وأخيرا جاء التليفزيون وعرفنا السهر فى ليالى الصيف، شاهدنا الأفلام والمسلسلات وبرامج المنوعات، قناتان فقط كانتا تلبى أذواق المشاهدين المختلفة، أحببنا المذيعات ومقدمات البرامج شياكة دون بهرجة أو إبهار، اقتربنا من القلوب، بعض المذيعات والمذيعين - للآن- حرصوا على هذه العلاقة.
هل سقطت من الذاكرة الجمعية أن من أوائل المسلسلات التى حصلت على أعلى نسبة مشاهدة، أبنائى الأعزاء شكرا، الشهير ببابا عبده، للفنان الكبير عبد المنعم مدبولى لم يكن بطلا مثل شكرى سرحان ولا أحمد مظهر، ولا صلاح ذو الفقار، صار مخرجا للمسرحيات الكوميدية، أطلق عليه الناقد الكبير الدكتور على الراعى، أنه صاحب مدرسة «المدبوليزم»، قدم فى مسرح التليفزيون العديد من المسرحيات، وقدم نجوما مثل عادل إمام وسعيد صالح، محمد رضا وسهير البارونى، كانت مدرسته الكوميديا نابعة من الموقف، بينما سلك البعض طريق الكوميديا الهزلية، بزغت نجومية فؤاد المهندس فى العديد من الأفلام، والمسرحيات، فصارت له فرقة خاصة، بينما سلك مدبولى طريق الإخراج واكتشاف النجوم، فقدر ما أضحكنا مدبولى بقدر ما فجر دموعنا، الوجع الإنسانى يمس القلوب، يجعلك تتماهى مع الشخصية، تشعر بآلامها إذا نظرت فى ملامح وجه الفنان مدبولى تجدها منحوتة من الألم.
حينما قدم «بابا عبده» صار أيقونة هذا المسلسل الذى احتشد بوجوه شابة صارت نجوما، يحيى الفخرانى، كان يطلق عليه دكتور يحيى، وفاروق الفيشاوى، وفردوس عبد الحميد، آثار الحكيم، واعتقد أن هذا العمل أول دراما تليفزيونية ترصد التحولات الحادثة فى المجتمع المصرى، إثر الهجرة إلى الخليج، وجحود الأبناء، وصراعهم، كان يلضم كل ذلك فى عقد رائع، وفيه فاجأ الفنان الكبير عبد المنعم مدبولى جمهوره بإمكانياته التراجيدية البازخة، ثم قدم لا «يا ابنتى العزيزة»، فرسخت المكانة.
فتحت السينما ذراعيها، فكان فيلم «مولد يا دنيا»، وأغنيته الشهيرة بصوته المتميز، ودوره لو كان بيدى كنت أعطيته الأوسكار، وانظر إلى ملامح وجهه فى فيلم «احنا بتوع الأتوبيس». أو حواره عن الموت والحياة، فإن تمثيله يجسد المأزق الوجودى للإنسان، يجسد سؤالا أبديا فى إحنا ركاب الأتوبيس آنذاك- كنا كلنا ركاب الأتوبيس - شاهدت مسرحيته الأخيرة «ريا وسكينة» حينما عرضت فى الإسكندرية، تحديدا فى شهر رمضان، الفنانة الكبيرة شادية تقف على خشبة المسرح مع من عبد المنعم مدبولى وسهير البابلى، وعبقرية حسين كمال فى الإخراج، كانت حالة من المرح سادت بين الجمهور، كان «حسب الله» هو عبد المنعم مدبولى زوج ريا ويتغافل عما تفعله ريا وسكينة، فيتورط فى الجرائم، وفى لحظة ينتفض متمردا فتبرز شخصيته الحقيقية، القدرة على التحول والإمساك بالشخصية يمثل امتحانا للفنان الذى يواجه الجمهور.. أعتقد أن مساندة سهير ومدبولى كان لها دور النجاح اللافت للفنانة شادية.
تمر الأيام وألتقى بالفنان عبد المنعم مدبولى جارنا فى شارع خليل بن قلاوون، كنت فى الميعاد، فتح لى، اتجهنا إلى غرفة كل ما فيها يبدو حميميا، دروع وميداليات ولوحات تشكيلية أثاث عريق «استايل» عربى، لم أشعر بالغربة، أجلس أمام أبى ملامح سمحة، واستقباله يُشعرك بأنه قريبك، فقلت له: ملامحك ملامح إنسان مصرى مطحون تتفق معى، فقال قبل الحوار تشربى إيه، فشربنا القهوة.
تذكر طفولته يتيم الأب، شهد حى باب الشعرية طفولته وصباه، كانت والدته تحرص على متابعته الدراسية، أرادت أن يكون طبيبا، وصف أمه بأنها الطيبة الخالصة تتمتع بشخصية قوية إذا قالت كلمة لا بد أن تنفذ، كان الحمل ثقيلا عليها، لكن المركب سارت.
يقول: كنت كثير الحركة، لعب الكرة، وفى المدرسة ظهر حبى للتمثيل فكنت قائد فريق المسرح المدرسى، أتذكر ما كان يقدمه الفريق، كلها عن مناسبات، وأذكر أن دخلنا مسابقة وفزنا بالمركز الأول.
فسألت: كونك كوميديانا هل أثر ذلك على حياتك؟
لا أنا أقابل الطلبة، وأتعامل معهم بكل ود، تسود روح الأبوة، وفى البيت أنا أب يحب أولاده وزوجته وهى تفانت فى تربيتهم، وهذه نعم من الله.
فقلت له: أطلق عليك صاحب «مدرسة المدبوليزم» تفسيرك؟ فكان رده: لكل فنان أسلوبه فى الحياة فى الفن، وأنا تعلمت على يد أفاضل، قرأت فى العلوم الإنسانية، الفلسفة وعلم النفس والتاريخ واطلعت على الآداب العالمية، وقرأت جل المسرحيات العالمية، كل ذلك يدعم الموهبة.
فسألته: ذائقتك الإبداعية تميل إلى منْ من فنانى الكوميديا؟
فقال: القصرى وزينات صدقي، ونجيب الريحانى، ومن الجيل الحالى، فؤاد المهندس وعادل إمام وسهير البابلى وسهير البارون وشويكار، وخيرية أحمد، وسعيد صالح صاحب موهبة مدهشة.
اختفت البرامج الكوميدية، أصبحت موسمية، مع شهر رمضان، ما يقدمه سمير غانم فطوطة، وبرنامج عمو فؤاد، مسرح التليفزيون وما أنتجه من مسرحيات استقطب كل الفنانين، ثم ظهر المسرح الخاص بإمكانياته المبهرة من ديكورات وإمكانيات مسرحية، والأجور مرتفعة، وانتشرت ظاهرة العرض المسرحى الممتد لسنوات، كل هذا كان له أثر كبير، ليس سهلا ظهور فنان كوميدى، بدون نص جيد، فالمشاهد المصرى بل المصريون عموما روحهم الفكاهية عالية وهم كما يقولون أولاد نكتة، فالضحك ليس سهلا.
فقلت له إن الارتجال على المسرح يخل ببنية المسرحية؟
فكان رده: الارتجال يحتاج أن يكون الممثل لماحا ولديه سرعة بديهة وخفة دم، وفى المقابل لابد من مراعاة منْ يقف أمامه وإلا سقطت المسرحية، الارتجال فى حدود النجاح المسرحى يأتى من بطولة جماعية.
فسألته عن نجاح المسرح الخاص أو الفرق المسرحية الخاصة؟
فقال هناك بعض الأمور يجب توافرها منها الإنفاق على المسرحية بسخاء ثم انتقاء جيد للفنانين، اختيار الموسم الصيفى، حيث يقضى الخليجيون والعاملون فى الخليج الأجازة الصيفية، يريدون الترفيه والترويح عن أنفسهم بعد عام من الغربة لن يذهب أبى لمشاهدة مسرحية هاملت أو مسرحية شعرية لصلاح عبد الصبور، أو فاروق جويدة.
وعن أمنياته قال إن يظل الفنان يعمل طالما هو قادر على العطاء، لا يحال إلى المعاش إلا فى حالة المرض..لا أريد ذكر أمثلة كم أسعدتنا لكنها ماتت محسورة من التجاهل والنسيان.