رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

انهيار الصهيونية (15)


5-9-2026 | 12:43

.

طباعة
بقلـم: د. محمود مالك علوان

قدم الإمام أحمد بن علوان فى اليمن منهجًا صوفيًا يرى الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله، كما أرسى ذلك المبدأ النبوى الشريف، وكان يهود اليمن تخصصوا فى صناعة وتجارة الفضة.

فى كتابه (رسائل النور) أكد سعيد النورسى أن الخلق كلهم سواسية، وأن كراهية البعض لليهود لثلاث: قتلهم الأنبياء، ونقضهم العهود، والاستكبار.

 
 

بدأنا فى الفصل العاشر من دراستنا هذه شرح وتوضيح وتأكيد موقف الإسلام والمسلمين من غير اليهود، وبدأنا بموقف الإمام على فى عهده لمالك بن الأشتر وهو متوجه لحكم مصر، وثانيا: موقف سلطان العلماء العز بن عبدالسلام، ونقف اليوم ثالثا مع الإمام صفى الدين أحمد بن علوان، الذى ترجع إليه (الطريقة العلوانية الخلوتية)، وينتسب إلى الإمام على بن أبى طالب، ثم نقف مع سعيد النورسى ومع المسلمين فى الأندلس، فإلى التفاصيل.

الرحمة الشاملة عند الإمام أحمد بن علوان، تحت هذا العنوان نقدم منهجًا قويمًا من التراث الصوفى العميق، حيث قدم أحمد بن علوان، أحد أقطاب التصوف فى اليمن رؤية تتجاوز حدود الطائفة الضيقة إلى فضاء الأخوة الإنسانية الشاملة، فقد كان ينطلق فى سلوكه ودعوته من المبدأ النبوى الشريف: (الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله)، وهذه النصيحة النبوية تشمل الخلق جميعا، وكل إنسان على وجه الأرض، بغض النظر عن دينه أو عرقه، أو لونه، ودراسة الواقع التاريخى فى اليمن فى ظل هذا التوجيه النبوى، وتحت تأثير هذه المدرسة الصوفية السمحة، تؤكد أن يهود اليمن عاشوا قرونًا طويلة فى أمان تام، يمارسون حرفهم اليدوية وتجارتهم خاصة فى صناعة الفضة، بحرية تامة، وكانت حمايتهم والدفاع عنهم جزءًا لا يتجزأ من شرف القبيلة، ودين الصالحين، فى المجتمع اليمنى، هذا الواقع التاريخى الملموس ينقض بشكل قاطع رواية الصهيونية الكاذبة التى تدعى أن العرب والمسلمين كارهون لليهود تاريخيًا بسبب دينهم أو عرقهم، إنهم يكرهون الصهيونية كمشروع استعمارى، لا اليهودية كدين.

رابعا: بديع الزمان سعيد النورسى وتفكيك العصبية العنصرية، حيث وقف فى العصر الحديث هذا الرجل سدًا منيعًا فى وجه القومية العنصرية التى أفرزت الفاشية والنازية والصهيونية، وفى كتابه المهم (رسائل النور)، قدم رؤية إسلامية عميقة تنسف أسس الكراهية العرقية والدينية، وأكد النورسى بقوة أن الإسلام يمنع بشكل قاطع (العداء للعنصر)؛ فالإنسان لا يُكره على دينه ولا يُحاسب على عرقه أو نسبه، وبيّن أن القرآن الكريم حين يذمّ صفات معينة وردت فى سياق الحديث عن بنى إسرائيل، فإنه يذمّ (السلوك والأفعال)، مثل (نقض العهود، وقتل الأنبياء، والاستكبار)، وليس العرق أو الجنس، اليهودى بحد ذاته؛ فالقرآن يثنى على المؤمنين من بنى إسرائيل، ويذم الكافرين والظالمين منهم، وهذا ينطبق على كل الأمم.

رأى النورسى أن أهل الكتاب الذين يعيشون فى بلاد المسلمين هم أمانة إلهية، فى أعناق المسلمين، والاعتداء عليهم هو اعتداء على حكم القرآن الصريح: «ولا تزر وازرة وزر أخرى»، آية: 164 من سورة الأنعام، هذا المبدأ القرآنى العظيم هو أساس العدالة الفردية التى تحاسب كل إنسان على عمله، ولا تؤاخذ الأبرياء بجرائر المجرمين.

خامسا: العصر الذهبى فى الأندلس، شهادة للتاريخ والمنصفين، بينما كانت أوروبا تغطّ فى سبات عميق، ولم ترَ بعد عصر النور والتنوير، كانت الأندلس تحت حكم العرب والمسلمين قد سجلت تقدمًا واسعًا فى كل المجالات؛ علمية، وصناعية، وتجارية، وهندسية، وعسكرية، وطبية، ووصل بهم الحال أن ملوك وأمراء أوروبا كانوا يرسلون أولادهم لتلقى العلم فى الأندلس، وكان التحدث بالعربية دليل فخر وعصرية وتقدم، وكان الفيلسوف الوليد ابن رشد فخر حضارة المسلمين فى أوروبا، فسعى أبناء الغرب لتعلم فلسفته، خاصة أنه شرح فلسفة أرسطو وأضاف إليها، وفى هذا المناخ العام، كان أهل الأندلس قد صنعوا مجارى المياه العذبة لنقلها داخل البيوت، وصنعوا ما يُعرف بالصرف الصحى اليوم، وبنوا الحدائق المعلقة، ووصلت الحضارة لأوجها فى صناعة الموسيقى والألحان، وفى صناعة مساحيق النظافة والعناية بالبشرة لدرجة أنهم عرفوا (الشامبو)، وتفننوا فى العمارة والزراعة وتشييد البساتين العامرة بكل أنواع الزهور والفواكه، وكانت حواضر مثل قرطبة مقصد علماء الأمصار من كل مكان لتلقى العلوم والفنون.

فى هذه الأجواء المتسامحة عاش اليهود جنبًا إلى جنب مع المسلمين والعرب حياة كلها رفاهية وترف، فى أمان تام، ونعم اليهود بممارسة شعائرهم الدينية فى أمان كامل، وكان من بينهم علماء بارزون خدموا فى بلاط السلاطين والأمراء، وكتبوا ونسخوا كتبهم الدينية، وترجموها، وبنوا معابدهم، وعاشوا حقيقة التسامح العربى والإسلامى الكامل، فلا عنصرية، ولا إقصاء، ولا استكبار، ولا حقد طبقى، ولا حبس لهم فى (جيتو) مغلق، بل كانوا مواطنين أحرارًا يمارسون حياتهم رأسًا برأس مع غيرهم من المسلمين، ولم تسجل عبر ثمانية قرون حادثة عنصرية واحدة ضد اليهود فى الأندلس، بل أصبحت مقصد بقية اليهود من باقى أنحاء أوروبا والعالم لينعموا بخيرات الأندلس فى أمان تام.

وحين جرى طرد العرب والمسلمين جرى طرد اليهود معهم، وحين عقدت محاكم التفتيش ضد العرب والمسلمين على مدى قرنين بعد سقوط غرناطة، جرى تعذيب اليهود واضطهادهم تحت راية أوروبا المسيحية، عكس ما نعموا به تحت راية الإسلام، ولذلك اضطر الآلاف منهم للهجرة من إسبانيا للعيش فى المغرب، وفى بلاد المشرق العربى، وللحديث بقية.

الاكثر قراءة