رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

بعد حملة «إحنا مصر» وبالون الأهرامات.. منْ يصنع الصورة السياحية فى مصر


12-9-2026 | 15:02

.

طباعة
بقلـم: أمانى عبد الحميد

ثلاثة مشاهد تبدو للوهلة الأولى متباعدة.. بالون يحلق فوق المشهد الأثرى، وحملة تخاطب المواطن، واستثمارات تبحث عن مساحات جديدة للنمو. لكنها تلتقى جميعا لتطرح عدة تساؤلات: أى سياحة نريد لمصر؟ وما فلسفة السياحة المصرية؟ وكيف يمكن أن نطور التجربة السياحية ونستثمر فى المكان، دون أن نفقد خصوصية الأثر أو نحمّل المواطن وحده مسؤولية صناعة الصورة السياحية؟

 

هذا ما حدث فى صباح مشمس عادى، عندما استيقظت مصر على مشهد غير عادى، بالون فضى يعلو أمام أهرامات الجيزة، ويقتحم بصورته اللافتة مشهد بلاتوه أهرامات الدولة القديمة. صورة واحدة كانت كفيلة بإثارة الفضول قبل أن تفتح بابًا واسعًا من التساؤلات: ما الذى جاء بهذا الجسم الغريب إلى جوار واحد من أقدم وأشهر المواقع الأثرية فى العالم؟ وما حدود التجارب السياحية الجديدة التى يمكن أن نضيفها إلى أماكن تحمل قيمة استثنائية كهذه، دون أن تطغى التجربة الحديثة على سحر المكان وتاريخه؟

ولم يكن البالون وحده هو ما أثار الجدل، فقد تزامن ظهوره مع إطلاق وزارة السياحة والآثار النسخة الجديدة من حملتها الترويجية «إحنا مصر»، التى تراهن على المواطن المصرى باعتباره جزءا أساسيا من التجربة السياحية، وعلى قدرته على صناعة الانطباع الذى يحمله الزائر عن مصر. وفى الوقت نفسه، جاء الإعلان عن تعاون استثمارى مع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة لدعم الاستثمارات السياحية، خاصة الفندقية، إلى جانب تنمية سياحة اليخوت والأنماط السياحية البحرية والنيلية.

المشاهد الثلاثة أثارت تساؤلات منطقية تدور حول كيف نسوق، وكيف نستثمر، وكيف نطور المواقع، وكيف نحافظ على الهوية، والأهم كيف نجعل المواطن جزءا من تلك الصناعة القومية، فالسياحة الناجحة هى التى تستطيع استثمار شخصية المكان وتعيد تقديمها للسائح أو الزائر بشكل أفضل. والاستثمار السياحى الجيد يجب أن يكون محكوما برؤية واضحة، أين نبنى؟ وماذا نبني؟ وكيف نحافظ على خصوصية الموقع وبيئته وهويته. والأهم هو كيف يمكن للمجتمع خلق أجيال من المواطنين يجيدون التعامل مع الزوار والسائحين بشكل يمنحهم تجربة إنسانية وثقافية مميزة؟، وقتها سنعلم كيف يمكن الاستثمار الجيد فى قطاع السياحة المصرية. وكيف يمكن الاستفادة من الاستثمارات التى سيقدمها صندوق مستقبل مصر للتنمية المستدامة من أجل النهوض بالقطاع ككل؟ فى ظل كل ما نراه داخل المشهد السياحى والأثرى اليوم. خاصة ونحن أمام تحديات اقتصادية تسعى لتحقيق مزيد الاستثمار السياحى أكثر تنوعا فى مصر.

ومن أجل تلك الصورة السياحية الثمينة، طل مبتسما شريف فتحى وزير السياحة والآثار الأسبوع الماضى من داخل البالون الطائر أمام أهرامات الجيزة بالرغم من الجدل الواسع. حيث قرر القيام بتجربة البالون، التى تستمر لمدة 15 دقيقة، وسط موقع يبعد حوالى كيلومترين عن الأهرامات ومسافة 2.2 كيلومتر عن أبو الهول، ويرتفع عن الأرض رأسيا مسافة 150 مترا صعودا وهبوطا.

فكرة البالون الطائر فى حد ذاتها تنتمى إلى الاتجاه العالمى نحو تنويع التجارب السياحية، ومنح الزوار فرصة لرؤية المكان من زاوية مختلفة، لكن وجود تجربة ترفيهية جديدة فى محيط موقع أثرى، بحجم هضبة أهرامات الجيزة، يفرض أسئلة مشروعة حول ضوابطها ومواصفاتها وموافقاتها للمعايير الأثرية والبيئية والبصرية.

كما أنها تجربة فتحت باب الاعتراض سريعا من جانب منظومة إدارة منطقة الأهرامات تجاريًا التى يربطها بالمجلس الأعلى للآثار عقد يمنحها حقوقا حصرية تتعلق بممارسة الأنشطة التجارية داخل منطقة الزيارة، خاصة وأنها استثمرت فيها بقيمة 1.5 مليار جنيه، وهو ما دفع الوزير إلى تفقد المنطقة الأثرية ومتابعة مراحل تنفيذ المشروع، للتأكيد على حق شركة التسويق المصرية بالتعاون مع شركة فرنسية فى تنفيذ مشروع بالونها الفضى الطائر، وهى التجربة التى وصفها بأنها: «الأولى من نوعها التى تمنح الزائر تجربة ترفيهية ثرية داخل أحد أهم المواقع الأثرية والسياحية فى العالم.. وتمنحه فرصة فريدة لمشاهدة منطقة أهرامات الجيزة ومعالمها ومحيطها من منظور مختلف..». مع توفير نظارات وسماعات تقدم خدمات الترجمة الصوتية بـ12 لغة.

الوزير ذهب ليتأكد من المواصفات الفنية للبالون وآليات تشغيله، والضوابط المتبعة لضمان تحقيق أعلى مستويات السلامة والأمان والاستدامة البيئية. علاوة على اتباع كافة الإجراءات للحفاظ على القيمة الاستثنائية والطابع الأثرى والهوية البصرية الفريدة لمنطقة أهرامات الجيزة، بما يتناسب مع المعايير الدولية المعتمدة. دون الإفصاح عن ماهية تلك الإجراءات والضوابط والمعايير. أو الكشف عن طبيعة الموافقات الأثرية التى سبقت تنفيذ المشروع. خاصة وأن اللجنة الدائمة للآثار، هى الجهة المختصة بإصدار الموافقات الرسمية، على التجارب والمغامرات السياحية وما إذا كانت تمثل ضررا لأقدم منطقة أثرية فى العالم.

وطبقا لبيان الوزارة، فإن الشركة المنفذة تتبع كافة الأساليب العلمية اللازمة خلال مراحل المشروع المختلفة. وأن كافة المنشآت مستخدم فيها هياكل خفيفة ومكونات مُسبقة التجهيز فوق سطح الأرض قابلة للفك والتركيب. كما أنها لم تتضمن أى عمليات حفر تحت سطح الأرض، أو إنشاءات خرسانية تمس التربة، بما يضمن عدم الإضرار بالمنطقة الأثرية أو محيطها. وأن التكنولوجيا المستخدمة تعتمد على أعلى معايير الأمن والسلامة والاستدامة.

يبدو أن الترويج السياحى لم يعد كما كان منذ عقود، عندما كانت الحملات السياحية المصرية تعتمد على الملصقات الورقية وصور الأهرامات والنيل فى معارض السفر التقليدية، اليوم نرى المشهد قد تغير جذريا. باتت الحملات الترويجية والرسائل السياحية تتناقلها وسائط جديدة مختلفة تماما عما سبق. تعتمد فى الأساس على شاشة الهاتف الذكى عبر إعلان قصير على منصات التواصل الاجتماعى مثل الانستجرام وتويتر وفيسبوك وتيك توك، أو فيديو دعائى يتسلل إلى منصة اليوتيوب. البطل فيها لم يعد البشر العاملين فى السياحة بل باتوا صُناع محتوى وبلوجورز ومؤثرين، على حد وصف وزارة السياحة. حيث يكمن جوهر فلسفة الترويج السياحى فى إسقاط فكرة الخطاب المباشر الجماهيرى عبر الصحافة والإعلام المتخصص إلى استغلال المنصات والأشخاص ذوو الشهرة والصورة الذهنية المرسومة بعناية. كلها تخاطب عيون المتابعين. تستند على بيانات البحث والحجز الإلكترونى للفنادق، والطيران، والزيارات السياحية. وبالتأكيد يأتى فى المقدمة السائح العربي. الذى باتت مصر بالنسبة له وجهة سياحية رخيصة وآمنة مقارنة بعدد من الدول القريبة التى خرجت من السباق السياحى نظرا لظروفها السياسية المضطربة.

ومن أجل استكمال الصورة الترويجية أطلقت وزارة السياحة والآثار، ممثلة فى الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحى، النسخة الثانية من حملة «احنا مصر» كنسخة ثانية من الحملة والتى أطلقتها على ثلاث مراحل خلال الفترة من أغسطس وحتى أكتوبر 2025. لتضع المواطن المصرى ضمن معادلة الترويج للسياحة.

فلم تعد المواقع الأثرية والمتاحف جزءا من التجربة السياحية كما كانت من قبل. فالأمر لم يعد يهتم بتاريخها وتأثيرها وأهميتها كأحد أهم آثار العالم القديم. بل باتت المغامرة، الاستمتاع، التنوع، هى الأفضل فى الترويج. وزارة السياحة والآثار باتت معنية أكثر بالصورة التى قد ينشرها السائحون على مواقع التواصل الاجتماعى عن مصر. وهو جالس داخل مطعم، أو أمام واجهة متحف أو موقع أثرى، ترصد تجربته المميزة أو تسجل لحظة عابرة ينال بسببها مزيدا من الإعجاب والمتابعين.

فالزائر حين يأتى إلى مصر، لا يشاهد الأهرامات والمتاحف ويبقى داخل فندقه فقط، إنما يتنقل بين شوارع مصر ومدنها ومطاعمها ويتعامل مع المصريين بشكل مباشر. وهو ما تحاول الحملة الثانية استكمال ما بدأته الحملة الأولى من إبراز القيم الأصيلة والسلوكيات الإيجابية للشعب المصرى فى تعامله مع السائحين. والتأكيد على الدور الحيوى الذى تمثله السياحة فى دعم الاقتصاد القومى وتعزيز صورة مصر كوجهة سياحية رائدة عالميًا.

وبما أن صناعة السياحة هى إحدى الصناعات الحيوية الداعمة للاقتصاد القومى، وأن الحفاظ على نموها واستدامتها مسئولية مشتركة تتطلب تضافر جهود الجميع، أوضح الدكتور أحمد يوسف الرئيس التنفيذى للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحى، أن الهدف من استكمال الحملة هو تعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بتراث بلدهم وهويتها. حيث يتعرف السائحون على الشعب المصرى وثقافته وعاداته وقيمه، وهو ما يجعل التعامل الإيجابى وحسن الاستقبال جزءًا أصيلًا من التجربة السياحية.

الهيئة العامة للتنشيط السياحى فضلت إطلاق النسخة الجديدة من الحملة على المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية لضمان وصولها لأكبر عدد من المصريين. استخدمت فيها من خلال نشر أخبار ومقاطع فيديو لتعزيز الوعى السياحى والأثرى لدى المواطنين. والأهم أنها اعتمدت على دعوة المؤثرين من صناع المحتوى الرقمى للترويج للحملة لما لهم من دور فى نشر رسائلها إلى الفئات المستهدفة بفاعلية أكبر. حيث ستقوم الهيئة بدعوة واستضافة عدد منهم، وتنظيم برامج سياحة لهم بما يتناسب مع طبيعة الحملة وأهدافها.

لكن هل يمكن لجملة «احنا مصر» أن تقنع المواطن المصرى أن السياحة هى مصدر رزقه، وأن السائح ضيف وليس هدفا للاستغلال؟. هل ستتمكن الحملة الإعلانية الترويجية التى سيعيد تقديمها المؤثرون ونجوم السوشال ميديا من تغيير سلوكيات العاملين فى قطاع السياحة؟ خاصة وأن السلوك الجيد يأتى بعد سنوات من التعليم والوعى والتدريب والرقابة المستمرة. وهو تساؤل مهم وجب الانتباه إليه.

وفى الوقت نفسه، تسعى الوزارة إلى تعزيز التعاون مع جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة برئاسة الدكتور بهاء الغنام، بهدف تشجيع الاستثمارات السياحية، ولاسيما الفندقية، أملا فى زيادة الطاقة الاستيعابية للغرف الفندقية فى مصر. إلى جانب تطوير البنية الأساسية للمراسى والموانئ بالمدن السياحية المختلفة. بما يدعم تنمية أنماط سياحية متنوعة، وخاصة سياحة اليخوت والسياحة النيلية والبحرية.

خلاصة القول، إن السياحة المصرية تحتاج إلى حملات تطوير المواقع الأثرية لكن بلا تشويه، واستثمارات سياحية فندقية دون أن يغلب عليها طابع الربح فقط، وإلى خلق مزيد من التجارب المختلفة دون المساس بتاريخ الأثر ومكانته الإنسانية، فهل من مستجيب يستطيع أن يحقق تلك المعادلة الصعبة؟.

الاكثر قراءة