بمناسبة قرب الإعداد لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الجديدة، يناير (2027)، الذي يمثل حدثًا ثقافيًا كبيرًا، ينتظره عموم الكتاب والمثقفين المصريين والعرب، باعتباره أكبر معرض كتاب في العالم بعد معرضي فرانكفورت وبولونيا الدوليين، ولما لمعرض القاهرة من أهمية قصوي، في طرح القضايا الثقافية والفكرية ومناقشاتها، من خلال الندوات، واللقاءات الفكرية، وحفلات التوقيع، والحفلات الفنية، وغيرها من الفعاليات الثرية والمتنوعة في شتى مجالات الفكر والثقافة والفنون، علاوة على أنه أكبر سوق لبيع الكتب للكبار والأطفال.
ومع قرب انعقاد الدورة الجديدة للمعرض، لازالت إدارة المعرض تتلقي ترشيحات من الكتاب والمثقفين، ومن أعضاء اللجنة العليا، عن اسم لأحد الكتاب الكبار كي تسمى الدورة باسمه، وعلى أن يطلق اسمه على المعرض العام، أما جناح كتب الطفل، فقد حملت دورة العام الماضي اسم الفنان الكبير "محي الدين اللباد"، وأري أن هذه الدورة تكون من حق كاتب أو شاعر كبير للأطفال ممن لهم بصمة وانجاز كبير في مجاله، ومن ثم أرشح اسم الشاعر الكبير "شوقي حجاب" للدورة الجديدة، وهو يستحق عن جدارة لما قدمه للطفل المصري والعربي، من إنجاز كبير ومتنوع، وأدخل على قلوبهم الفرحة والبهجة على مدار سنوات من خلال الأغاني، والبرامج، والمسلسلات، والكتب.
رحل عن دنيانا الشاعر والمخرج الكبير شوقي حجاب صباح يوم 26 يوليو 2023، عن عمر ناهز 77 عامًا، بعد أن ملأ الدنيا غناءً وبهجة، وأدخل السعادة إلى قلوب ملايين الأطفال في العالم العربي على مدى ما يقرب من نصف قرن. كتب وأخرج عشرات الأعمال الدرامية وبرامج الأطفال، وابتكر شخصيات طفولية عاشت في وجداننا سنوات طويلة، مثل: بُقلظ وكوكي كاك. كما كتب ما يزيد على ألف أغنية للأطفال، وغنى له العديد من المطربين والمطربات، مثل: صفاء أبو السعود، ومحمد فوزي، وعفاف راضي، ومنى عبد الغني، وغيرهم.
أصدر عددًا من الدواوين الشعرية للأطفال والكبار، وكتب وأخرج عددًا من المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية، كما كتب سلسلة مغامرات دقدق التي نشرت أولًا في مجلة قطر الندى، ثم صدرت في كتب عن مكتبة الأسرة برسوم الفنان الكبير عبد الرحمن نور الدين، ونال جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 2021، ليكون ثاني كاتب أطفال يحصل عليها بعد كاتبنا الكبير يعقوب الشاروني.
المولد والنشأة
كان تأثير المكان على عقل ووجدان شوقي حجاب عميقًا؛ إذ وُلد في قرية المطرية بمحافظة الدقهلية، المطلة على بحيرة المنزلة، في موقع فريد بالركن الشمالي الشرقي من دلتا النيل، حيث يحدها من الشمال البحر الأبيض المتوسط، ومن الشرق قناة السويس، ومن الغرب نهر النيل (فرع دمياط)، ومن الجنوب سهل الحسينية.
هذه البيئة العبقرية طبعت شخصية الطفل (شوقي) وخصبت مخيلته ورؤاه للعالم. المطرية –التي كانت قرية ثم تحولت إلى مدينة– شبه جزيرة يحيط بها الماء من ثلاثة جوانب، وقد أعيد تخطيطها بعد حريق 1907 على يد مهندسين إيطاليين، فجاءت شوارعها متقاطعة على نمط مدينة كريت اليونانية، التي صُوِّر فيها فيلم زوربا اليوناني لأنتوني كوين.
أغلب سكان المطرية يعملون بالصيد أو بالمهن المرتبطة به كصناعة السفن والشباك، وتجارة الأسماك، إلى جانب المهن التقليدية الأخرى، طبيعة المهنة جعلت أهلها مؤمنين متوكلين، يرضون بما قسمه الله لهم، يخرجون للصيد كل يوم مهما كانت النتائج، غير قانطين ولا يائسين وسط هذه الأجواء، نشأ شوقي على أغاني الصيادين في كل مناسبات الحياة: الميلاد، السبوع، الأفراح، العمل، الحج، الزراعة والحصاد، وحتى الموت حيث يُتلى (العديد).
كل هذا الموروث الشعبي –من حكايات الجدات، والأمثال، والأغاني، والمواويل، والأساطير– غذّى موهبته الشعرية الخصبة، إلى جانب قراءاته في دواوين أبو بثينة، وبيرم التونسي، وفؤاد حداد، وصلاح جاهين، وتأثره المبكر بموهبة شقيقه الشاعر الكبير سيد حجاب.
ومن الشخصيات المؤثرة في تكوينه النفسي: أمه، التي كانت قارئة نهمة، تحفظ القرآن والأحاديث والأمثال الشعبية رغم أنها لم تُكمل تعليمها الابتدائي، وكذلك جدته لوالدته (مفيدة محمد) التي كانت مطربة مشهورة بجمال صوتها، وسجّلت مجموعة من الأسطوانات الناجحة.
اعتقاله بتهمة الشيوعية
أكمل شوقي التعليم الابتدائي والاعدادي بتفوق، لكنه تعثر في الثانوية حتى رسب في عامها الأخير ثلاث مرات، في تلك الفترة كان يكتب القصائد، وبرز بين أقرانه كشاعر، لكنه اعتقل ثلاثة أشهر بتهمة الشيوعية بتحريض من ابن مأمور القسم الذي نافسه على رئاسة اتحاد الطلبة.
ضاقت به الدنيا حينها، ودخل في اكتئاب شديد فكّر معه في الانتحار. لكن الصدفة جمعته بـ زكريا الحجاوي وأنور السادات –عضو مجلس قيادة الثورة وقتها– الذي استدعاه ليستمع إلى قصائده، وأعجب بها، حكى له السادات عن صعوبات حياته: طرده من الجيش، واعتقاله، وعمله في مهن بسيطة، حتى عاد للجيش ثانية. هذه المصادفة غيرت مجرى حياة شوقي، فقرر الانتقال إلى القاهرة ليلتحق بشقيقه سيد حجاب.
انتقاله إلى القاهرة
في القاهرة، سرعان ما التحق بالمشهد الثقافي، فتعرف على يحيى الطاهر عبد الله، ومحمد جاد الرب، وسيد خميس، ثم على صلاح جاهين وعبد الرحمن الأبنودي، ووقف بجانبه شقيقه سيد حجاب كثيرًا في بداياته.
ولكي لا يكون نسخة مكررة من أخيه، بحث عن طريق مختلف، فقادته المصادفة إلى التعاون مع الفنانين محيي اللباد وعدلي رزق الله، اللذين رشحاه لبرنامج الأطفال الجديد الذي ستقدمه الإعلامية سلوى حجازي وهكذا وُلد برنامج "عصافير الجنة" الذي سرعان ما أصبح من أشهر برامج التلفزيون.
كتب بعدها عدة أغنيات خالدة للأطفال، منها: طير طير يا أمير العصافير، وكل أطفال الدنيا، والساحر الصغير التي لحنها وغناها محمد فوزي، وبُكرة الدنيا هتبقى حاجة أحلى التي أدتها مجموعة من الأطفال.
مسيرته الفنية
نال شوقي الثانوية العامة فالتحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، ثم انتقل إلى معهد السينما وتخرج فيه أول دفعته (قسم إخراج – شعبة السيناريو). عمل معيدًا لفترة قصيرة ثم استقال ليتفرغ للإبداع، مدركًا أن التدريس ليس مجاله.
كتب مسلسل "البرغوت النونو" لأحمد الحداد، و"براغيتو"، وأغاني المسلسل المدبلج "فرافيرو" كما كتب أفلامًا قصيرة، منها: "فانتازيا الخيوط" الذي حصل على جائزة مهرجان قرطاج 1987، وجائزة مهرجان القاهرة للأفلام التسجيلية والروائية القصيرة 1977.
ظل عضوًا فاعلًا في لجنة ثقافة الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة، يتمتع بثقافة رفيعة وخيال خصب وروح مرحة. وبقي متربعًا على عرش الكتابة الدرامية والأغاني للأطفال أكثر من نصف قرن.
رحم الله شاعرنا وكاتبنا الكبير شوقي حجاب، صانع البهجة، وصاحب أكبر رصيد من الأغاني والدراما التي سكنت قلوب الأطفال المصريين والعرب.