رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

التوجه العُماني نحو أفريقيا.. خيار استراتيجي راسخ لتعزيز الشراكات الاقتصادية


15-9-2026 | 17:11

.

طباعة
بقلم/أحمد تركي.. خبير الشؤون العربية

يُمثّل التوجه العُماني نحو القارة الأفريقية خياراً استراتيجياً راسخاً لتعزيز الشراكات والتنويع الاقتصادي ضمن مستهدفات رؤية عُمان 2040 وتقليل الاعتماد على القطاع النفطي، إذ تمنح زيارة "دولة" السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان إلى كل من بوتسوانا وأنجولا يومي 16 و17 سبتمبر 2026، دفعة جديدة لتوجّه عُماني يربط توسيع العلاقات الدولية بأولويات التنمية الوطنية، إذ تكتسب الزيارة أهميتها كونها تعمل على ترسيخ شراكة عُمانية مع دول أفريقية تلتقي معها في السعي إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعا وقدرة على مواجهة تقلبات الأسواق.

هذا التوجه العُماني نحو الأسواق الأفريقية في البلدين، ليس جديدا أو وليد اللحظة، فالعلاقات بين الجانبين يربطهما تاريخ عريق من التواصل الحضاري والتبادل التجاري الممتد عبر القرون، حيث تزخر القارة الأفريقية بإمكانات فريدة وفرص استثمارية واعدة؛ وذلك في قطاعات مثل الأمن الغذائي والتعدين والطاقة المتجددة.

وفي ظل العلاقات الجيدة بين عُمان وكل من بوتسوانا وأنجولا، فإنَّ هذه الزيارة تؤكد الإرادة السياسية للارتقاء بالعلاقات التاريخية وتشجيع رؤوس الأموال في البلدين على الاستثمار في القطاعات الحيوية، خاصة وأن عُمان وقعت اتفاقيات استراتيجية مع كلا البلدين، وهذه الاتفاقيات ستعزز من إمكانية تحويل الفرص الاستثمارية المتاحة في هذه الأسواق إلى شراكات اقتصادية مستدامة وملموسة.

هذه الزيارة ستفتح فرصا حقيقية للتوسع وتنويع الأسواق والاستثمارات أمام القطاع الخاص العُماني، كما أنها ستسهم في تعزيز التبادل التجاري من خلال الربط بين الموانئ العُمانية وممرات التجارة أفريقياً وعالمياً تحقيقا لمستهدفات رؤية "عُمان 2040" في التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على القطاعات النفطية .

وتحمل هذه الزيارة دلالات لتعزيز الشراكات في مختلف المجالات وخاصة الاقتصادية والاستثمارية مع بتسوانا وأنجولا، إذ تتيح الشراكة بين عُمان وبتسوانا توظيف الخبرات ورأس المال والموارد في أنشطة توسّع قاعدة الإنتاج. ويُفسّر هذا الاحتياج الترابط بين التعاون في الطاقة والتعدين وتخزين الوقود؛ فاستقرار الإمدادات شرط لجذب الاستثمارات وتشغيل الصناعات وتنمية الأعمال.

ويضيف التعاون العُماني مع بوتسوانا مجالات جديدة للحضور العُماني في الجنوب الأفريقي. وتوفر تقاليد الاستقرار السياسي في بوتسوانا أرضية مناسبة للاستثمارات طويلة الأجل، ولكل دولة أفريقية أولوياتها التي ينبغي أن تُبنى الشراكات في ضوئها. وفي قطاعات الطاقة والبنية الأساسية والتعدين، يمكن لشراكات طويلة الأجل أن تجمع بين عائد الاستثمار وحاجة المجتمعات إلى الكهرباء والمهارات والعمل، وأن تفتح أمام الطرفين فرصا تمتد إلى الأسواق الإقليمية.

وتسعى عُمان وأنجولا إلى توسيع آفاق الشراكات الاقتصادية، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال النصف الأول من عام 2025م نحو 972.9 ألف ريال عُماني، مقابل نحو 1.31 مليون ريال عُماني خلال الفترة نفسها من عام 2024م، كما سجّل الميزان التجاري خلال النصف الأول من عام 2025م فائضًا لصالح سلطنة عُمان بلغ نحو 969.7 ألف ريال عُماني، مقارنة بنحو 1.17 مليون ريال عُماني خلال النصف الأول من عام 2024م.

وبلغت الصادرات العُمانية إلى أنجولا خلال النصف الأول من عام 2025م نحو 971.3 ألف ريال عُماني، مقابل نحو 1.24 مليون ريال عُماني خلال الفترة نفسها من عام 2024م، وشملت أبرز الصادرات العُمانية إلى السوق الأنجولية أجزاء لآلات وأجهزة ترشيح أو تنقية السوائل أو الغازات، وألبانًا غير معدة للصناعة بشكل مسحوق، وكابلات كهربائية .

وكوبوليمرات البروبيلين، والبولي إيثيلين، فيما شملت أبرز المنتجات المستوردة من أنجولا إلى سلطنة عُمان آلات وأجهزة كهربائية ذات وظائف قائمة بذاتها، وحلقات وفواصل من المطاط، ومنسوجات ذات استعمالات فنية.

وشهدت الاستثمارات المسجلة ذات المساهمة الأنجولية في سلطنة عُمان نموًّا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ ارتفع عدد الشركات التي تضم مساهمات من جمهورية أنجولا من شركة واحدة في عامي 2023م و2024م إلى 4 شركات في عام 2025م، كما ارتفع عدد المساهمين من مساهم واحد إلى 6 مساهمين خلال الفترة نفسها، وارتفع إجمالي رأس المال المسجل لهذه الاستثمارات من 24 ألف ريال عُماني في عامي 2023م و2024م إلى 74 ألف ريال عُماني في عام 2025م، مع تسجيل مساهمة أنجولية كاملة في رأس المال وفق البيانات الصادرة عن وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار .

وتوزعت الشركات ذات المساهمات الأنجولية المسجلة في سلطنة عُمان على قطاعات التشييد، والأنشطة المهنية والعلمية والتقنية، وتجارة الجملة والتجزئة وإصلاح المركبات ذات المحركات والدراجات النارية، ويبرز قطاعا الطاقة والتعدين من المجالات الرئيسة التي يمكن أن تسهم في توسيع الشراكة الاقتصادية والاستثمارية بين سلطنة عُمان وأنجولا، حيث جاء توقيع مذكرة التفاهم للتعاون في مجالات الطاقة، إلى جانب مذكرة التفاهم المتعلقة ببحث فرص التعاون في المبادرات المالية والاستراتيجية، ضمن المساعي الرامية إلى تطوير أطر التعاون الاقتصادي بين البلدين.

وفي سعي تعزيز التعاون المالي بين البلدين أُعلن في العاصمة الأنجولية لواندا في أبريل 2026م عن تأسيس البنك الأفريقي العُماني، في خطوة تسهم في دعم حركة التجارة والاستثمار بين سلطنة عُمان وجمهورية أنجولا، وتسهيل وصول الشركات العُمانية إلى الأسواق الأفريقية، بما يعزّز الحضور الاقتصادي لسلطنة عُمان في أنجولا ويفتح آفاقًا جديدة للشراكة بين القطاعين الخاصين في البلدين .

وقد شكّلت زيارة الرئيس "جواو مانويل لورينسو"، رئيس أنجولا، الرسمية إلى عُمان في ديسمبر 2024م محطة رئيسة في مسار العلاقات بين البلدين، توّجت بالتوقيع على اتفاقية للاستحواذ على حصة في منجمي "كاتوكا" و "لويلي" في أنجولا، إلى جانب مذكرتي تفاهم؛ تتعلق الأولى بالتعاون في مجالات الطاقة، والثانية ببحث فرص التعاون في المبادرات المالية والاستراتيجية.

ومنذ زيارة الرئيس الأنجولي إلى سلطنة عُمان، شهدت العلاقات الثنائية حراكًا متواصلًا من خلال زيارات متبادلة لعدد من المسؤولين والجهات الحكومية وممثلي القطاع الخاص والشركات الحكومية في البلدين، تناولت مختلف ملفات التعاون الثنائي، بما يعكس الاهتمام المشترك بمتابعة ما تمّ الاتفاق عليه وتعزيز مجالات التعاون والاستثمار .

واستمرارًا لهذا الحراك، شارك وزير الخارجية بدر البوسعيدي في احتفالات الذكرى الخمسين لاستقلال أنجولا، وعكست هذه التطوّرات توجهًا نحو بناء شراكة عُمانية أنجولية أكثر تنوعًا، لا تقتصر على التبادل التجاري، وإنما تمتد إلى الاستثمار والطاقة والتعدين واللوجستيات والقطاعات الإنتاجية والخدمية، بما يعزّز المصالح المشتركة ويدعم فرص التعاون الاقتصادي.

وشهدت العلاقات العٌمانية الأنجولية نقلة أخرى مهمة تمثلت في تعيين السفير عبد الله بن ناصر الرحبي، سفير سلطنة عُمان لدى جمهورية مصر العربية ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية، سفيرًا فوق العادة ومفوضًا غير مقيم لدى جمهورية أنجولا، وقدم نسخة من أوراق اعتماده يوم 14 سبتمبر 2026، إلى دومينغوس فييرا لوبيس، وزير الدولة للتعاون الدولي والجاليات الأنجولية. والسفير فوق العادة والمفوض غير مقيم هو أعلى ممثل دبلوماسي لبلده لدى دولة أخرى، ويُقيم عادة في دولة مجاورة أو دولة مقر رئيسية ويكلف بتمثيل بلاده ورعاية مصالحها في دولة ثانية لا توجد فيها سفارة مقيمة أو طاقم دبلوماسي كامل .

وأكد السفير عبداللّٰه بن ناصر الرحبي، أن الزيارة السامية السُّلطان هيثم بن طارق إلى أنجولا تأتي تتويجًا لمسارٍ متنامٍ من العلاقات الثنائية بين البلدين وفي إطار الجهود التي يبذلها السلطان هيثم بن طارق لتوسيع آفاق العلاقات مع مختلف دول العالم، وبصفة خاصة مع الدول الأفريقية الصديقة، انطلاقًا من إيمانه بأهمية الانفتاح على العالم، وبناء جسور التواصل والتعاون مع مختلف الدول والشعوب.

أوضح السفير الرحبي أن ثمة مجالات واعدة للاستثمارات المشتركة بين عُمان وأنجولا، ففي قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية يمكن بحث إقامة شراكات تربط الموانئ العُمانية بالموانئ الأنجولية، بما يعزز حركة التجارة والاستثمار ويفتح مسارات جديدة بين منطقة الخليج والقارة الأفريقية .

كما أن قطاع السياحة يمكن أن يشكّل مجالًا واعدًا للتعاون، من خلال تبادل الخبرات وتشجيع الاستثمارات السياحية، والاستفادة من المقومات الطبيعية والثقافية والتاريخية التي يمتلكها البلدان. مشيراً إلى أن إطلاق البنك الأفريقي العُماني في لواندا يمثل تطورًا نوعيًّا ومهمًّا في مسيرة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، لأنه يوفر أداة مؤسسية ومالية يمكن أن تسهم في تسهيل حركة التجارة والاستثمار، وتوفير قنوات تمويلية للشركات والمستثمرين، وتعزيز التواصل بين الأسواق الأفريقية والعُمانية.

الاكثر قراءة