رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

في ذكرى وفاتها حكاية «أم السينما المصرية».. الشهيرة بـ فردوس محمد

24-1-2026 | 13:23

في ذكرى وفاتها حكاية أم السينما المصرية .. الشهيرة بـ فردوس محمد

طباعة
ولاء الكومي
لم تكن مجرد فنانة تقف أمام الكاميرا، بل كانت بمثابة «الأم» التى يهرب الجميع إلى حضنها بمجرد أن يبدأ التصوير، هى الممثلة القديرة فردوس محمد، التى لم تبحث يوماً عن البطولة المطلقة، لكنها صارت هى «البطلة» فى قلوب النجوم قبل الجماهير، فمن منا ينسى دعواتها الصادقة التى كانت تشبه دعوات أمهاتنا في البيوت، لقبت بـ«أم السينما المصرية» حيث جسدت دور الأم على الشاشة بسلاسة وببراعة شديدة واستطاعت إقناع المشاهدين أنها أم حقيقية وقدمت دور الأم الحنون الطيبة المعطاءة والمضحية لأجل أبنائها، فى هذا التقرير حرصت مجلة «الكواكب»على كشف جوانب خفية من حياة «ماما فردوس»، المرأة التى جسدت الأمومة ببراعة وهى لا تزال فى ريعان شبابها، وعاشت عزيزة النفس حتى رحلت وهى تملك حب الملايين.
ولدت الفنانة الكبيرة فردوس محمد عام 1906 فى حى «المغربلين»، وعاشت طفولة قاسية بعد رحيل والدها، حيث تولى تربيتها الشيخ على يوسف مؤسس جريدة «المؤيد» ودرست بمدرسة إنجليزية بحى الحلمية فتعلمت القراءة والكتابة والتدبير المنزلى، وكانت أول زيجة لها فى سن صغيرة جداً وهى فى الرابعة عشرة من عمرها من قريب لوالدتها لكنها لم تستمر طويلا بسبب مشكلات كثيرة حدثت بينهما، فرغبت فى الانفصال والاعتماد على نفسها ولشغفها وحبها الشديد للتمثيل الذى عشقته وتحلم بتحقيق حلمها ويقينها أنها ستفعل ذلك فى يوم من الأيام بدأت رحلتها الفنية وكان هذا بمرتب 3 جنيهات فى مسرح «عكاشة»، لتنطلق بعدها وتصبح ركيزة أساسية فى تاريخ السينما، ورغم ملامحها التى لم تعرف سوى الطيبة، إلا أنها فاجأت الجميع مرة واحدة بدور «المرأة الشريرة» فى فيلم «نادوجا»، لتثبت أن موهبتها لا تعرف القيود، وتألقت فى أدوارها وحققت نجاحاً لافتاً ثم تزوجت للمرة الثانية فى واقعة تكاد تكون غريبة حيث تطلب الأمر سفرها مع فرقة «فوزى منيب» لتقديم عروضها بالخارج وكان هناك وقتها ما يمنع سفر غير المتزوجات ولحل الأزمة زوَجها صاحب الفرقة فوزى منيب من المونولوجست محمد إدريس عضو الفرقة حتى تتمكن من السفر مع الفرقة واحتفلوا بزواجها فى أحد الفنادق هناك وجاء وقت الانفصال بعد إتمام المهمة إلا أن إدريس اعترف لها بحبه ورغبته فى الاستمرار الأمر الذي جعلها تتراجع عن فكرة الانفصال وتحول هذا الزواج مع مرور الوقت إلى حب وعشرة عمر امتدت 15 عاماً حتى رحيل الفنان محمد إدريس الذى أنجبت منه بنتاً. المسرح والسينما قدمت أول عمل مسرحى لها وهى مسرحية «إحسان بك» فى عام 1927 مع فرقة «أولاد عكاشة» وأصبحت بعد ذلك واحدة من أعضائها، كما عملت مع فرقة إسماعيل ياسين وأيضاً فرقة عبدالعزيز خليل ورمسيس، وكانت عضوة مؤسسة لفرقة فاطمة رشدى حتي استقرت مع فرقة فوزى منيب ومنها إلى الريحانى، ومن أبرز المسرحيات التى قدمتها مسرحية «ركن المرأة» عام 1955 ومسرحية «أنا عايزة مليونير» عام 1956 و«شارع عماد الدين» عام 1951 و«عاصفة فى بيت» عام 1952. بدأت فردوس محمد العمل فى السينما عام 1935 بدور صغير فى فيلم «ممنوع الحب» مع المخرج محمد كريم وقدمت دور «زهرة زوجة المعلم حنفى» من بطولة محمد عبد الوهاب وسليمان نجيب وعبدالوارث عسر وغيرهم، ثم قدمت دوراً محورياً أصبح نقطة تحول فى انطلاقها فى السينما لمشاركتها مع الفنان نجيب الريحانى عام 1937، فى فيلم «سلامة فى خير» بدور زوجته ستوتة، والذى قدمته ببراعة شديدة وكانت مشاركتها علامة فارقة فى مشوارها الفنى ثم انطلقت فى عالم السينما وقدمت العديد من الأدوار المميزة للغاية والتى كانت علامة فى تاريخ السينما المصرية والعربية. ونأتى للدور الذي تحولت فيه مسيرتها الفنية عندما شاركت وقدمت دور الأم لثانى مرة فى فيلم «يوم سعيد» وجسدت دور والدة فاتن حمامة وهى طفلة حتى حصرها المخرجون فى دور الأم الذى برعت فيه وأصبحت أشهر أم فى السينما المصرية واستطاعت إقناع المشاهدين بدور الأم حتى وإن كان الفنان أو الفنانة التى تجسد شخصية والدتهم أكبر منها سناً فى الواقع حيث استطاعت ببراعة أن تعكس الواقع. ارتبطت فاتن حمامة بفردوس محمد وأحبتها منذ نعومة أظافرها وعملوا معاً فى العديد من الأعمال السينمائية وكبرت فاتن حمامة وزاد الارتباط الوثيق بينهما فكانت حمامة تعتبرها بمثابة والدتها، وهنا ذاع صيت فردوس وتربعت على عرش أدوار الأم فى عدد كبير من الأفلام حتى أصبحت الأشهر حتى وقتنا هذا وقدمت الدور بأكثر من طريقة خلال العشرات من الأعمال الفنية، وتأثر بها الجميع حتى أنها شاركت مع معظم نجوم الصف الأول وقتها وكانت تقدم دور الأم بطريقتها فى كل عمل فنى دون تكرار أو تقليد. المرأة الشريرة قدمت فردوس محمد لأول مرة شخصية المرأة الشريرة والطماعة والتي تكيد المكائد فى الفيلم النادر «نادوجا» مع تحية كاريوكا وفؤاد شفيق ومحمد البكار وإسماعيل ياسين وجسدت شخصية زوجة «راضون» الوارث لقريبه الثرى خورشيد باشا وقدمت شخصية المرأة شريرة الطبع التى ترغب فى الميراث بأية وسيلة وطريقة غير مشروعة ورغم أنها غير معتادة علي تقديم هذه النوعية من الأدوار إلا أنها قدمته ونجحت وبرعت فى تقديمه.. عاشت فردوس محمد مراحل فنية منتعشة تسمى مرحلةً الانتشار فكانت تقدم فى العام الواحد كثيرا من الأعمال السينمائية فقدمت عام 1944 مجموعة من الأفلام المختلفة بأدوار متنوعة فجسدت دور الخالة والهانم والزوجة والأم فخلال هذا العام قدمت أفلام «عريس الهنا» و«طاقية الإخفاء» و«شارع محمد على» و«حبابة» و«أما جنان» و«ابنتى». أم لكوكب الشرق وليلى مراد والعندليب أصبح وجود فردوس فى أى عمل تميمة نجاح فحرص المخرجون على مشاركتها فى معظم الأفلام التى قدمت فى تلك الفترة وأصبح حجم وعدد الأفلام التى تقدمها فى تصاعد عاما بعد عام، ففى عام 1945 قدمت حوالى 12 فيلماً دفعة واحدة، كما قدمت مع كوكب الشرق أم كلثوم فيلم «فاطمة» واستطاعت إقناع المشاهد بدور الأم لأم كلثوم التى كانت تكبرها في السن فى الحقيقة، ورغم أن أم كلثوم تكبرها فى العمر إلا أنها أبدعت فى توصيل إحساس الأمومة للجمهور لتصبح بعدها صديقة مقربة لأم كلثوم. كما قدمت واحدا من أهم أفلام السينما المصرية مع ليلى مراد ونجيب الريحانى وهو فيلم «غزل البنات» بدور دادة ليلى مراد وكانت هناك مواقف كوميدية بينها وبين نجيب الريحاني واستطاعت رغم أنها ليست ممثلة كوميدى أن تضحك الجمهور بخفة ظلها مع الريحانى. كذلك قدمت مع العندليب عبدالحليم حافظ أهم أعمال سينمائية فى تاريخ السينما المصرية حيث شاركت معه فى فيلم «دليلة» و«البنات والصيف» و«حكاية حب» بدور والدة عبد الحليم حافظ والذى كان يناديها بماما فردوس لشدة حبه لها كوالدته. كما قدمت مع وحش الشاشة فريد شوقى أهم أدوارها فقدمت فيلم «تجار الموت» و«سواق نص الليل» و«الأخ الكبير» واعتبره النقاد من أهم الأعمال التى جسدت واقع الأسرة المصرية حيث قدمت فيه دور الأم التى تفنى وتكرس حياتها بعد رحيل زوجها لأبنائها كما أختارها المخرج نيازى مصطفى فى فيلم «عنترة بن شداد» فى دور زبيبة أم عنترة فأتقنت دورها كأم لـ «عنتر» فريد شوقى كما قدمت أفلاماً محفورة فى تاريخ السينما المصرية مثل: فيلم «رد قلبي» وفيلم «أين عمرى» وفيلم «هذا هو الحب» و«إحنا التلامذة» و«قلب من ذهب» و«نساء فى حياتى» و«نهاية حب» و«غراميات امرأة» و«بنات الليل» و«صوت من الماضى» و«أسعد الأيام». الأم المثالية تم تكريم فردوس محمد من معهد السينما فى عام 1957 بجائزة الأم المثالية فى عيد الأم، كما تم اختيار 10 أفلام اشتركت فيها الفنانة الكبيرة فردوس محمد فى قائمة أفضل 100 فيلم بذاكرة السينما المصرية حسب استفتاء النقاد عام 1966 والقائمة تضم أفلام: «سلامة فى خير» عام 1937 و«غزل البنات» 1946 و«لك يوم يا ظالم» و«ابن النيل» عام 1951 و«المنزل رقم 13» عام 1952 و«زينب» عام 1952 و«شباب امرأة» و«أين عمرى» عام 1956 و«رد قلبى» عام 1957 و«إحنا التلامذة» عام 1959. كبرياء حتى النفس الأخير ووداع هز القلوب عزة نفس أدهشت الجميع فى أواخر أيامها، عندما خاضت فردوس محمد معركتها الأخيرة مع مرض السرطان، وبينما كان زملاؤها يحيطونها بالحب، إلا انها تفاجأت بنشر إحدى الصحف دعوة للتبرع لعلاجها، هذا الخبر الذى خدش كبرياء الفنانة العظيمة، فاتصلت بالكاتب صالح جودت قائلة بصوت حزين: «لقد عشت طوال حياتى كريمة، وأريد أن أموت كذلك دون أن أمد يدى لأحد»، وقتها أكدت للجميع أنها تملك من المال ما يكفيها وزيادة. الوفاء فى أبهى صوره لم يشهد الوسط الفنى تكاتفاً كما حدث فى أزمة فردوس محمد، حيث تناوبت النجمات (فاتن حمامة، شادية، صباح، ماجدة، هند رستم) على رعايتها فى المستشفى.. فاتن حمامة، التى كانت تعتبرها والدتها، سافرت معها للعلاج فى سويسرا على نفقتها الخاصة واعتذرت عن ثلاثة أفلام لتبقى بجوارها. وفى 30 يناير 1961، رحلت «ماما فردوس» عن عمر يناهز 55 عاماً، استقبل جثمانها العندليب عبد الحليم حافظ بدموع حارقة قائلاً: «اليوم فقط ماتت أمى»، وانهارت شادية من البكاء، بينما كتبت فاتن حمامة على قبرها: «يا أمى يا فردوس.. لقد كنتِ لنا جميعاً فردوساً وارف الظلال». فى النهاية رحلت فردوس محمد وتركت وراءها تاريخا فنياً لا يمكن تعويضه، فرغم محاولات المخرجين، وعلى رأسهم فطين عبد الوهاب، البحث عن «خليفة» لها عبر مسابقات الوجوه الجديدة، إلا أن أحداً لم يستطع سد الفراغ الذى تركه رحيلها.. فقد كانت فردوس محمد حالة فنية وإنسانية خاصة، لم تكن تمثل دور الأم، بل كانت هى «الأم المصرية» بكل هيبتها، وحنانها، وكبريائها الذى سيظل محفوراً فى ذاكرة السينما كواحد من أنبل فصولها.

الاكثر قراءة