وارد نأمل ألا يمتنع أحد، لا مصر ولا إسرائيل، التزاماً بكلمتيهما والتزاماً بتعديهما، ونأمل فى أن تلتزم إسرائيل بتنفيذ هذا الحكم كما تعهدت وكما وقعت على المشارطة، ولكن هل هناك احتمال أنها إذا ما وجدت الحكم فى غير صالحها ألا تنفذه؟ هذا وارد ويجب أن أفكر أنه وارد، ولكن تقديرى الشخصى أنها ستنفذه.. تقدير شخصى لماذا؟ لعدة أسباب:

أولاً: أن إسرائيل وقد قبلت التحكيم وكانت تنازع فى الالتجاء إليه، أما وقد قبلته وكان فى استطاعتها ألا تقبله وهى تعرف موقفها وأنها ليست صاحبة حق لا تعتقد أنها فى مثل هذه الظروف ستمتنع عن تنفيذ هذا الحكم لأن شكل الرفض سيكون صعباً للغاية، أن محكمة قبلت هى بتشكيلها واختارت قضاتها، وشاركت فى مشارطة التحكيم، وتمتنع عن تنفيذ حكم يصدر عنها، هذا سيكون عدولاً سافراً وعدواناً سافراً.

نخشى أن تكون إسرائيل ما زالت مملوءة بعدم الوفاء بالتزاماتها وعدم تنفيذها للعديد من الالتزامات مثل القرارات الصادرة من الأمم المتحدة ومجلس الأمن.. إنما الأمر هنا مختلف، هناك قرارات صدرت عن مجلس الأمن وتقول إسرائيل إن المجلس تجاوز اختصاصه، إنما الأمر هنا أنها اختارت بنفسها المحكمة والقانون هى التى حددته، الاتفاقية هى التى ساهمت فى خلقها، ماذا ستكون حجتها عندما تمتنع عن التنفيذ.

لن تجد أى مبرر أو أى سند تتذرع به لعدم تنفيذ الحكم، سيكون وضعها صعباً، وأنا أعتقد أنها ليست على استعداد لأن تشوه صورتها أمام المجتمع الدولى بهذه الصورة، ثم سيكون موقفها أمام الولايات المتحدة صعباً جداً وهى الحليفة معها، وهى الضامن للاتفاقية، ثم ماذا عن موقف الولايات المتحدة أمام مصر، وهى التى دفعتنا للحل السلمى مع إسرائيل وإقامة اتفاقية سلام ومشارطة التحكيم، هناك التزام أدبى على الولايات المتحدة أن تجبر إسرائيل على أن تلتزم بتنفيذ الحكم، ثم أكثر من هذا فمعنى رفض إسرائيل أنها ترمى بكل مستقبل السلام عبر الحائط، وأنها تريد أن تصعد الخلافات بينها وبين مصر إلى نقطة اللاعودة.

أنا لا أتنبأ بماهية ردود الأفعال المصرية لأن القيادة السياسية أقدر على تحديد ما هو رد الفعل المناسب الذى تتخذه، ولكن هل إسرائيل على استعداد بأن تضحى بهذا كله وبمستقبل علاقاتها بمصر؟

أنا أستبعد هذا الموقف لأنه سيكون عملاً أرعن خطيراً يؤدى إلى نتائج خطيرة ضد إسرائيل وضد السلام وضد العلاقات مع مصر، أنا لا أتوقع أن تصعد إسرائيل الأمور، وليس من صالحها أن تصعد الأمور إلى مثل هذا الموقف العدائى من مصر.

ما زالت جزئية قوة الحكم وتنفيذ الحكم تحتاج إلى مزيد من الإيضاح خاصة أن مشارطة التحكيم كانت غاية فى الدقة فى كل التفاصيل المتعلقة بالتشكيل وسير المرافعات، فماذا تضمنت المشارطة بخصوص قوة الحكم وأسلوب التنفيذ؟

المشارطة لم تغفل هذا، وكنا بالفعل حريصين حتى نضمن ألا يكون هناك خلل بين صدور الحكم وتنفيذ الحكم، فمشارطة التحكيم فيها مادة هى المادة (12) فقرة (4) تعطى المحكمة أيضاً بجانب ما تحكم بالأحقية أنها تحدد الإجراءات الواجب اتخاذها لضمان تنفيذ الحكم، خوّلنا المحكمة وهى تصدر الحكم تحديد مكان العلامة لأن اختصاص المحدد بتحديد موقع العلامات الأربع عشرة الصحيح كما تقول مصر، كما تقول إسرائيل ليس لها من بديل وسط، المحكمة عليها أن تحدد أيا من الزعم المصرى أو الزعم الإسرائيلى هو الصحيح فى موقع العلامة.

وعندما تصدر الحكم حول الموقع الصحيح للعلامة (91) وغيرها من العلامات الثلاث عشرة، من حقها أن تقرر ما الإجراءات الواجب اتخاذها لضمان تنفيذ الحكم، هذه سلطة تقديرية للمحكمة ستتدارسها فيما بين أعضائها وتحدد بعض الوسائل والتدابير التى تراها المحكمة كفيلة بتنفيذ الحكم طبقاً للمادة (12) فقرة (4).

هل لديكم أية فكرة عن نوعية هذه الوسائل أو التدابير التى يمكن أن تقدرها المحكمة؟

لا هذه سلطة المحكمة.

ولكن هل يمكن توقع شيء معين قياساً على القضايا والمنازعات الدولية السابقة التى يمكن الاسترشاد بها؟

هناك كثير من الاحتمالات التى تدرسها المحكمة خاصة من شهر إبريل الماضى، والمحكمة وحدها صاحبة السلطة فى تحديد هذه التدابير الكفيلة بتنفيذ الحكم.

بعد صدور الحكم ماذا سيكون وضع القوة المتعددة الجنسيات الموجودة فى طابا؟

عندما يصدر الحكم بأن هذه الأرض مصرية ستعود إلى مصر وسيتم تنفيذ وضع العلم المصرى وعلامة الحدود فى الموقع الذى تراه مصر، وتخرج القوات المتعددة الجنسيات منها، وتعود كجزء من الأراضى المصرية يسرى عليها ما يسرى على باقى الأراضى المصرية وفقاً لمعاهدة السلام، وسيوضع العلم وعلامة الحدود فى المكان الذى ستحكم به المحكمة أنه موقع طابا الذى نأمل بإذن الله أنه الموقع الذى حددته مصر، ونحن جميعاً فى مصر ونحن كمترافعين فى القضية نأمل أن تحكم المحكمة اليوم 29 بأن ما حددته مصر للعلامة (91) هو الموقع الصحيح، وبالتالى يلتزم الطرفان بتنفيذ ذلك على الطبيعة ووضع علامة الحدود على الموقع.

 

د. يوسف أبو الحجاج:

وجدنا خريطة توضح أن المنطقة المتنازع عليها اسمها «رأس المصرى»

الدكتور يوسف أبوالحجاج أستاذ الجغرافيا بجامعة عين شمس وأمين الجمعية الجغرافية المصرية، وهو يدرس حاليا فى جامعة «وينسكونسون» الأمريكية، وعضو اللجنة القومية لطابا. ماذا عن طابا جغرافيا وما أهميتها؟ يتحدث عن الجانب الجغرافى فى القضية.

كل المنطقة المتنازع عليها نحو عشرة كيلو مترات.. وهذه المساحة بالنسبة لشبه جزيرة سيناء التى تزيد مساحتها على 50 ألف كيلو متر مربع ضئيلة جداً، وهناك أمران مهمان.

الأمر الأول: أن أى جزء من أرض الوطن جزء مقدس أيا كانت مساحته، فمنطقة طابا هذه قطعة من أرض الوطن، فلا يمكن لإنسان مصرى أن يتحمل أن ينزع من جسده جزءا من لحمه الحى.

الأمر الثانى: أن منطقة طابا لها مزايا جغرافية تجعل استيلاء الخصم عليها شيئا غير مستحب، فمنْ يسيطر على طابا يمكن أن يتغلغل إلى داخل سيناء عن طريق نويبع وشرم الشيخ بسهولة أكبر مما لو التزمنا بخط الحدود الأصلى، الذى حدد فى عام 1906 بين تركيا ومصر، والذى يسير مع سلسلة جبلية تشرف على وادى طابا، ليس طابا ذاتها بل أعلى طابا، مصر كانت إذن فى موقف عسكرى حاكم.

ومن عوامل تمسك إسرائيل بها غير المسائل العسكرية هذه، عامل آخر هو رغبتها فى الاستيلاء على امتداد شاطئ إيلات، فهى ترغب فى توسيعه باستيلائها على المنطقة السهلية لطابا، هذا بالإضافة إلى أن المياه صالحة للملاحة فليس بها شعب مرجانية، وهى نقطة جغرافية مهمة، فالشعاب المرجانية التى يشتهر بها البحر الأحمر وغيره من البحار الدفيئة تشكل خطورة على السفن وعلى الملاحة عامة، لأنها يمكن أن تشق السفينة شقا لشدة صلابتها، ولكن حيوان المرجان لا يعيش إلا فى المياه الصافية، أما وادى طابا فيخل بهذا الصفاء، ويؤدى إلى تعكير الماء فى خليج العقبة عن مصب وادى طابا؛ حيث تكون المياه العكرة، وهنا لا تعيش شعاب المرجان، فالمنطقة إذن خالية من هذه العقبة الملاحية. ولذلك حاول الإسرائيليون استغلال المنطقة بإقامة فندق سونستا والقرية السياحية واستغلوا الشاطئ للسياحة واليخوت البحرية.

أربع عشرة نقطة

ولكن النزاع لا يقتصر على منطقة طابا، بل هناك أكثر من 14 موقعا مختلفا عليها.. فما أكثرها أهمية بخلاف طابا؟

بالفعل الخلاف لا يقتصر على طابا وحدها، وإنما إلى شمال طابا، هناك منطقة تسمى منطقة رأس النقب، منطقة مساحتها أكبر من مساحة طابا، ولكنها بعيدة عن الخليج إلى الداخل، تعد من النقاط المهمة التى يشملها النزاع أيضا وهى منطقة لها أهميتها العسكرية كما لها أهميتها من حيث المواصلات فعن طريقها يمكن التغلغل إلى داخل سيناء.

إسرائيل بدعواها ترغب فى الإخلال بمبدأ ثبات الحدود.. نحن نقول إن الحدود الثابتة وضعت وحددت سنة 1906 ويضرب بها المثل كنموذج للحدود التى وضعت على أسس جغرافية سليمة تمت عن طريق تحديد المساحة بصورة دقيقة، ورسمت لها خرائط وتابعوا الظاهرات الطبيعية مثل السلسلة الجبلية المطلة على الوادى التى يسير معها خط الحدود شرق وادى طابا مباشرة وتوجد عليه العلامات 91 و 90 و 89.. كل العلامات الجنوبية تشرف عليها هذه السلسلة.

ما المزاعم أو الدعاوى الإسرائيلية فيما يتعلق بالحدود من الناحية الجغرافية؟

ما حجة إسرائيل لكى تأتى وتتنازع حول 14 علامة من بين 91 علامة على طول خط الحدود، لا خلاف إلا على تلك العلامات الأربع عشرة. ولكن أهمها جميعا هى العلامات الجنوبية القصوى وأشهرها علامة (91) لقربها من خليج العقبة. والعلامات الأخرى الموجودة فى منطقة رأس النقب. فلو كانت الترجمة الإنجليزية لاتفاقية سنة 1906 مضبوطة مائة فى المائة لما كان يمكن أن يكون هناك مبرر لخلاف أو نزاع، أما ما اكتشفه الفريق المصرى فهو أن الترجمة من النص التركى - وهو النص الوحيد المعتمد - هذه الترجمة كان بها بعض الثغرات وبعض الأخطاء التى استغلها الإسرائيليون.

هل يمكن تحديد تلك الثغرات الذى استغلها الجانب الإسرائيلى وما الرد المصرى عليها؟

الأمثلة عديدة.. فالمادة الأولى من اتفاقية عام 1906 تقول إن خط الحدود يبدأ من رأس طابا هذا هو النص التركى، أما الترجمة الإنجليزية لهذه المادة فقد جاء بها أن خط الحدود يبدأ عند نقطة رأس طابا، الإسرائيليون جاءوا عند بروز صغير فى المنطقة من البر نحو البحر، عند هذا البروز ادعوا أن هذا الجزء هو المقصود به نقطة رأس طابا. رأس طابا شيء كبير. أما نقطة رأس طابا فهى ذلك البروز الصغير.. بل نشرت مقالة فى إحدى المجلات الإسرائيلية تؤكد وتوضح هذا المعنى وهذا التحديد. على حين أنه ثبت أن كلمة نقطة لا وجود لها فى الأصل التركى وهو ما قمنا بتأكيده.

وأثبتنا أيضا جغرافيا أنه لا يوجد شيء فى الجغرافيا اسمه نقطة رأس كذا. حينما أحدد رأس طابا أو أى رأس فى سيناء أو فى الصحراء الشرقية أو الصحراء الغربية عامة رأس يقصد به، بروز عام موجود، أما نقطة رأس فهذه مسألة لم تكن مفهومة لدينا فى علم الجغرافيا، فطلبت من أحد الزملاء المتخصصين فى اللغة التركية بكلية الآداب بجامعة عين شمس. أن يترجم لى المادة الأولى من الأصل التركى فلم نجد كلمة نقطة.

وفى أثناء تحقيقنا فيما بعد وجدنا ما يؤكد حقنا ويثبت صحة وجهة نظرنا، حيث وجدنا فى إحدى الخرائط التى عثرنا عليها فى الجمعية الجغرافية المصرية أن هذه المنطقة لها خريطة مفصلة وأن المنطقة المتنازع عليها بالتحديد مكتوب عليها «رأس المصرى» حتى عنوان الخريطة ذاتها كان «رأس المصرى»، إذن المنطقة التى تحددها إسرائيل على أنها رأس طابا، وأنها مكان بداية الحدود هى منطقة يدل حتى اسمها على أنها طوال التاريخ كانت داخل الحدود المصرية وإلا ما كانوا سيطلقون عليها رأس المصرى. كما أن المسألة ليست متعلقة فقط بصدفة تحديد اسم معين وإنما إلى جانب هذا أن الاستراحة التى يملكها سلاح الحدود المصرى موجودة فى هذا البروز ومبينة على هذه الخريطة وعلى خرائط أخرى. إذن حجة إسرائيل بأن هذه هى المنطقة التى يبدأ منها خط الحدود. حجة لا أساس لها جغرافيا وتنهار حجتها تماما أمام الأسانيد المصرية.

أسانيد جغرافية

هل هناك أسانيد جغرافية أخرى دلل بها الجانب المصرى على قوة موقفه على ملكية مصر لطابا فى هذا المجال؟

كانت هناك أيضا محاولات من جانب الإسرائيليين لاستغلال كلمة سلسلة وهى كلمة أو مصطلح جغرافى جاء فى النص الإنجليزى لترجمة الاتفاقية التركية المصرية لسنة 1906 فقالوا نحن موافقون أن خط الحدود يسير مع السلسلة ولكن هل يسير أعلى السلسلة أو فى أسفل السلسلة أم فى جزئها الأوسط. هذا غير محدد. هم حددوا مكان خط الحدود على أنه يسير فى أسفل السلسلة والسبب معروف لأن هذا الادعاء يجعلهم يسألون عن الجزء الذى أنشئ عليه الفندق أى البروز الذى يطلقون عليه رأس طابا.

فلما أعدنا ترجمة النص التركى للاتفاقية سنة 1906 وجدنا أن كلمة سلسلة لا وجود لها فى النص التركى. الموجود فى النص التركى هو أن خط الحدود يبدأ فى رأس طابا ويسير مع قمم المرتفعات المطلة على وادى طابا فى الشرق، أى حددت الاتفاقية قمم المرتفعات. كلمة سلسلة لا بأس بها من الناحية اللغوية وأيضا نحن نستخدمها فى الجغرافيا. على أن يكون مفهوم المقصود بالسلسة حينما تطلق أنها تطلق على قمة السلسلة ذاتها.

لكن التفسير الماكر للإسرائيليين جعلنا نعيد البحث والنظر فى نص الاتفاقية التركى فوجدنا أن كلمة السلسلة مجرد اجتهاد فى الاتفاقية. ولم يكن يدور فى خلدهم أن أحدا سيأتى فيما بعد ويحدد أن السلسلة مقصود بها أسفل السلسلة وليس قمتها، فأثبتنا أن الترجمة الصحيحة للنص هى قمم المرتفعات المطلة على وادى طابا. هذه الأخطاء الموجودة فى الترجمة الإنجليزية التى غالبا ما تكون أخطاء بحسن نية، استغلها الإسرائيليون فاستغلوا كما قلنا كلمة «نقطة» رأس طابا، واستغلوا كلمة سلسلة، ما قمنا به هو إعادة ترجمة النص التركى بالكامل، ووقع على هذه الصياغة ثلاثة أساتذة مصريين، وختمت بختم الجامعة المصرية، وقدمت كوثيقة للمحكمة وتعد من أخطر الوثائق التى قدمت إلى هيئة التحكيم. لأنها تناولت نقطتين من أهم نقاط الخلاف بين الجانبين.

جاء الجانب الإسرائيلى فى دفاعه وسكت تماما عن مسألة تحديد كلمة نقطة ولم يذكرها بل فى ترجمته قال: تبدأ الحدود من رأس طالبا ولم يقل نقطة رأس طابا، وهناك مذكرة من المذكرات التى قدمت من الجانب الإسرائيلى تختفى فيها كلمة نقطة تماما.

أما فى المسألة الخاصة بتحديد القمم فقال الجانب الإسرائيلى إنها مرتفعات وليست قمما، فحين تحدثت أمام المحكمة فى مارس الماضى فى جنيف. ودافع المحامى الإسرائيلى لوترباخ وتساءل عما يقوله الإسرائيلى كوهين فى هذا الشأن أجبته بأنه أيا كان التعريف بقمم أو مرتفعات فإن المهم هو أن خط الحدود لا يسير مع أسفل السلسلة. وأضفت فى حديثى للمحكمة، أما كلمة مرتفعات فالجانب المصرى غير مستعد لقبولها على علّتها بل إننى أعتب على كوهين أنه لم يورد أية مصادر أو مراجع لترجمته، أما الجانب المصرى فقد أورد أربعة قواميس عالمية معتمدة مع ذكر الصفحات التى ورد فيها التعريف لهذه الكلمات المتنازع عليها، هذا فضلا على أن هذا ليس تخصصه لأنه أستاذ مساعد فى التاريخ وليس فى الجغرافيا.

حتى زعمهم المتعلق بالعلامة 90 قبل العلامة الأخيرة فى الجنوب والمتعلقة بالعلامة (91).. بين 90 وخليج العقبة خط الحدود يسير فى رأى الجانب الإسرائيلى - مع أسفل السلسلة، من جانبنا أثبتنا أنه لا توجد كلمة سلسلة. فتصور أن هناك خط حدود يسير فى منطقة سهلية تصور غريب، لأن الحدود لا توضع فى المناطق السهلية وهو أمر عالمى معروف أن مخططى الحدود يختارون المناطق العالية لكى تكون واضحة وتكون فاصلة مثل ما هو قائم فى جبال البرانس التى تفصل بين فرنسا وأسبانيا، وهى جبال شاهقة.. خط حدود فى منتهى الوضوح. جبال «هيمالايا» التى تفصل بين الهند والصين، جبال الإنديز التى تفصل بين الأرجنتين وشيلى، هذه المرتفعات هى التى تقام عليها خطوط الحدود بسهولة فهى المكان الصالح لوضع علامات خطوط الحدود الفاصلة بين الدول وليس فى المناطق السهلية. وإلا ففيم كان النزاع فى 1906 بين مصر وتركيا حينما احتل الأتراك طابا فى هذه السنة، وأخرجهم المصريون منها.

كما ادعى الجانب الإسرائيلى أن وادى طابا الشمالى الأعلى ليس هو وادى طابا، وادى طابا إلى الغرب منه، وفى الغرب منه اختاروا رافدا من روافد وادى طابا لا اسم له على الخريطة وحددوه بأنه هو وادى طابا، لماذا يحددون الغرب؟ حتى يسهل لهم الاستيلاء على الجزء الشرقى فى خط الحدود الذى نطالب بحقنا فيه.

ووفقنا الله فى أن نثبت أن كلام الإسرائيليين لا يستقيم من الناحية الجغرافية - لأن الوادى الذى يقولون عنه إنه الوادى الرئيسى ما هو إلا رافد من روافد الوادى الرئيسى، بدليل أن انحداره أشد من انحدار الوادى الذى نحدده نحن كواد رئيسى. فعند قياس الانحدار ثبت أن الرافد الذى حدده أكثر انحدارا، إذن هو الرافد، لأن الأقل انحدارا هو الرئيسى وفقا لأسس الجغرافية الطبيعية. هذا فضلا عن أن هذا الرافد أصغر من حيث الطول، وقمنا عن طريق قسم الرسم بالمساحة العسكرية برسم قطاع جغرافى يثبت هذا الكلام بالرسم والأرقام. وقدم كوثيقة للمحكمة، وهنا لم يتمكن الإسرائيليون من الرد على الأسانيد والإثباتات المصرية فما كان منهم إلا المراوغة والزوغان، فقد علقوا على ذلك بقولهم هل منْ وضع الحدود فى 1906 كان على دراية بكل هذه الأساليب الجغرافية المدنية المعقدة، والجواب أن الوادى الرئيسى كان واضحا لهم حتى بمجرد النظر. ولم يكونوا على علم بأنه سينشأ نزاع بيننا وبينكم فى سنة 1988.

كما أمكننا أن نثبت أيضا أن بعض المعالم الجغرافية الأخرى فى منطقة النقب مثل جبل فتحى باشا لا يمكن إلا أن يكون داخل حدود مصر بوسائل جغرافية من هذا النوع.

فالنقاط التى أثارها الإسرائيليون فى ظاهرها يمكن أن «تهوش» الشخص غير المتخصص لكن الرد عليها كان ردا علميا وبسيطا تقبلته المحكمة. لأن حججنا كانت قوية ومقنعة.

 

لواء محمد عبدالفتاح محسن:

علامة الحدود الأخيرة ألقت بها إسرائيل فى البحر

والآن نسأل اللواء متقاعد محمد عبدالفتاح محسن رئيس المساحة العسكرية سابقا والمستشار حاليا فى أن يعطى لنا فى البداية تعريفا مبسطا للحدود فى العالم بشكل عام ثم تخصيصا كيف نشأت الحدود المصرية وعلى وجه التحديد حدود سيناء؟

نحن نعلم أن الحدود فى العالم توضع بين الدول بعضها والبعض لتحدد سيادة الدولة على منطقة معينة من الأرض، والحدود بدأت فى العالم بما يسمى التخوم، وهى تعنى مساحة من الأرض كانت تقترب من حدود الدولة، وتطورت هذه التخوم إلى ما يعرف الآن بالحدود، والحد هو خط، ليس مساحة كما هى الحال فى التخوم.

الحدود تتغير بين الدول بعضها والبعض، ففى الحرب العالمية الأولى تغيرت حدود دول أوربا، وتغيرت كذلك الحدود بعد الحرب العالمية الثانية، وكان ينظر إلى الحد فيما سبق على أنه خط يحدد أطراف الدولة وحدودها، وإنه يمتد على مساحات أرضية معينة، وتطور هذا الفهم إلى أن أصبح أن خط الحدود يمتد مرتفعا إلى السماء ليصل إلى ارتفاع حوالى عشرة أميال أى إلى نهاية الغلاف الغازى فقط، إذن أصبح لحد الحدود عمق رأسى، وتعتبر الدولة أن سيادتها ممتدة إلى هذا الارتفاع، كما تطور التفكير فى الحدود إلى أن هذا الخط يمتد بالعمق، بمعنى أن جميع الثروات المعدنية الموجودة فى نطاق هذا الخط ملك للدولة وتحت سيادتها.

وإذا انتقلنا إلى وضع مصر فسنجد أن مصر لم يكن لها حتى 1906 حدود شرقية معلمة أو محددة، وإنما كانت هناك علامات أرضية تحدد هذه الحدود، فعند رفح يوجد العمودان الرخاميان اللذان يحددان نقطة الانتقال إلى ما كان يطلق عليه إقليم سوريا؛ أى نقطة الانتقال إلى مصر. وإلى الجنوب من هذا الخط كانت توجد منطقة طابا، وكانت فى بادئ الأمر تمتد إلى منطقة أم رشرش، بمعنى أنه من أم رشرش إلى رفح كانت هى الخط أو التخوم التى تحدد لنا كيف ينتقل الإنسان من سوريا إلى مصر.

ضرورة الحدود

إذن ما الدوافع التى دفعت إلى وضع خط الحدود الشرقية لمصر فى تلك الفترة.. وكيف تم ذلك؟

فى بداية القرن العشرين كانت بريطانيا تحتل مصر، وكان هذا الاحتلال بغرض حماية قناة السويس باعتبارها الشريان الحيوى الذى يؤدى إلى الهند.

فكان هناك اهتمام زائد من جانب بريطانيا بهذه المنطقة، وبداية القرن العشرين كانت هناك علامات فى الأفق تنذر باحتمال وقوع حرب عالمية. العسكرية البريطانية كانت تفهم وتدرك وتحس بهذ الاحتمال.

وعلى هذا الأساس كان تقدير الموقف كالآتى: إذا حدثت حرب عالمية فى هذه المنطقة فستكون من إحدى أهم نتائجها تغيير حدود المنطقة.

وكانت الدولة العثمانية فى حالة مرضية، إذن كانت هناك احتمالات أن بريطانيا ستكون فى مواجهة مع الإمبراطورية العثمانية، وستكون أحد أسباب هذه المواجهة مصر.

وكان السؤال: أين سيكون ميدان هذه المواجهة؟ بريطانيا تهتم بقناة السويس ولابد من أن تدافع عنها، إذن لابد من أن يكون الميدان البرى فى منطقة ما شرق قناة السويس، هذه المنطقة البرية شرق قناة السويس ستكون سيناء.

إذن لكى أحارب فى سيناء لابد من أن أكون ملما بأبعادها وحدودها، فكان لابد من تحديد الحدود الشمالية الشرقية وهى الحدود التى ستفصل بين سيناء باعتبارها جزءا من مصر وبين باقى الإمبراطورية العثمانية فى سوريا التى كانت تتبع تركيا.

من هنا جاءت فكرة إنشاء الحدود خط الحدود الشمالى الشرقى، الشيء الغريب جدا- باعتبار أن مصر تقع فى المنطقة المدارية الصحراوية- أن كل حدودنا سواء الشمالية الشرقية أو الجنوبية أو الغربية تقع فى مناطق صحراوية، ولذلك فالتحديد للحدود هنا يجب أن يتوخى الدقة باعتبارها مناطق صحراوية من المناطق التى لا توجد فيها معالم واضحة.

إذن فكرة تحديد الحدود الشمالية الشرقية ستحدد مسرح العمليات ما بين الإمبراطوريتين البريطانية والعثمانية بمفهوم ما قبل الحرب العالمية الأولى، لأن مسارح العمليات تغيرت اليوم، فنحن الآن فى المسرح الأرضى global بمعنى أن المسرح يغطى الكرة الأرضية بكاملها، وكان مسرح العمليات منذ عشر سنوات مسرح ما بين القارات والآن ونتيجة لحروب الكواكب التى يفكرون فيها ستصبح الكرة الأرضية بكاملها مسرحا لمسارح العمليات.

مسرح العمليات فيما قبل الحرب العالمية الأولى كان التفكير فيه على أنه مساحة من الأرض يحدها فضاء، وقد تحيط بها بحار، وهذا المسرح لابد أن يعد إعدادا طيبا لسير العمليات الحربية المرتقبة ما بين بريطانيا والامبراطورية العثمانية.

أريد أن أنتهى إلى أن الفكر الاستراتيجى البريطانى كان يركز تركيزا شديدا على إيجاد الحدود الشمالية الشرقية لمصر وتحديدها تماما حتى يعرف موطئ قدمه، بالنسبة لدفاعه عن قناة السويس، فكما نلاحظ على الخريطة نجد أن لسيناء حدا بحريا طبيعيا وهو البحر المتوسط وحدا غربيا يكاد يكون طبيعيا وهو خليج السويس ثم قناة السويس وحدا شرقيا جنوبيا وهو خليج العقبة، وهنا تبقى ثغرة بسيطة يجب إقفالها وهى ما بين رفح وشمال غرب خليج العقبة، وكان هذا هو التفكير، فبداية تحديد الحدود كان من عند رفح عند العمودين الرخاميين اللذين اعترف بهما كل الرحالة وكل المؤرخين على أنهما بداية الحدود بين سوريا ومصر ثم تتجه جنوبا إلى الجزر شمال أم رشرش فى شمال غرب خليج العقبة، لأن ما كان معروفا فى ذلك الوقت كانت العقبة ثم تأتى مصر وكانت العقبة.

إذن هذه هى الفلسفة أو الفكر الذى كان وراء تحديد الحدود الشمالية الشرقية لمصر.

جذور النزاع

ما وجهة نظرك حول إثارة النزاع وخلفيته من الجانب الإسرائيلى وأسبابه ودوافعه؟

الواقع لم يكن يتأتى أن يكون هناك نزاع أو مشكلة لأن وضع مصر واضح تماما وكان يحدد هذا الوضع بموضوع الاتفاقية التى تمت بين الجانب المصرى ومعه بريطانيا من ناحية، وبين الجانب التركى، وتحددت الحدود تماما من خلال اتفاقية سنة 1906 التى رسمت خط الحدود وحددت النقط عليها ووصفتها، ولو رجعنا إلى الاتفاقية لوجدنا أنها تتكون من ثمانى مواد تحدد وجود طابا داخل أرض مصر وخاصة فى المادة الأولى التى تتكلم عن وصف خط الحدود، فهذه المادة توضح أن هذا الخط يبدأ كما هو موضح فى الخريطة المرفقة بالاتفاقية عند رأس طابا على الشاطئ الشرقى لخليج العقبة ثم تمتد بعد ذلك على امتداد الجرف الجبلى الشرقى الذى يطل على وادى طابا إلى قمة وادى «فورت»، ومن هنا يمتد الخط إلى باقى النقط، فالفقرة الأولى للاتفاقية تكلمت عن إحدى النقاط الخلافية الرئيسية وهى «رأس طابا» ورأس طابا بمعناها أعلى قمة موجودة فى الجرف الجبلى لطابا الذى يطل على وادى طابا على الحد الشرقى لوادى طابا.

إذا شهدنا هذا على الطبيعة فسنجده شيئا يسهل تحديده والخط تم تعليمه فى نهاية الأمر بأهرامات ناقصة، ويبرز من كل هرم ناقص كمرة حديدية على شكل حرف u ولكنها مسطحة ومكتوب على كل هرم علامة هذه النقطة.

تعلم أن نقط الخلاف عددها أربع عشرة نقطة، فهى متركزة فى نقط (7)، (14)، (15)، (17)، (27)، (46)،(51)،(52)، (56) ثم نقطة رأس النقب (85)، (86)، (87) يلى ذلك النقطة (88)، ثم نقطة رأس طابا التى عليها الخلاف الرئيسى فى هذا النزاع.

فلو أخذنا منطوق النص الأول ثم ذهبنا إلى الطبيعة لوجدنا أن كلمة «رأس طابا» تفسر نفسها لأن رأس طابا تمتد حتى تلتصق أو تصطدم بخليج العقبة.

تمت زيارات لمواقع العلامات التى دار حولها الخلاف فماذا شاهدت اللجنة وهيئة التحكيم على الطبيعة؟

تمت زيارتان لهذه المنطقة؛ الزيارة الأولى كانت فى 14 يناير سنة 1982 مع اللجنة العسكرية المصرية التى كانت تقوم بالتفاوض دائماً على تحديد الخط مع اللجنة العسكرية الإسرائيلية، وكان رئيسها اللواء محسن حمدى وطلب منى مرافقته، فلما وصلنا لقمة الجبل وكان معنا بعض أفراد الوفد المصرى المكونين للجنة العسكرية وبعض أفراد الجانب الإسرائيلى المقابلين لهم وجدنا أن قطعة من مبانى النقطة ملقاة على الأرض وعليها رقم 9 والباقى مكسور وغير معروف، كما وجدنا الكمرة الحديدية التى كانت موجودة داخل العلامة الخرسانة وكان ذلك شاهدا قويا وواضحا على أن هذه النقطة هى إحدى نقط الحدود المصرية ولم يكن هناك أى شك فى هذا الموضوع.

أتيحت لى فرصة أخرى لزيارة المنطقة وكان ذلك فى 17 يناير سنة 1988 وكنت بصحبة بعض من المسئولين بوزارة الخارجية المسئولين عن هذا الموضوع ومعهم أعضاء لجنة التحكيم جاءوا للرؤية على الطبيعية والتحقق بأنفسهم من الشكل الطبيعى والحقيقى لمنطقة النزاع حول طابا وخلافها، وكان واضحا أنها تقع عند رأس الجرف الجبلى الشرقى الذى يمتد شرق وادى طابا بداية من خليج العقبة فى أسفل هذا الجرف يوجد الفندق وهو الموضوع الرئيسى الذى تتعلل به إسرائيل فى بقائها فى هذه المنطقة وإلى الجنوب الغربى منها توجد النقطتان اللتان رأت إسرائيل أنهما هما علامتا الحدود التى ترى إسرائيل أنهما فى الوضع السليم من وجهة نظرها.

ونحن على قمة رأس طابا وجدت أو لاحظت ما يلي: أن قطعة البناء التى كان عليها رقم 9 لم تكن موجودة، وقد علمت فيما بعد أن هذه القطعة قد ألقى بها قاع المياه بواسطة الجانب الإسرائيلى بعد أن أتيحت لى الفرصة لقراءة ذلك فى مقالة بإحدى المجلات الإسرائيلية، قرأت الترجمة عند الزميل قنصل مصر فى إيلات التى أهداها إلىّ، لم نجد غير الكمرة الحديد وكان مكتوبا عليها بالبوية البيضاء- وهذا العمل كان من صنيعة اللجنة المشتركة التى كانت تخطط من قبل- كان مكتوبا عليها 91 وحول النقطة بعض الزوايا الحديدية.

ثم انتقلنا بعد ذلك فى هذه الزيارة إلى النقطتين اللتين كانت ترى إسرائيل أنهما تمثلان من وجهة نظرها حلين متبادلين لرأس طابا.

النقطة الأولى كانت عند بئر طابا لم نجد لها أى أثر مادى على وجه الأرض، وحتى عندما سألت هيئة المحكمة عن أى شواهد مادية لها لم أسمع إجابة من الجانب الإسرائيلي.

ثم انتقلنا مع هيئة المحكمة إلى النقطة الثانية وهى التبة الجرانيتية أو (91) الشرقية من وجهة نظر إسرائيل لم نجد أى دليل مادى أو ما يشير إلى أنه كانت هناك نقطة فى هذه المنطقة.

    كلمات البحث
  • المصور
  • معركة
  • طابا
  • حقائق
  • شهادات

أخبار الساعة

الاكثر قراءة