لم تأتِ ميداليات دورة ألعاب البحر المتوسط الأخيرة صدفة، ولم يكن صعود العلم المصري 34 مرة على منصات التتويج مجرد أرقام تُضاف إلى سجل تاريخى، إن ما حققته البعثة الرياضية المصرية في النسخة الأخيرة من الدورة هو خلاصة عمل، وإرادة، وتخطيط، واستشارات فنية وعلمية عظيمة بدأت قبل سنوات، إنه إعلان واضح أن الرياضة المصرية قادرة على أن تكون رقماً صعباً فى أى محفل دولى، متى توفرت لها الإرادة والمناخ، لقد أثبت أبطالنا في رفع الأثقال والمصارعة والكاراتيه والملاكمة وألعاب القوى والسباحة أنهم قادرون على منافسة دول أوروبا وحوض المتوسط التي تنفق على الرياضة ميزانيات ضخمة، أثبتوا أن العزيمة المصرية حين تجد الدعم تصنع المعجزات، لكن السؤال الأهم الآن ليس: ماذا حققنا؟ السؤال هو: كيف نحافظ على هذا الإنجاز؟ وكيف نحوله من ومضة إلى مشروع دائم يجعل مصر فى المكانة التي تستحقها بين الأمم؟ إن مصر التي علّمت العالم معنى الحضارة، تستحق أن تكون فى صدارة الرياضة.
جاءت نتائج البعثة المصرية في دورة البحر المتوسط لتؤكد أننا نسير في الطريق الصحيح، وأن الاستثمار في الإنسان المصري يؤتي ثماره، حققنا المركز الخامس في الترتيب العام، وهو أفضل مركز لنا منذ سنوات. لكن الأهم من الرقم هو «نوعية» الميداليات، واصلت رفع الأثقال سيطرتها التاريخية وحصدت 12 ميدالية ذهبية، مؤكدة أنها ماكينة الميداليات المصرية، وشهدت المصارعة، عودة قوية للرومانية والحرة بـ 8 ميداليات ملونة، بعد أن استعادت الثقة في أبنائها الشباب، أما الألعاب القتالية الكاراتيه والملاكمة والتايكوندو أثبتوا أنهم مستقبل مصر الأولمبي، بـ 10 ميداليات في رياضات تحتاج إلى عقل وعضلات معاً، وألعاب القوى والسباحة، كسرنا احتكار دول شمال المتوسط لهما، وحققنا ميداليات ومراكز متقدمة كانت حلماً بالأمس، وهذه ليست مجرد ميداليات. هذه رسائل تقول للعالم مصر عادت.
ما لا يراه الجمهور هو أن هذا الحصاد لم يأتِ من فراغ، كان خلفه منظومة عمل متكاملة، فقد تعاقدت الاتحادات مع مدربين من بلغاريا وكوبا وكوريا الجنوبية في المصارعة والملاكمة، نقلوا خبراتهم لأبنائنا وصنعوا جيلاً جديداً، قضى أبطال رفع الأثقال أربعة أشهر في معسكر مغلق بأرمينيا، وتدرب السباحون في تركيا، هذا الاحتكاك هو سر الفارق، ولأول مرة نرى أخصائي تغذية وأخصائيا نفسيا وطبيب علاج طبيعي ملازمين للبعثة، البطل لم يعد يتدرب بجسده فقط، بل بعقله وعلمه، والتنسيق كان مبكرا بين وزارة الشباب والاتحادات، وتم توفير الميزانية، وحل مشكلات السفر والتأشيرات قبل الدورة بـستة أشهر، هذا هو الفارق بين «بعثة» و«وفد مسافر» للتمثيل.
لقد أثبتت هذه الدورة أن «الاستشارة العظيمة» هى أن تعامل البطل كمشروع قومى، لا كهاوٍ يمارس الرياضة في وقت فراغه.
والتاريخ يعلمنا درساً قاسياً، مصر تتفوق في دورة، ثم تختفي في الدورة التي تليها، فلماذا تتكرر هذه الدائرة؟
بعد كل دورة ناجحة ندخل في حالة نشوة، نكرم الأبطال، ونلتقط الصور، ثم ننسى، تتأخر المكافآت، وتتوقف المعسكرات، ويعود اللاعب للتدريب في صالة غير مؤهلة، فتضيع أربع سنوات من العمل في أربعة أشهر من الإهمال، وعندما لا يجد البطل عقداً ولا راتباً ولا مستقبلاً، يأتيه عرض من دولة خليجية أو أوروبية. يعرضون عليه الجنسية والراتب والسكن، فيرحل، ونحن لا نخسر لاعباً فقط، بل نخسر استثمار 15 عاما وتدريباً وعرقاً، قضية الشامي وحجاج في أوروبا ليست بعيدة.
وقد تتغير مجالس الإدارات في الاتحادات، فيُلغى مشروع المدرب الأجنبي، ويتوقف المعسكر، ويعود كل شيء لنقطة الصفر، فلا توجد «خطة دولة» ملزمة للجميع.
وإذا لم نحافظ على هذا الجيل، سنستيقظ في دورة لوس أنجلوس 2028 لنجد أنفسنا نبدأ من جديد. وهذا ما لا تحتمله مصر.
خارطة الطريق
ولكى نحول هذا الإنجاز إلى قاعدة انطلاق، نحتاج إلى قرارات جريئة وسريعة، ونقترح «ميثاق الشرف الرياضي» القائم على خمسة محاور فكل لاعب دولي يوقع عقداً مع «الهيئة القومية لرعاية الأبطال» يتضمن راتباً شهرياً لا يقل عن 30 ألف جنيه، وتأميناً صحياً واجتماعياً، وسكناً، وإلزام جهة عمل اللاعب الحكومية أو الخاصة بمنحه إجازة مدفوعة الأجر طوال فترة الإعداد، ويكفي أن نطلب منه أن يفكر في الميدالية فقط.
ورعاية الدولة وحدها لا تكفي، يجب إطلاق «منصة أبطال مصر» لربط الشركات بالرياضات، شركات الأغذية ترعى المصارعة ورفع الأثقال، شركات الملابس ترعى ألعاب القوى، وشركات الاتصالات ترعى الفرق الجماعية، بهذا نجعل البطل «علامة تجارية» تدر دخلاً على نفسه وعلى ناديه واتحاده، مع احترافية البعثات والإدارة، من خلال إلغاء نظام «رئيس الوفد الشرفي». وتعيين «مدير إداري محترف» لكل بعثة، وتكون هناك مسئولية مباشرة عن اللاعبين.
وغرفة عمليات فى اللجنة الأولمبية تتابع البعثة 24 ساعة نفسياً ومعيشياً وإدارياً، وتوفير معايير علمية لاختيار اللاعبين، لا للمجاملات ولا للوجوه القديمة. مع ثورة في البنية التحتية، بإنشاء ثلاثة مراكز قومية للتدريب في القاهرة والإسكندرية وأسوان على أعلى مستوى عالمي، وتكون مفتوحة لكل الاتحادات.
وإلزام كل اتحاد بإنشاء «إدارة للتحليل والأداء» تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل أداء المنافسين، ومضاعفة ميزانية البحث العلمي الرياضي خمسة أضعاف.
ولضمان المستقبل بعد الاعتزال، لأن الخوف من «ما بعد الرياضة» يقتل الإبداع، بتعيين كل بطل أولمبي أو عالمى فوراً في الجهاز الإداري للدولة أو القطاع العام، مع منحة دراسية كاملة في أكاديمية المدربين، وتوفير نسبة 10 فى المائة من الوظائف القيادية في وزارة الشباب والاتحادات لأبطال مصر، بهذه الإجراءات لن نخسر بطلاً واحداً بعد اليوم.
ولأن مصر تستحق، أن تكون ضمن العشرة الكبار في الأولمبياد، لا أن تحتفل بميداليتين كل أربع سنوات، تستحق أن يكون علمها هو الأكثر رفعاً في أي دورة إقليمية أو قارية أو عالمية، مصر التي صدرت العلم للعالم، والتي بنت الأهرامات، والتي صنعت حضارة من 7 آلاف سنة، لا يمكن أن تقبل بأن تكون في المركز الـ 40 عالمياً.
إن الشعب المصري يستحق أن يفرح كل يوم، لا كل أربع سنوات
وإن الأبطال يستحقون أن يُعاملوا كأبطال، لا كأرقام في كشف.
لقد حان الوقت أن نحمى إنجازاتنا قبل أن نطلب المزيد منها.
لقد حان الوقت أن نضع مصر في المكان الذي يليق بها:
فى المقدمة دائماً.