رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«وهذا أيضًا سوف يمضى»


24-1-2026 | 18:19

.

طباعة
بقلـم: د. مصطفى الضبع

منذ زمن طويل أحاول الخروج من دائرة القراءة الممنهجة، قراءة النصوص لصالح البحث العلمى والنقد والدراسات والندوات والمؤتمرات والمحاضرات خروجا إلى دائرة أكثر حرية، القراءة الحرة عبر طرقها المتعددة، أن تقرأ كتابا لأجل القراءة، جاعلا منها غاية لا وسيلة، تبحث عن كتاب بعينه أو تترك نفسك تختار من بين كومة كتب ورقية أو ملفات إلكترونية (PDF)، مبحرا بين عوالم لم تحددها من قبل كأنك تترك نفسك لموجات تنشط وفق قانونها الخاص لا قانونك أنت فلا تهتم بتحويل مسارك أو الخروج من سطوة الأمواج الناعمة حينا والقاسية أحيانا.

 
 

مؤخرا نجحت فى انتزاع نفسى من ركام الأعمال والمشاغل مستهدفا تحقيق أمر مؤجل، بصورة شبه عشوائية رحت أتصفح مجلدا يضم آلاف الكتب الإلكترونية، روايات على وجه التحديد، التقطتها، رواية شبه طويلة (178 صفحة) عنوانها «هذا أيضا سوف يمضي» للكاتبة الإسبانية ميلينا بوسكيتس» (الصحفية والناشرة والروائية).

الرواية تنتمى للغة الإسبانية، ترجمتها للعربية المترجمة الأردنية القديرة (نهى أبوعرقوب) التى حافظت على روح النص، فجاءت ترجمتها تليق بالرواية وعالمها وطبيعة روحها الإنسانية.

صدرت الرواية (2018) عن دارى نشر بغلافين مختلفين: طبعة دار مسكيليانى التونسية بغلاف للشاعر محمد النبهان، وطبعة دار تكوين بغلاف من تصميم الفنان ناصر عبد الله.

ربما جذبنى العنوان فى تناصه مع الحكاية التراثية الشهيرة عن الإمبراطور الذى كان قويا ورحيما وذكيا، وقد جمع حكماء مملكته من أدباء وفلاسفة وعلماء وشعراء، وطلب منهم صياغة جملة قصيرة تصلح لجميع الظروف والأحوال على الدوام، وبعد تفكير استمر شهورا طويلة عادوا إليه بجملة واحدة «وهذا أيضا سوف يمضي»، وفى رواية أخرى «كل هذا سوف يمر أيضا»، وفى رواية ثالثة «كل شيء سوف يمر»، فكل ما يعانيه الإنسان، وما يسعد به، وما يشقيه من ألم وحزن سوف تمضى جميعها، وفق مبدأ أساسى فى حياة البشرية جميعها «دوام الحال من المحال».

لا تكشف الرواية عن علاقتها بالحكاية القديمة وتعالقها معها إلا فى النهاية (ص 173) على وجه الدقة، لكن العنوان فى دلالته لا يخفى على من يعرف الحكاية سابقا، ربما هى قوة النسيان أو لنقل السلوان (وهناك فارق بينهما، فالنسيان فعل الذاكرة، ضعفها وافتقادها أمر ما، لكن السلوان تخفيف حدة المصاب وليس نسيانه، نحن لا ننسى الأحباب الراحلين ولكن أول يوم من فقدانهم لا يتساوى مع لحظة تذكرهم بعد سنوات مثلا، صحيح قد تحتفظ الروح بالألم ولكن من المؤكد ليس بالقدر نفسه).

تتخذ الكاتبة من بطلتها نموذجها التمثيلى تعبيرا عن هؤلاء الذين يفتقدون أحبتهم فيشعرون عندها بقيمتهم، وربما كان نموذج فقد الوالدين خير مثال على ذلك، فالبطلة التى بدأت تستكشف علاقتها بأمها فور فقدها، تكتشف ذاتها فى الوقت نفسه، وكأنها ترسم خطين متوازيين يكشف كل منهما الآخر جاذبة اهتمامنا بجملتها الأولى القادمة من ماض ليس بعيدا:

«لسبب ما غريب، لم أفكر يوما فى أنى سوف أبلغ الأربعين من العمر. فى سن العشرين، كنت أتخيل نفسى فى الثلاثين أعيش مع حب حياتى محاطة بكثير من الأبناء، أو فى الستين أعد كعكة التفاح مع أحفادي، أنا التى لا أجيد قلى بيضة، لكننى قد أتعلم. أو حتى فى الثمانين عجوزا هرمة تشرب الويسكى مع صديقاتها. غير أنى لم أتخيل نفسى مطلقا فى الأربعين، ولا حتى فى الخمسين. وها أنذا اليوم، فى جنازة أمي، وعلاوة على ذلك، فى الأربعين من العمر» (ص 7).

على ثلاثة أنماط أسلوبية يقوم متن الرواية (لك أن تراها ثلاثة عناصر بنائية):

سرد الراوية وتفاصيل عالمها مما يتولى الوصف والحوار تقديمه، وقد جاءت الرواية دفقة شعورية مغلفة بالشجن، فالساردة ترسم لوحة إنسانية شفافة تكشف دائرة متسعة من الأشخاص والعلاقات بداية من ذاتها وأمها وأبنائها ومن أحبتهم وصديقاتها، عملية مكاشفة للوجود الإنسانى ومساحة تحققه.

مقولات النصوص التى تكاد تكون بمثابة المبادئ الإنسانية الكاشفة، وهى مجموعة من الأنماط الأسلوبية ذات الطبيعة الخاصة، تتضمنها مساحة السرد كاشفة عن رؤية السارد بداية لكنها فى الحقيقة تكاد تكون قوانين حياة يمكن للكثير من البشر اعتناقها والعمل بها مثل كثير من المقولات التى ترددها الساردة عن الجنس، ومنها قولها «كلنا نرى أشياء مختلفة، وكلنا نرى الشيء ذاته دوما، وما نراه يحدد منْ نحن بكل تأكيد. ونحن نحب غريزيا، أولئك الذين يرون ما نرى، ونتعرفهم على الفور» ص47، «لعله من الضرورى أن نبدى ولو أدنى رغبة فى الأشياء قبل أن نحصل عليها» ص61، ربما تبدو هذه المقولات عادية خارج سياقها وربما تبدو بعيدة عن طاقة الحكمة الإنسانية ولكنها تكتسب قيمتها من سياقها أولا، ومن قدرتها على التعبير عن سياق قيلت فيه وعلى لسان شخصية نطقت بها، كما أنها صالحة للتعبير عنا نحن خارج النص بالوجود وداخل النص بالمشاركة.

الهوامش ذات الطبيعة المعرفية حين تحيلنا الساردة إلى مجموعة من المعلومات المرجعية تفسر من خلالها بعض المعلومات الواردة فى النصوص (لا تشير المترجمة إلى كونها صانعة هذه الهوامش كما فعلت فى ترجمتها لعمل سابق (الكاتب والآخر لكارلوس ليسكانو عام 2012)، لذا فإنها من المنطقى أن تعزى للساردة وللنص الأصلى للرواية، وفى كل الأحوال سواء كانت الهوامش من صنع الساردة أو المترجمة فقد أدت وظيفتها على مستويى المعرفة والفن بوضع المتلقى فى مساحة من المعرفة بتقديم معلومات جديدة أو تذكيره بما يعرفه من قبل، فالعناصر المعرفية فى النصوص تضع متلقيها فى موضوع من موضعين، أو تجعله واحدا من اثنين: عارف أو غير عارف).

 

الاكثر قراءة