رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

يوسف السباعى .. فى ذكراه لن أنساه


14-2-2026 | 10:53

.

طباعة
بقلـم: سناء السعيد

في الثامن عشر من فبراير الجارى تحل الذكرى الثامنة والثلاثون لاستشهاد الفارس الأديب المفكر يوسف السباعي في 18 فبراير 1978 في واقعة اغتيال خسيسة استهدفته عندما كان في قبرص كى يشارك في مؤتمر التضامن الأفرو آسيوى، فقد اغتالته يد آثمة برصاصات الغدر أطلقها عليه فلسطينيان متطرفان تابعان لجماعة «أبو نضال» العسكرية الفلسطينية التي انشقت عن حركة فتح عام 74، ففى الوقت الذى كان يوسف السباعي في طريقه إلى قاعة اجتماعات المؤتمر المنعقد بالعاصمة القبرصية استهدفته رصاصات ثلاث ليلقى حتفه. 

 

وتم الاغتيال بدعوى تأييده لاتفاق السلام بين مصر وإسرائيل في العام ذاته، وحضوره مع الرئيس السادات جلسة خطابه في الكنيست الإسرائيلي في العشرين من نوفمبر عام 1977.

الذكرى تستدعي لى اليوم «يوسف السباعى» الفارس الرومانسى الذى التقيته أكثر من مرة. كان رومانسيا حالما هادئا. ومع لقائه كان يتسرب للمرء الإحساس بالراحة والصفاء والطمأنينة.

فهو الوطنى الصميم المنتمى لمصر، كما أنه عروبى من طراز نادر وتكفى مناصرته للقضية الفلسطينية، ودفاعه عن حق الفلسطينيين في القدس. وكثيرا ما قال لى: (القدس كالقاهرة.. وعمان.. ودمشق.. وبغداد. لا تنسى أننا نؤدي واجبنا في كل مكان. القدس عزيزة على كل مصرى تماما كمعزة القاهرة لدى كل فلسطيني، وكل عربي. ولا تنسى فنحن نخوض المعركة في كل جهة). أتذكر أقواله اليوم وتعتريني موجة حزن عارمة. فلم يكن يعلم أنه سينال حتفه بالاغتيال عبر الفلسطينيين، وهو الذى لطالما دافع عنهم وعن حقهم ضد الكيان الصهيونى الغاصب.

كان يوسف السباعى قد تنبأ بموته عندما كتب في عام 1971 روايته «طائر بين المحيطين»، وهى عن صحفى مشهور كانت كل مهمته في الحياة السفر والتنقل من بلد لآخر لحضور المؤتمرات. وفيها كتب يقول: (ترى ماذا سيكون تأثير الموت علىّ وعلى الآخرين؟. لا شيء سيحدث إذا جاءني الموت.. ستقوم الصحافة بنشر نبأ موتى كخبر يدعو إلى الإثارة، وهذا ليس لأننى مت ولكن لأن موتى يقترن بحادث مثير). وحدث بالفعل ما توقعه الأديب يوسف السباعى، فكأنه تنبأ بمصيره قبل سبع سنوات من واقعة الاغتيال. وجاء خبر اغتياله صادما لى، ويكفى أنه حرمنى من لقائه وأنا التى تعودت الجلوس أمامه كى أستعرض معه ذكرياته حول علاقته بالرئيس «جمال عبدالناصر» الذى كان قريبا منه، ونستعرض اهتمامه بالثقافة والأدب، وعمله كوزير للثقافة، وعمله في مجال الصحافة التي دخلها من بوابة الأدب، وإنتاجه الغزير الذي يضم مجموعات القصص القصيرة والطويلة ومقالاته وكتبه. نال العديد من الجوائز ولكنه رفض تسلم جائزة الدولة التقديرية في الأدب. وعندما سألته عن سبب رفضه لها ابتسم قائلا: (ما كان لي أن أرفضها، ولكنني رفضتها وقتئذ لأننى كنت وزيرا).

إنه يوسف السباعى الذى رأيته قلبا مفعما بالرقة والهدوء. سكنته الرومانسية فمكنته من صياغة أروع القصص الاجتماعية التي تحولت إلى الأفلام السينمائية. كان رحمه الله أديبا مبهرا ودبلوماسيا رائعا ووزيرا متميزا. وعوضا عن ذلك شغل مناصب كثيرة كان من بينها السكرتير العام لمؤتمر الوحدة الأفروأسيوية، كما عمل رئيسا لتحرير مجلات( الرسالة الجديدة، وآخر ساعة، ومجلة المصور، والأهرام)، ورئيسا لمجلس إدارة دار الهلال والأهرام، ونقيبا للصحفيين، ولهذا يعد تاريخا حافلا بالعطاء. وعندما سألته عن السبب الذى من أجله لُقب برائد الأمن الثقافى؟ رد قائلا: (هذا يعود إلى ما قمت به في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية).

لقد لُقب «يوسف السباعى» بفارس الرومانسية لأعماله الأدبية العديدة التي كشف من خلالها عن عشقه للحب والرومانسية، مما جعل الجمهور يتفاعل مع الشخصيات والأحداث التي وردت في رواياته. ومن أبرز مؤلفاته: «نائب عزرائيل»، «أرض النفاق»، «إنى راحلة»، «السقا مات» ، أما آخر كتاب له فكان: «أقوى من الزمن» وهو عن حرب أكتوبر المجيدة. وفضلا عن ذلك صدر له العديد من الأعمال الأدبية والسينمائية التى زخرت بها المكتبات. ومن أشهر أعماله: «نحن لا نزرع الشوك». ولم يكن يوسف السباعى أديبا تقليديا حيث كان مهموما بالأدب والثقافة على المستوى المصرى والعربى معا. ويحمد له أنه عمل على نشر الثقافة والارتقاء بالوعي المجتمعى، ولذا رأيناه وقد أنشأ جمعية الأدباء وأقام نادى القصة ونادي القلم الدولي. كما أنه أحد الأعضاء المؤسسين لاتحاد الكتاب المصريين. وفضلا عن ذلك فهو صاحب فكرة إقامة المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب.

تظل أعمال الأديب «يوسف السباعى» عصية على النسيان لا سيما وهو الذي يوصف كأحد أهم أدباء الرومانسية في تاريخ الأدب العربى، والذى دخل الصحافة من بوابة الأدب. أثنى طه حسين على انسيابية كتاباته وموهبته وجدارته في الكتابة الروائية خاصة الرومانسية التي شغلت عقل عميد الأدب العربى وحديثه عن رواية «رد قلبي» حيث أثنى فيها على لغة «السباعى» الإنسانية وبنائه الانسيابى للحدث. ولقبه الأديب الكبير «نجيب محفوظ» بـ«جبرتي العصر»، لأنه سجل بكتاباته الأدبية أحداث ثورة يوليو منذ قيامها حتى حرب أكتوبر المجيدة. ووصف «توفيق الحكيم» أسلوبه بأنه سهل عذب باسم ساخر، وأشار إلى تناوله بالرمز والسخرية عيوب المجتمع المصرى.

إنه الأديب الذى استطاع أن يخلق من المشاعر صورا حية تنبض بالحياة من خلال رواياته وقصصه. لذا فقد استحق عن جدارة لقب «فارس الرومانسية». تميز «يوسف السباعى» بأسلوب سهل وساخر يغوص في تفاصيل المجتمع المصرى حيث نجح في الجمع بين الحس العسكري والروح الرومانسية. وصف أدبه بكونه ظاهرة اجتماعية واسعة الانتشار، وتحول معظمها إلى أعمال سينمائية خالدة. إنه الأديب الذى استطاع أن يخلق من المشاعر صورا حية تنبض بالحياة خلال رواياته وقصصه؛ لذا فقد استحق عن جدارة لقب «فارس الرومانسية». ومن أشهر أقواله عن الفن والفنانين ما جاء على لسانه في معرض التعقيب على أحد الأفلام المأخوذ عن إحدى رواياته عندما قال: (الجاذبية موهبة لا مقياس لها. والصلة بين الفنان وجمهوره يوثقها شىء ما نعجز عن توصيفه، ونعجز أيضا عن فرضه). إنه الروائي الأديب الرومانسى المحب للجميع، والذى تمتع بروح إنسانية صافية عبقة أضفت على منْ حوله السلام والوئام والطمأنينة. رحم الله الشهيد الفارس الأديب والمفكر «يوسف السباعى».

أخبار الساعة

الاكثر قراءة