وتظهر قيمة الاختيار فى طبيعة المؤسسة نفسها. فالمطبعة الأهلية تجمع داخل تاريخها الأسرة ورأس المال والخبرة الفنية والعامل والمصحح والناشر والموزع والتاجر والقارئ. ومن خلال هذه العناصر يقترب المؤرخ من البنية التى صنعت الثقافة المقروءة، ومن الاقتصاد الذى أتاح للكتاب أن ينتقل من المخزن إلى المدرسة والمكتبة والبيت. وقد حظيت المؤسسات الرسمية الكبرى، وفى مقدمتها بولاق، بحضور واضح فى تاريخ الطباعة المصرية، ويضيف تاريخ البابى الحلبى مساحة أخرى تتصل بالقطاع الأهلى الذى شارك فى تشكيل سوق الكتاب منذ القرن التاسع عشر. ومن هنا يحسب لأشرف مؤنس أنه أعاد مؤسسة طباعية راسخة إلى دائرة البحث التاريخى وربط تاريخها بحركة التراث والتعليم والنشر والتوزيع.
وتكمن فلسفة هذا النوع من الدراسات فى التعامل مع الكتاب بوصفه موضوعًا تاريخيًا مركبًا؛ فهو نص يحمل معرفة، وشيئاً مادياً له ورق وحجم وحروف وغلاف وثمن وطبعة، كما يتحرك داخل مسار اجتماعى يبدأ بالمؤلف أو المحقق، ثم يمر بالمطبعة والناشر والمصحح والمجلد والموزع، ويصل فى النهاية إلى القارئ. وتترك كل حلقة من هذه الحلقات أثرًا يسمح بإعادة بناء جانب من تاريخ الكتاب والبيئة التى أنتجته واستقبلته. ومن هنا يلتقى تاريخ المطبعة بتاريخ الأشياء والثقافة المادية، حيث تكتسب العناصر اليومية البسيطة قيمة وثائقية فى دراسة العمل والاستهلاك والذوق وطرائق تداول المعرفة.
وتتأكد هذه القيمة فى حالة البابى الحلبى من علاقتها بالتراث العربى والإسلامي. فقد ارتبط إنتاجها بطباعة كتب الفقه والحديث والتفسير واللغة والنحو والأدب، واتصل جانب من هذا النشاط بحاجات الأزهر وطلاب العلم. وتكشف قوائم المطبوعات عن دور المؤسسة فى انتقال مصنفات قديمة من فضاء المخطوط إلى فضاء الطبعة المتداولة، وهو انتقال غيّر شروط الوصول إلى النص وزاد عدد نسخه ووسع دائرته الجغرافية. كما منحت الطبعات المتكررة بعض الكتب حضورًا ممتدًا بين العلماء والطلاب، وأصبحت صورة الطبعة نفسها جزءًا من تاريخ تلقى المصنف واستعماله.
ومن هنا يصبح تاريخ الطبعات بابًا إلى تاريخ النص. فإعادة إصدار كتاب واحد عبر عقود متعاقبة تسمح بمتابعة تغيرات الحجم والإخراج والمتن والحاشية والمصححين والمحققين، كما تتيح قياس استمرار الطلب عليه. والطبعة الثانية أو الخامسة أو العاشرة تحمل معلومة تاريخية تتصل بالسوق والجمهور. وعندما تضاف إليها الإعلانات وقوائم الأسعار وكتالوجات الدار يمكن بناء خريطة أكثر دقة لحياة الكتاب. وهذه مساحة مهمة لدراسات بينية تجمع الببليوغرافيا التاريخية وعلم المخطوطات وتاريخ التحقيق والتاريخ الاقتصادي.
ويقدم الكتاب المدرسى مثالًا واضحًا على اتصال المطبعة بتحولات المجتمع. فقد اهتمت الدراسة بمطبوعات الحلبى التعليمية وصلتها بالمقررات وتكوين النخب، وتشمل المادة كتب اللغة والتاريخ والجغرافيا والعلوم واللغات الأجنبية إلى جانب المقررات الدينية والأزهرية. ويمنح هذا الإنتاج المؤرخ وسيلة لقراءة توسع التعليم وتغير حاجات الطلاب وتطور المناهج. فالكتاب المدرسى يرتبط بعدد المتعلمين، وبقدرة المؤسسة على الطباعة المنتظمة، وبالسعر، وبشبكة التوزيع، وبقرارات المؤسسات التعليمية. ومن خلاله تلتقى السياسة التعليمية بتاريخ السوق الثقافية.
وعند هذه النقطة ينتقل السؤال من الكتاب إلى القارئ. ماذا كان المصريون يقرأون؟ ما الكتب التى استمر طلبها؟ أى الموضوعات جذبت أجيالًا متتابعة؟ وما العوامل التى دفعت عنوانًا إلى طبعات متوالية وخفضت حضور عنوان آخر؟ هذه الأسئلة تجعل الرواج نفسه واقعة تاريخية. فالطلب على كتاب فقهى أو لغوى أو مدرسى يعبر عن حاجة اجتماعية أو تعليمية أو ثقافية، وتغير خريطة الطلب عبر الزمن يمكن أن يكشف تحولات فى اهتمامات المجتمع.
ومن أهم ما يفتحه تاريخ البابى الحلبى دراسة الجغرافيا الثقافية للكتاب. فقد تناول المؤلف شبكات النشر والتوزيع ووصول المطبوعات إلى أقاليم متعددة فى العالم العربى والإسلامي. وتسمح هذه المادة بقراءة القاهرة مركزًا لإنتاج الكتاب وتصديره، ودراسة الوكلاء والمكتبات والتجار وطرق الانتقال بين المدن. وهنا يصبح الكتاب سلعة ثقافية تتحرك داخل شبكات تجارة واتصال، ويحمل انتقاله معلومات عن مراكز الطلب والبيئات العلمية التى استقبلته. كما يفتح ذلك مجالًا لدراسة علاقة الحج والرحلات والتعليم بحركة الكتب بين مصر والحجاز وبلاد الشام والمغرب وغيرها من الأقاليم.
وقد أسست الدراسات الغربية لهذا الاتجاه منذ منتصف القرن العشرين. وضع لوسيان فيفر وهنرى جان مارتان فى «ظهور الكتاب» (L’Apparition du livre) الكتاب داخل شبكة التقنية والورق والأسواق والقراءة، ثم درست إليزابيث آيزنشتاين فى «المطبعة بوصفها عاملًا للتغيير» (The Printing Press as an Agent of Change) أثر الطباعة فى تنظيم المعرفة وتداولها. واقترح روبرت دارنتون فى مقالته «ما تاريخ الكتاب؟» (What Is the History of Books?) نموذجًا لدورة الاتصال بين المؤلف والناشر والطابع والموزع وبائع الكتب والقارئ. كما وسع أدريان جونز فى «طبيعة الكتاب» (The Nature of the Book) النقاش حول الثقة فى المطبوع وصناعة المعرفة، وربط أندرو بيتيجرى فى «الكتاب فى عصر النهضة» (The Book in the Renaissance) تاريخ الكتاب بالسوق والطلب والمنافسة.
وتفيد هذه المقاربات فى قراءة تجربة البابى الحلبى من داخل خصوصيتها المصرية. فالمؤسسة العائلية التى امتد نشاطها عبر أكثر من قرن تسمح بدراسة التراكم المهني، وتطور سمعة الدار، وعلاقاتها بالعلماء والمؤلفين، وتغير سياسات الإنتاج مع تغير الجمهور. كما تسمح المقارنة بمطابع مثل بولاق والمنيرية والسعادة بفهم موقع كل مؤسسة داخل السوق، ونوعية الكتب التى تخصصت فيها، والشرائح التى خاطبتها. وتكتسب هذه المقارنة قيمة أكبر حين تعتمد على سجلات المبيعات وقوائم الأسعار والإعلانات والمراسلات التجارية متى توافرت.
ويفتح الكتاب طريقًا واضحًا لأعمال تالية. من أهمها إعداد ببليوغرافيا تاريخية كاملة لمطبوعات البابى الحلبى تسجل العنوان والمؤلف والمحقق والمصحح والسنة والمقاس وعدد الأجزاء وتوالى الطبعات وأماكن حفظ النسخ. ويمكن ربط هذه البيانات بالأختام والتملكات والحواشى الموجودة على النسخ، بما يسمح برسم مسارات انتقال الكتاب بين المؤسسات والأفراد. كما دعا المؤلف إلى الاهتمام بأرشفة مطبوعات الدار ورقمنتها وتوسيع الدراسات المقارنة حول المطابع العربية، وهى خطوة تمهد لبناء قاعدة بحثية أكثر اتساعًا لتاريخ الكتاب فى مصر.
وفى المحصلة يقدم كتاب أشرف مؤنس مدخلًا يتجاوز سيرة مؤسسة طباعية إلى فهم المجتمع من خلال الكتب التى أنتجها وطلبها وأعاد طبعها وحملها إلى المدرسة والبيت والمكتبة. وتظهر قيمة الدراسة فى نقل الاهتمام إلى الوسائط التى حملت المعرفة وإلى شبكة الفاعلين الذين صنعوا الكتاب وحركوه وقرأوه. ومن هنا يمكن أن يصبح تاريخ البابى الحلبى جزءًا من مشروع أوسع لكتابة تاريخ القراءة فى مصر: ماذا قرأ المصريون؟ ولماذا اختاروا كتبًا بعينها؟ وكيف تغيرت اهتماماتهم؟ وما الذى تكشفه اختياراتهم عن التحولات التى عاشها المجتمع؟ عند هذه الأسئلة تدخل المطبعة إلى قلب التاريخ، ويصبح الكتاب شاهدًا على الناس بقدر ما هو حامل لأفكارهم.