مع اقتراب شهر رمضان المبارك، عادت أسعار الدواجن لتتصدر اهتمامات الشارع المصرى، فى ظل ارتفاعات ملحوظة تزامنت مع زيادة معدلات الاستهلاك خلال الشهر الكريم، باعتبار أن الدواجن المصدر الأساسى والأكثر شيوعا للبروتين الحيوانى لدى غالبية الأسر المصرية، ما يجعل أى تحرك فى أسعارها محل قلق واسع.
ورغم ما حققه قطاع تربية الدواجن من مستويات قريبة من الاكتفاء الذاتى خلال السنوات الماضية، فإنه لا يزال يواجه تقلبات سعرية حادة تعكس حجم التحديات التى تحيط به، بدءًا من ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبات استيراد مستلزمات التربية، وصولاً إلى اختلالات متكررة فى توازن العرض والطلب، وهو ما يطرح تساؤلات حول أسباب هذه الزيادات وحدود السيطرة عليها خلال الفترة المقبلة.
فى هذا الإطار، أوضح المهندس محمود العنانى، رئيس مجلس إدارة الاتحاد العام لمنتجى الدواجن، أن صناعة الدواجن فى مصر تعتمد على منظومة إنتاج متكاملة تبدأ باستيراد قطعان الجدود من الخارج، كونها الأساس الرئيسى لدورة الإنتاج، وتُربى هذه الجدود فى مزارع متخصصة لإنتاج الأمهات، والتى تُستخدم لاحقا لإنتاج الكتاكيت، وهى العمود الفقرى لإنتاج فراخ التسمين والدواجن والبيض، وأى خلل أو تأخير فى هذه السلسلة لا سيما خلال استيراد الجدود أو تربية الأمهات، ينعكس مباشرة على المعروض فى السوق، وبالتالى على استقرار الأسعار؛ إذ إن الصناعة مترابطة الحلقات ولا تتحمل توقفًا أو ارتباكًا فى أى مرحلة من مراحلها.
وأوضح «العنانى»، أن الفترات التى شهدت نقصًا فى توافر الدولار انعكست سلبًا على صناعة الدواجن، فلم تتمكن مصر خلالها من استيراد الكميات الكافية من جدود الدواجن وأمهات البياض، وهو ما أدى إلى حدوث عجز واضح فى حجم المعروض مقارنة بالطلب المتزايد، الأمر الذى تسبب فى ارتفاع أسعار الدواجن واستمرارها عند مستويات مرتفعة لعدة أشهر خلال السنوات الماضية، منوها بأن تحسن أوضاع العملة الأجنبية مؤخرًا واستقرار سعر الدولار وتوافره بكميات مناسبة؛ أسهم فى عودة الاستيراد بصورة طبيعية، سواء للجدود وأمهات البياض أو لمستلزمات الإنتاج الأخرى مثل الأعلاف والذرة والصويا والأدوية البيطرية، وهو ما ينعكس إيجابيًا على انتظام الدورة الإنتاجية واستقرار السوق خلال الفترة المقبلة.
وأشار رئيس مجلس إدارة الاتحاد العام لمنتجى الدواجن، إلى أن الأشهر الماضية شهدت زيادة ملحوظة فى حجم الإنتاج تجاوزت معدلات الاستهلاك لأسباب متعددة، وهو ما أدى إلى تراجع واضح فى الأسعار داخل السوق، وانخفض سعر كيلو الدواجن للتسمين إلى ما بين 50 و55 جنيهًا وربما أقل فى بعض الفترات، كما تراجع سعر طبق البيض إلى نحو 105 و110 جنيهات، فهذه المستويات السعرية كانت أقل بكثير من تكلفة الإنتاج الحقيقية، وهو ما تسبب فى تكبد عدد كبير من المربين خسائر كبيرة خاصة صغار المنتجين، نتيجة البيع بأسعار لا تغطى تكلفة الأعلاف والرعاية والأدوية ومدخلات الإنتاج الأخرى.
زيادة الاستهلاك
وأوضح “العنانى” أن السوق شهد خلال الأسابيع الماضية زيادة ملحوظة فى معدلات الطلب بالتزامن مع انتهاء فترة الصيام للإخوة الأقباط، وهو ما انعكس على حركة الشراء داخل الأسواق، إلى جانب الارتفاع الطبيعى فى الطلب خلال شهرى رجب وشعبان، باعتبارهما فترة استعداد مبكرة لشهر رمضان ويزيد الإقبال على تخزين وشراء السلع الغذائية وفى مقدمتها الدواجن، وهو ما أسهم فى تنشيط السوق وارتفاع معدلات الاستهلاك مقارنة بالفترات السابقة.
وكشف رئيس مجلس إدارة الاتحاد العام لمنتجى الدواجن، أن فصل الشتاء يفرض أعباء إضافية على صناعة الدواجن فترتفع تكلفة الإنتاج نتيجة زيادة احتياجات التدفئة والوقود، إلى جانب تراجع كفاءة أداء المزارع بشكل نسبى مقارنة بفصل الصيف، وهو ما يؤثر على معدلات الإنتاج، وكل هذه العوامل أدت إلى حدوث حالة من التوازن النسبى بين العرض والطلب داخل السوق، وانعكست على حركة الأسعار خلال الأيام الماضية، وارتفع سعر كيلو الدواجن تدريجيًا من 80 و85 جنيها إلى 90 جنيها، ثم وصل إلى 105 جنيهات لفترة قصيرة لم تتجاوز خمسة أيام، قبل أن يعاود التراجع مرة أخرى ليستقر عند نحو 100 جنيه.
وأكد «العنانى»، أن أسعار الدواجن خلال شهر رمضان لن تشهد زيادات فى ظل توافر معروض كبير يفوق معدلات الاستهلاك، فمصر تنتج كميات ضخمة من الكتاكيت تكفى احتياجات السوق المحلى وأكثر، بما يعكس تحقيق اكتفاء ذاتى حقيقى فى هذه الصناعة، وانتظام الدورات الإنتاجية وزيادة الطاقات العاملة داخل المزارع أسهما فى تعزيز حجم المعروض، والفائض القائم يسمح بتوجيه جزء من الإنتاج للتصدير، دون التأثير على احتياجات السوق المحلية، وهو ما يدعم استقرار الأسعار خلال موسم يشهد عادة ذروة فى الطلب.
صناعة مهمة
من جانبه، قال الدكتور زكريا الشناوى، خبير بقطاع الدواجن: إن قطاع الدواجن يعد أحد أعمدة الأمن القومى المصرى، باعتباره الحلقة الأهم والأسرع قدرة على سدّ فجوة العجز فى البروتين الحيوانى، وتوفير مصدر غذائى أساسى بأسعار مناسبة لشرائح واسعة من المواطنين، فصناعة الدواجن لا تقتصر أهميتها على الجانب الغذائى فقط بل تمتد إلى بعدها الاقتصادى والاجتماعى، وتعد من أكثر المشروعات كثافة فى التشغيل، وتوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لعدد كبير من المواطنين لما يقرب من 10 فى المائة من سكان مصر وربما أكثر، سواء من خلال التربية أو الأعلاف أو النقل أو التسويق أو الصناعات المغذية، وهو ما يجعل الحفاظ على استقرار هذا القطاع ودعمه مسألة استراتيجية لا تحتمل التهاون.
وأوضح الشناوى، أن صناعة الدواجن تعد من القطاعات القليلة التى نجحت على مدار سنوات طويلة فى تحقيق الاكتفاء الذاتى لمصر، وكانت ولا تزال قادرة على تلبية احتياجات السوق المحلى دون الاعتماد على الاستيراد فى المنتج النهائى، فالأزمات التى تتعرض لها الصناعة من حين لآخر لا تعود إلى ضعفها أو عدم قدرتها الإنتاجية، بقدر ما ترتبط بسوء الإدارة وطريقة إدارة المنظومة نفسها من قِبل القائمين عليها، مشددا على أن أى تعثر تشهده الصناعة هو نتاج خلل إدارى وتنظيمى يمكن تجاوزه بسهولة، إذا ما أحسن التخطيط وتم التعامل مع القطاع باعتباره صناعة استراتيجية تستحق إدارة رشيدة ومستقرة.
وأكد الدكتور زكريا، أن هذا القطاع يعد فى الأساس اقتصادًا زراعيًا تحكمه معادلة العرض والطلب، إلا أن السوق شهد خلال فترات سابقة اختلالا واضحا فى هذه المعادلة، حيث تجاوز حجم المعروض معدلات الطلب الفعلية فى الوقت الذى ارتفعت فيه تكاليف الإنتاج بصورة كبيرة، وهو ما أدى إلى بيع الدواجن بأسعار أقل من سعر التكلفة الحقيقى، كما أن الأسعار التى تراوحت ما بين 50 و75 جنيها للكيلو، ورغم اختلافها ظاهريًا، لم تكن فى معظمها تغطى التكلفة الفعلية للإنتاج، الأمر الذى تسبب فى خسائر متراكمة للمربين، وأثر سلبًا على استدامة الصناعة واستقرارها.
وأشار الدكتور زكريا الشناوى، إلى أن الدواجن تمسّ حياة جميع المواطنين بلا استثناء، وهو ما يفسر حجم الاهتمام الشعبى الكبير بها، باعتبارها المصدر الأرخص والأكثر إتاحة للبروتين الحيوانى، فعند مقارنة تكلفة كيلو البروتين الناتج من الدواجن بأى مصدر بروتينى آخر، يتضح بجلاء أن الدواجن تتحمل العبء الأكبر فى تغذية الشعب المصرى، وتسدّ جانبا واسعا من احتياجاته الغذائية اليومية، فهذه الأهمية الاستراتيجية تضع صناعة الدواجن فى مصاف قضايا الأمن القومى، لما لها من دور محورى فى تحقيق الاستقرار الغذائى والاجتماعى للبلاد.
عرض وطلب
الدكتور ثروت الزينى، نائب رئيس اتحاد منتجى الدواجن، قال إن تحركات أسعار الدواجن فى الفترة الحالية مرتبطة بشكل مباشر بآليات العرض والطلب، خاصة مع دخول موسم رمضان الذى يشهد زيادة ملحوظة فى معدلات الاستهلاك، والاتحاد يسعى إلى تحقيق توازن يضمن سعرًا مناسبًا للمستهلك، وفى الوقت نفسه يتيح هامش ربح عادلاً للتجار والمنتجين، وتسعير الدواجن يتم بصورة يومية وفقًا لمتغيرات السوق.
وأشار “الزينى”، إلى أن الأسعار شهدت ارتفاعًا بنحو 10 فى المائة عقب احتفالات الأقباط فى يناير الماضى نتيجة زيادة الطلب، قبل أن تتراجع مجددًا، ثم تعاود الصعود مرة أخرى مع الاستعدادات لشهر رمضان، والاستهلاك خلال هذا الموسم يرتفع عادة بنسبة تتراوح بين 30 و35 فى المائة، كما أن حجم إنتاج الدواجن خلال العام الحالى ارتفع بنحو 20 فى المائة مقارنة بالعام الماضى، داعيًا المواطنين إلى عدم المبالغة فى تخزين الدواجن لأن ذلك يؤدى إلى ضغوط سعرية غير مبررة فى السوق.
وأوضح “الزيني”، أن الأسعار خلال الأشهر الستة الماضية شهدت انخفاضات كبيرة، ووصلت فى بعض الأحيان إلى مستويات أقل من تكلفة الإنتاج، والأولوية بالنسبة للمنتجين تتمثل فى استمرار العملية الإنتاجية وتغطية النفقات، لأن الدواجن تعد سلعة يومية سريعة التداول، يتم بيعها وفقًا للأسعار المتغيرة بشكل مستمر، والسوق المصرى يتميز بطبيعة استهلاكية مختلفة، حيث يفضل المستهلك المحلى شراء الدواجن الحية، على عكس العديد من دول العالم التى تعتمد بشكل أكبر على الدواجن المبردة أو المجمدة.