أن تمنح الأكاديمية السويدية الجائزة إلى سيدة فهذا متكرر وبات عاديًا، خاصة فى جائزة حقوق الإنسان، وأن تتجه إلى سيدة خاضت معركة ضد العنصرية فى بلادها، فهذا يدعم أحقيتها بالجائزة، لكن الجديد بالنسبة للمتابعين أن السيدة بيلاى اتخذت موقفا واضحا ضد ممارسات إسرائيل فى حرب غزة، موقف إدانة دولية، غير مسبوق فى تاريخ إسرائيل.
بمجرد إعلان اسم الفائزة، عبّر الرئيس دونالد ترامب عن غضبه، لكن غضب ترامب يرجع إلى أنه يرى منذ العام الماضى أحقيته بالجائزة، هو قال يوم الجمعة الماضى إنه يستحق ثمانى جوائز نوبل للسلام، لذا يجب أن نفهم اعتراض ترامب فى تلك المساحة التى تخصه هو، وتخص تطلعه إلى الجائزة أو شعوره بالاستحقاق.
فور إعلان الفوز، أصدرت وزارة الخارجية الإسرائيلية بيانًا حادًا يدين الجائزة واللجنة التى منحتها والأكاديمية القائمة عليها، ناهيك عن إدانة الفائزة، استعمل البيان كلمات حادة للغاية، ليست معهودة فى المجال الدبلوماسى بالمرة.. ثم ألقى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كلمات نارية ضد السيدة الفائزة، وكأننا فى عراك أو صراع شخصى، المهم أن السيدة «نافى بيلاى» استقبلت الجائزة بفرح وسعادة، وتعاملت مع المعترضين على فوزها بقدر من التهكم المرح، لكن أمين عام الأمم المتحدة جوتيريش هنأها بالفوز، الأمين العام كان سعيدا لفوز المفوضة السابقة لحقوق الإنسان، واعتبر الفوز شهادة للمفوضية ولعمل الأمم المتحدة، خاصة فى مجال حقوق الإنسان.
فوز «نافى بيلاى» هو أول فوز لسيدة لديها موقف معلن مضاد للحكومة وللسياسة الإسرائيلية، بخصوص تعدى إسرائيل على حقوق الشعب الفلسطينى فى أرضه ووطنه وفى العيش بكرامة وإنسانية على أرضهم وبلدهم، لكن سبق فوز نافى بيلاى جائزة أخرى هى جائزة نوبل فى الآداب سنة 2022، حيث ذهبت إلى الروائية الفرنسية المعروفة لنا فى مصر تحديدا «آنى إرنو»، معظم أعمالها تُرجمت إلى العربية فى مصر وفى عدد من الدول العربية، قامت هيئات وزارة الثقافة بنشر عدد من أعمالها، فضلاً عن بعض دور النشر الأخرى، وحضرت إلى القاهرة كثيرًا، وشاركت فى بعض الأنشطة الأدبية والثقافية.
«آنى إرنو» فى فرنسا، تنتمى إلى اليسار المتعاطف مع القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطينى، والذى يندد بجرائم الاحتلال الإسرئيلى فى الضفة وفى غزة، يوم إعلان فوز «آنى إرنو»، أكتوبر سنة 2022، نزلت إلى الشارع فى باريس وهى ترتدى الكوفية الفلسطينية، اعتزازا بموقفها وتأكيدا عليه.
«آنى إرنو» مواليد سنة 1940، شهر سبتمبر، أى أنها كانت 82 سنة حين فازت بالجائزة، فوزها أثار امتعاضًا فى إسرائيل، وتعرضت لبعض الانتقادات من كُتاب إسرائيليين، لكن على المستوى الرسمى المعلن، لم يحدث شيء على عكس جائزة الجمعة الماضية.
«بيلاى» تبلغ من العمر 85 عاما، مواليد سنة 1941، قصة كفاح حقيقية، وتاريخ طويل، ومع ذلك، فإن السفير الإسرائيلى لدى الأمم المتحدة وصف قرار فوزها بأنه «مخزٍ» وأنه يمثل تأييدًا لمَن يراهم «أعداء السامية»، نتنياهو ذكر أن لجنة نوبل فقدت بوصلتها الأخلاقية، وذهب إلى أن «بيلاى» أقامت مسيرتها المهنية على «اختلاق وترويج افتراءات دموية ضد الدولة اليهودية الوحيدة، هذه العبارات الحادة لم يسبق أن وُجهت لفائزة أو فائز بجائزة نوبل فى أى تخصص من تخصصاتها.
هذا كله يدعونا إلى أن نتوقف أمام مناخ ثقافى عربى سيطر على الكثيرين منذ سنوات الستينيات، سوف نجده فى القاهرة كما فى بغداد ودمشق والرياض والرباط فضلا عن الجزائر وغيرها، خلاصة ذلك كله أن شرط الفوز بنوبل فى أى تخصص وفى أى بلد، هو رضا إسرائيل عن الكاتب والأديب أو العالم.
فإذا فاز بها أى اسم، يتم ربطه بالضرورة بإسرائيل مباشرة أو بأى من اللوبيات والمؤسسات أو المراكز العلمية المدعومة من إسرائيل أو التى تقوم هى بدعم ومساندة إسرائيل، ويمكن القول إن ذلك التصور ما زال راسخا لدى البعض إلى يومنا هذا، ربما يكون السبب فى ذلك هو تعثر جائزة نوبل فى الوصول إلينا، وقد رشح لها د.طه حسين عدة مرات، وكان التصور أن هناك أسماء عدة فى أدبنا العربى المعاصر تحديدا تستحق الفوز، وهذا التصور صحيح إلى حد كبير.
وربما كان السبب هو فوز بعض الأسماء المعروف عنها الميل الشديد ناحية إسرائيل أو القرب منها بصلة ما، والحق أن الأسباب هنا متعددة، وثمة كتابات لكبار الكتاب فى هذا الأمر؛ نقادا ومبدعين، وكان الحديث يتجدد كل سنة مع اقتراب موعد إعلان اسم الفائزين بالجائزة، ولا ننسى أن هناك عددًا من الإسرائيليين فازوا بها فعليا، فى أكثر من مجال، قبل أن تأتى إلينا.
ولكن حدث فى أكتوبر سنة 1988 أن طرقت نوبل للآداب بابنا بقوة وعن غير توقع، إذ تم إعلان فوز «نجيب محفوظ» بجائزة نوبل، ليكون أول وآخر مصرى وعربى يفوز بها فى مجال الآداب إلى يومنا هذا.
كان «محفوظ» نفسه أول مَن فوجئ بذلك، واعتبرها مزحة حين أُبلغ تليفونيا بالخبر، كانت مصر فقدت قبلها بعام توفيق الحكيم، وكان اسم نجيب محفوظ قد تعرض للانتقاد من بعض كُتاب الأجيال التالية، حتى اعتبره بعضهم يحول دون أى تجديد للقصة أو للرواية، وتحدث البعض الآخر بصراحة عن أنهم تجاوزوا «محفوظ» ومرحلته، هو نفسه فيما يبدو لم يقف ضد تلك الموجة، حتى إننا وجدناه فى عيد ميلاده رقم 75 سنة 1986 يصرح لـ«المصوّر»، فى حوار أجراه زميلنا الأستاذ محمد الشاذلى، بأنه لن يظل «الكاتب الأول» أبد الدهر، وأن بقاء الكاتب على رأس القمة يعنى أن «ينطفى الآخرون»، وسط هذا كله يعلن فوزه بالجائزة الأكبر سنة 1988.
ورغم أحقية «محفوظ» وإنجازه الروائى الكبير، هو يبذ الكثيرين من الذين فازوا بالجائزة، لكن الشك القديم عاد، وأرجع البعض ذلك الفوز إلى إسرائيل، وأن «محفوظ» نال الجائزة لأنه ساند معاهدة السلام التى وقّعها الرئيس السادات فى مايو سنة 1979، ولو صحّ ذلك، وهو غير صحيح، لفاز بها محفوظ سنة 79 أو سنة 1980.
الذين أيدوا معاهدة السلام، لم يكونوا يؤيدون إسرائيل، بل أيدوا ودافعوا عن حق مصر فى استعادة سيناء، واستكمال تحريرها، وهذه قضية مصرية أولا وأخيرا، ولم يكن محفوظ وحده الذى أيد السلام واستعادة سيناء، غيره كثر، بين الكتاب والروائيين، كان فى مقدمتهم توفيق الحكيم.
لم يقف الاتهام عند اسم نجيب محفوظ، بل امتد إلى د.أحمد زويل، الذى فاز بها فى الفيزياء، وكان يحمل الجنسية الأمريكية إلى جوار جنسيته المصرية ولا أحد ينكر قيمته العلمية، هو صاحب نظرية «الفيمتو ثانية» رغم هذ اجتهد البعض منا فى البحث عن صلات له بإسرائيل ويَخلُصُون إلى أنه نالها لهذا السبب، وكأنه بلا إنجاز علمى أو نالها مجاملة أو رشوة سياسية، خطورة هذا الاتهام أنه خلق حالتين متضاربتين فى الأوساط الثقافية.
الأولى أن معيار الفوز بالجائزة الكبرى أو أى جائزة أخرى، لدى هؤلاء، لم يعد هو المنجز الإبداعى والفكرى أو النقدى، بحسب التخصص، بل هو فى الترضيات الجانبية، هنا أو هناك، لاحظ – مثلا- الشجار السنوى حول بعض الجوائز العربية وبعض جوائز الدولة.. هناك شعور يتلبس البعض أن الجوائز تأتى بالتربيطات والترضيات والعلاقات العامة، لا بقوة المنجز الإبداعى وعمق الإنتاج الفكرى، ويمكن القول إن الحياة الثقافية والفكرية العربية والمصرية تدفع ثمنا غاليا وفادحا لتلك الحالة البائسة.
الثانية أخطر، وذلك أن البعض صدقوا ووثقوا أنه دون رضا إسرائيل عليهم لن يصلوا إلى عتبة الجائزة الكبرى، ولا إلى المستوى العالمى الذى يطمحون إليه ولن تترجم أعمالهم إلى لغة أجنبية، وهكذا وجدنا البعض فى حالات كثيرة يذهبون بعيدا فى استرضاء المناخ الإسرائيلى فى العالم ولعن بلدانهم ودولهم.. أمور لا توضع فى خانة التطبيع ولا تدخل فى بابه، بل تذهب إلى حد الانسحاق أمام نيل الرضا الإسرائيلى، والنماذج عديدة، أظن أنها معروفة للكثيرين فى المحيط الثقافى والأدبى العربى كله، وانتقلت تلك الحالة إلى بعض الشبان الجدد، فذهبوا إلى الاسترضاء المجانى لإسرائيل والسعى فى ركابها مع إدانة دول المنطقة بالكامل لصالح إسرائيل.. شيء من ذلك بدا واضحا مع أحداث السابع من أكتوبر وما بعدها إلى يومنا هذا.
فوز قاضية جنوب إفريقيا، التى أدانت إسرائيل فى الجنائية الدولية، ومن قبلها فوز آنى إرنو سنة 2022 بجائزة نوبل فى الأدب، هو صفعة حقيقية لهؤلاء جميعا، وقبل الصفعة رد الاعتبار مجددا لفوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل الذى كان وسيظل فوزا مستحقا.
ما حدث فى جائزة نوبل للسلام هذا العام يثبت أن إسرائيل لا تتمتع كما تصور بعضنا بالقول الفصل فى الجائزة، ما تردد فى بعض الكتابات العربية، كان محض تصورات مغلوطة، الجائزة، أى جائزة لها معايير، فى العمل وفى الإنتاج والإبداع، ثم يأتى عامل المناخ العام المحيط بكل جائزة، مثلاً هذا العام رشح عن لجنة الجائزة قبل الفوز أنها سوف تراعى أن يكون الفائز بجائزة السلام قادرا على تحمل ضغوط الرئيس دونالد ترامب الذى أعلن أنه يريد الجائزة، لذا ذهبت الفائزة بها العام الماضى زعيمة المعارضة فى فنزويلا، وقدمتها له كاملة وتنازلت عنها مبادرة منها، لكن تبقى الجائزة باسمها هى.. أما أن يلقى بعضنا بكل المعايير فى الأرض ويتوقفوا عند عنصر جانبى هنا أو هناك، فهذا هو الخطأ بعينه، فضلا عن أنه يؤدى إلى تشويه بعض الفائزين والحد من إنجازهم، كما حدث لنجيب محفوظ من البعض سنة 1988.
هل هذا يعنى أن أعضاء لجان جائزة نوبل هم مجموعة من «الملائكة»؟!
بالتأكيد لا.. هم بشر لديهم خياراتهم وانحيازاتهم، والقيم أو المثل التى يعملون عليها، كلٌّ فى تخصصه، وهذا ما يجعل اللجنة تمنحها لشاعرة مرة أو روائى وفى الطب والفيزياء يأتى ذلك، هناك العديد من الإنجازات سنويا، لكنهم ينحازون إلى منجز بعينه، يرون أنه أكثر إفادة للبشرية، وهذا يقع فى كل الجوائز تقريبا، أما ربط جائزة بصفة أو عامل واحد فقط، خارج حدود التخصص، فهذا ما يجب إعادة النظر فيه.. ليس فقط حرصًا على اسم الفائز أو الفائزة، بل حماية للآخرين الحالمين بالفوز والمتطلعين إلى التكريم من سوء التقدير، ومن ثم سوء التصرف والمسلك، كما بدا من البعض هنا فى العشرين عامًا الأخيرة.
ولابد من القول إن الجوائز لن تصل إلى كل مجتهد ومبدع، ذلك أن عدد الجوائز فى كل بلد وكل ثقافة محدود وقليل، المهم أن يكون لدينا مَن يقدمون إنتاجًا ومنجزًا يضعهم فى دائرة الاستحقاق للجائزة، ثم بعد ذلك وليس قبلها نتساءل لماذا لم تصلهم أو متى تأتيهم الجائزة؟!