نجحت بعض المواقع أن تجعل من قضية الديون العامة شاغلاً لكل مواطن، بعد أن كانت تشغل الحكومة والمسئولين فى المقام الأول، ومن حق المواطن أن يقلق بعد الاقتراح المزعج لأحد رجال الصفقات بنقل ملكية قناة السويس إلى البنك المركزى فيما عُرف باسم «المقايضة الكبرى».. القناة بكل جلالها وتاريخها مقابل جزء من الدين المحلى، الحكومة رفضت ذلك المقترح تمامًا، وأكد رئيس الوزراء ذلك بنفسه فى المؤتمر الصحفى الأخير، فضلاً عن بيان سابق لمجلس الوزراء يؤكد رفض الفكرة تمامًا، لكن صارت قضية الديون همًا لكل مواطن، خاصة فى قطاعات النخب بين الصحفيين وأساتذة الجامعات والشخصيات العامة.
وقبل أن نناقش ذلك القلق، يجب أن نتوقف عند عدة أمور: كيف تكونت الديون وتراكمت؟ وهل كان ممكنًا الاتجاه إلى التنمية دون اقتراض؟ وفيمَ استغلت تلك القروض؟ وكيف تم توظيفها؟ وهل بلغت مرحلة الخطر على الاقتصاد القومى؟ وماذا عن خطط الدولة فى التعامل مع الديون؟ هل هى قادرة على الوفاء بالأقساط والسداد فى المواعيد المحددة؟
اقترضت مصر فى سنوات الستينيات لبناء السد العالى وبعض المشروعات الصناعية، ثم اقترضنا عند بناء مترو الأنفاق بكل مراحله، وتجديد محطات الطاقة الكهربائية، حتى انتهت مشكلة الانقطاعات المتتالية للكهرباء التى بدأت منذ صيف سنة 2007 حتى وصلت إلى حالة من الشلل سنة 2012، وهكذا فى بناء العديد من المشروعات، خاصة فى مجالات البنية الأساسية، مثل الصرف الصحى وشقّ الطرق وغيرها.
فى صبانا درسنا فى كتب التاريخ أن الديون تراكمت زمن الخديو إسماعيل، وأن معظمها كان للسفه فى الإنفاق وإقامة الحفلات الكبرى، مثل حفلات افتتاح قناة السويس، لكن فى العقود الأخيرة كانت القروض لمشروعات ضرورية لحياة المواطن وتقدم المجتمع، وتصل الديون إلى نقطة خطرة حين تتساوى مع الدخل السنوى، وقد تزيد عليه، هنا تصبح الدولة على حافة الإفلاس؛ إذ تصير عاجزة عن الوفاء بأقساط الدين، وقد تعرضت بعض الدول إلى هكذا أزمات، أشهرها أزمة اليونان قبل حوالى 15 عاما، وتدخل الاتحاد الأوروبى لدعمها.
وما نراه إلى اليوم أن مصر لم تتأخر عن سداد المستحق عليها، بل قادرة على الوفاء به، دعنا الآن من الأرقام المفبركة التى تُنشر على السوشيال ميديا، مثلاً أن مصر مطلوب منها هذا العام 61 مليار دولار، وهو رقم مكذوب تمامًا.. تم الردّ عليه رسميًا وتصحيح الرقم على لسان وزير المالية د. أحمد كوجاك.
هناك رأى يذهب أصحابه إلى أنه كان من الممكن أن نتباطأ فى بعض المشروعات أو لا نقدم عليها، لعدم المقدرة الاقتصادية، عملا بمقولة: «على قد لحافك مد رجليك».. وأننا إذا سرنا بهذا المعدل، كانت الديون سوف تظل محدودة المشكلة، إن أصحاب هذا الرأى يذهبون إلى مدى بعيد؛ إذ يتصورون أن الحياة للطعام والشراب فقط، وما عدا ذلك لا لزوم له، حين تأسس المتحف المصرى الكبير، صاح بعضهم: ولماذا المتحف من بابه؟، واعتبروه إنفاقًا لا طائل منه، وقالوا المهم توفير الطعام، وكأننا فى مجاعة.. لو أخذنا بهذا الكلام على إطلاقه، لن تكون هناك حضارة ولا ثقافة، لا شيء سوى الطعام والشراب وبعض الغرائز.. لكن فى المقابل هناك رأى يذهب أصحابه إلى أن المشروع الذى يتم تأجيله اليوم، سوف نقوم به بعد سنوات، لكن بتكلفة مضاعفة وقد لا يكون من السهل القيام به، والنموذج هنا أن فكرة مترو الأنفاق -الخط الأول- كانت مطروحة فى العصر الملكى، وكانت التكلفة وقتها مائة ألف جنيه فقط، فاعتُبر المبلغ كبيرًا وتم إرجاء المشروع؛ توفيرًا للنفقات. فى النهاية كنا مضطرين إليه، لكن بتكلفة وصلت عدة مليارات.
هذا كله موضع جدل بين الخبراء ورجال الاقتصاد والسياسيين، لكن الحكومة اتخذت خطوات على الأرض وأقامت عدة مشاريع، المهم أن تكون ذات فائدة وتمثل خدمة للمواطن، المهم أيضًا أن نكون قادرين على الوفاء بالدين فى موعده.. الحكومة تؤكد أنها قادرة، ويضيف البعض أنه رغم ذلك ارتفع صافى النقد الأجنبى فى البنك المركزى بصورة غير مسبوقة، ما يعطى الاقتصاد الوطنى نفسه قوة ومصداقية كبيرة.. والملاحظ أن الحكومة قامت بسداد حصة الشريك الأجنبى للمستثمرين الأجانب فى قطاع البترول، ما عزز الثقة الدولية بالاقتصاد المصرى وشجع المستثمرين الأجانب، فضلاً عن ارتفاع معدل التنمية وانخفاض نسبة التضخم. صحيح ليس انخفاضًا كبيرًا، لكن فى النهاية انخفاض، بما يعنى أن المؤشرات تتحرك فى اتجاه إيجابى.
وعمومًا.. فقد طلب الرئيس السيسى من الحكومة أن تناقش مسألة الديون فى المؤتمر الذى سوف يُعقد الشهر القادم، وأن تُعرض فيه كل الآراء والأفكار والحقائق.
المخاوف من الديون فى الوجدان المصرى تعود إلى عدة أسباب، منها أن الثقافة المصرية تحذر من الديون، وتعتبرها همًا كبيرًا يؤرق صاحبه، وفى العصر المملوكى حين كان الفلاح يعجز عن دفع ديونه للملتزم، كانت الأرض تُسحب منه، وأحيانًا يُنتزع منه بيته أو داره. لذا، فإن الذكريات الفردية مع الديون ليست جيدة، وتعتبر مذلة لصاحبه. على المستوى الوطنى، لدينا تجربة الخديو إسماعيل فى الديون سنوات حكمه (القرن التاسع عشر)، وعند الكثيرين أن الديون كانت سببًا مباشرًا للاحتلال البريطانى لمصر، وهنا لنا وقفة.
أولاً: إن معظم ديون الخديو إسماعيل كانت بسبب أن القروض لم تكن تتم بشكل مؤسسى ولا تتم وفق قواعد قانونية ومحاسبية، بل كانت اتفاقًا مباشرًا وشخصيًا بين رجال الخديو وبعض المرابين؛ وقع نهب كبير وظلم للخزينة المصرية، فضلاً عن أن نسبة كبيرة من القروض كانت بغرض الأبهة والفخامة الخديوية؛ لم تكن كلها لمشروعات كبرى.
مَن يراجع كتاب «بنوك وباشوات» الذى ترجمه الراحل د. عبدالعظيم أنيس سوف يجد عشرات الحكايات عن عمليات نصب حقيقية وقعت على الخديو؛ قروض لم يتسلمها الخديو كاملة، ومع ذلك سجلت وحسبت الفوائد على المبالغ التى لم نتسلمها أصلاً، بالطبع كان هناك سماسرة كثر ومتربحون؛ أناس كونوا ثروات كبرى من وراء هذه العمليات، ما يؤخذ على إسماعيل باشا هو التعجل وعدم التدقيق، وعدم الاعتماد على المتخصصين، وثقته الزائدة فى بعض الأوروبيين غير الأمناء.
ثانيا: رغم ذلك كانت المالية المصرية قادرة على الوفاء بالدين، لكن الدول الأوروبية كانت تتسابق لعرقلة مصر بفرض الاحتلال، كانت لدى وزير المالية إسماعيل صديق «باشا» خطة للتعامل مع تلك الديون، لكن لأسباب سياسية تمت الإطاحة به والتخلص منه، وسادت وجهة نظر أصحاب الدين؛ «الإنجليز والفرنسيين» وهى أن يضعوا أيديهم على مالية مصر بأنفسهم.
ثالثًا: الاحتلال البريطانى كان هدفًا منذ سنة 1807، ولما وقع كان بسبب الأزمات بين الخديو توفيق والعرابيين، ولم تكن الديون هى السبب المباشر فيه، وبات ذلك واضحًا بحكم الوثائق التى تتكشف فترة بعد أخرى.
كانت بريطانيا تريد تأمين طرقها إلى أكبر مستعمراتها –الهند– لذا كان لابد من أن تسيطر على قناة السويس وعلى مصر، كانت بريطانيا تتخوف من أن تسبقها فرنسا إلى مصر وتعرقل طرقها، لذا كانت متعجلة ومصرة على احتلال بلادنا، سواء كانت هناك ديون أو لم تكن.. كانت العقلية الاستعمارية هى المتحكمة والسائدة فى ذلك الزمان، ومن يراجع خرائط الاستعمار يتأكد من ذلك فى آسيا وإفريقيا، لكن فى تاريخنا تجربة أخرى للديون، لم نتوقف عندها كثيرًا، ولم يعِرها أحد اهتمامًا كبيرًا.
أقصد تجربتنا مع الاتحاد السوفييتى السابق، اقترضنا من السوفييت زمن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر لبناء السد العالى، وكذلك عدد من المشروعات الصناعية الكبرى مثل مصنع الحديد والصلب ومصنع نجع حمادى وغيرهما، وتحدثت بعض الصحف العالمية وقتها؛ الإنجليزية والأمريكية، عما أسمى وقتها مخاطر الدين المصرى لموسكو، وقيل إن السوفييت سوف يحتلون مصر فى النهاية. ومع ذلك، لم يحتل السوفييت مصر ولا تدخلوا فى شئونها. وبحلول سنة 1978، كانت مصر قد قامت بسداد معظم هذه الديون، وقبل أن يسقط الاتحاد السوفييتى، كانت قد تمت تصفية الدين تمامًا.
هذه التجربة لا أحد يذكرها كثيرًا ولا يتوقف عندها، وأتمنى لو أن هناك دراسة وافية لها، تكشف كيف أمكن لنا تجاوز تلك العقبة، كيف تعاملنا مع الديون وكيف أمكن سدادها، الأهم من ذلك أن تلك الديون للسوفييت لم تضعنا تحت ضغط سياسى منهم، ولا قاموا باحتلال مصر، كما بشرت بعض الصحف الإنجليزية والأمريكية وقتها.
والحق أنها تجربة ملهمة، فى نهاية سنة 1970 كانت الديون علينا للاتحاد السوفييتى نحو مليار دولار، وهو رقم ضخم بمقياس ذلك الزمان، لم تكن الأرقام الكبرى قد عُرفت بعد، الآن ثروة إيلون ماسك تجاوزت تريليون دولار، وقتها مَن كان يملك مائة ألف دولار، كان يُصنف فى خانة أثرى الأثرياء.
وأمكن لمصر التعامل مع المشكلة، رغم أننا كنا فى مرحلة حرب واقتصاد الحرب، قمنا بتصدير القطن والجبن والبصل والأثاث من دمياط إلى السوفييت؛ جهد سياسى واقتصادى جبار بُذل، ومن أسف يتم تجاهله والتعتيم عليه.
وإذا كانت الحكومة تجهز لمؤتمر أكتوبر القادم، فمن الأفضل وجود دراسة وافية عن هذه التجربة، بالإضافة إلى دراسة عن تجربة الديون المصرية زمن الخديو إسماعيل، فضلاً عن عديد من تجارب الدول الأخرى التى تعرضت للديون، وهى كثيرة فى أمريكا اللاتينية وحتى إفريقيا وآسيا، بل تجربة الولايات المتحدة نفسها مع الديون، الدين الداخلى فى الولايات المتحدة تخطى عتبة تريليون دولار، أى ألف مليار دولار.
لا يجب أن يفهم البعض أننا نحبذ الديون، ولا أننا نهون من عبئها علينا، فى النهاية الديون ثقيلة على النفس وعلى الضمير، هى مشكلة وأزمة، المهم أن تكون لدينا خطة واضحة للتعامل معها، وأن لا نتوسع فيها فتضغط أكثر على الاقتصاد وتعطل التنمية. فى تجربة الديون زمن الخديو إسماعيل، وقعت مآسٍ اجتماعية عديدة، تم فصل كثير من الموظفين لعدم القدرة على دفع المرتبات، ولم تكن هناك معاشات ولا تأمينات، فكانت المعاناة. أما فى تجربتنا مع الاتحاد السوفييتى فى سنوات الستينيات والسبعينيات، كان الخلاف كبيرا، حتى أن المواطن لم يشعر بالمشكلة، ظلت تدور فى المكاتب والحلقات الرسمية فقط.
الآن الأمر مختلف، هناك مَن يريدون لأسباب عديدة التشويش على الدولة وتصويرها فى موقف ضعف للحصول منها على امتيازات معينة أو على حلحلة الموقف السياسى المصرى فى قضية فلسطين، وغيرها من القضايا فى المنطقة.
وهناك مَن يفعلون ذلك لأسباب سياسية تتعلق بهم، لدينا مَن يتصور أن افتعال أزمة وتهييج الرأى العام يمكن أن يفتح باب الفوضى مجددا، فيطفو على السطح ذوو الخفة ومَن صاروا فى القاع السياسى.
طبقًا للتقارير الدولية، فإن الوضع الاقتصادى المصرى يتحسن، ومن المفترض أن روشتة صندوق النقد تنتهى هذا العام، ويبدأ من العام القادم البرنامج المصرى الخالص، لمواصلة التنمية واستكمال المشروعات التى بدأ العمل بها. هذا العام مر الصيف بكل حرارته دون تخفيف أحمال الكهرباء، وهناك توجيه رئاسى إلى الحكومة كى تعمل على تخفيف الأعباء عن المواطن فى حياته اليومية رغم كل شيء والقادم أحسن، مرت سنوات الصعاب الكبرى، تحملها المواطن بشجاعة، وآن الأوان أن تخف الأعباء وتقل الضغوط، بالسيطرة على الأسعار وضبط الأسواق، وتقديم مزيد من الخدمات للمواطنين فى مجالات الصحة والتعليم والغذاء والإسكان.