بدأت صداقتى بفناننا الكبير الراحل محمدالتاجى من خلال «فيس بوك»، حيث كنا نتبادل سويًا الآراء حول بعض القضايا المختلفة، سواء الاجتماعية أو الفنية، وكانت نقطة انطلاق هذا التفاعل الإيجابى بيننا عندما نشر على صفحته بـ«فيس بوك» منشورًا للتنويه عن إعادة طبع كتاب جده عن «فن الإلقاء»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، فتواصلت معه وأعربت له عن مدى إعجابى بهذا الكتاب الفخم، الذى كنت قد اشتريته قبل نشره لهذا «البوست»، فلمست أن تلقائية التاجى لا تختلف عما أراه فى أدائه من أدوار، وذلك لتمسكه بنصيحة جده العملاق عبدالوارث عسر، الذى طلب منه أن يكون أداؤه أمام الكاميرا طبيعيًا ولا يختلف عن تصرفاته الحياتية، لكى يكسب مصداقيته لدى الجمهور، فينفذ بسهام الحب والود والألفة إلى القلوب.
عاش محمدالتاجى فى منزل جده عبدالوارث عسر بميدان الإسماعيلية فى مصر الجديدة طوال حياته، إلا أنه انتقل منذ فترة قريبة إلى منزله الحالى، حيث كان لجده بالغ الأثر فى حياته، خاصة أنه كان عاشقًا للحضارة المصرية القديمة، التى أمدته بأسماء ابنتيه، حيث أطلق اسم «لوتس» على والدة محمد التاجى، والتى ترمز فى حضارتنا العريقة إلى البعث والخلود، كما سمى ابنته الأخرى بـ«هاتور»، التى ترمز إلى «حتحور»، إلهة الحب والجمال والخصوبة لدى قدمائنا المصريين.
تعلق «التاجى» بفن التشخيص، كما يحب أن يصفه، منذ أن كان طالبًا فى المرحلة الثانوية، بسبب أنه كان يحفظ جده عبدالوارث عسر أدواره ويراجعها معه، وعندما شرع فى احتراف هذا الفن، اعترض جده على دخوله مجال التمثيل؛ خوفًا من أن تواجهه بعض الصعوبات والإحباطات، وعاهده ألا يفصح لأحد داخل هذا الوسط عن صلة قرابته به، فعمل «التاجى» فى أول مسرحية له داخل مسرح الطليعة، وتقاضى خمسة وستين جنيهًا أجرًا عنها، ثم أُسند إليه دور «عصمت البلابيشي» فى مسرحيته الأشهر «المتزوجون»، فتقاضى ستة جنيهات عن كل ليلة عرض.
ظل «التاجى» يمتنع عن الإفصاح عن سر صلة قرابته بجده عبدالوارث عسر إلى أن رحل فى عام 1982، فبدأ يعلن للجميع، بعد أن أثبت نفسه فنيًا داخل الوسط الفني، أن جده هو الفنان الكبير الراحل عبدالوارث عسر، معبراً عن أنه كان يتمنى أن يقف أمامه فى عمل فنى بعد بلوغه مرحلة النضج الفنى، خاصة أنه كان مرشحًا للاشتراك فى بداية حياته للعمل مع المخرج الكبير محمد فاضل، الذى كان يعلم صلة قرابته بجده، فطلب منه أن يبلغ جده بأنه يرغب فى إسناد دور له بهذا العمل، إلا أن «التاجى» اعتذر عن هذا العمل خوفًا من وقوفه أمام جده، شيخ الممثلين، ففوجئ بأن جده قد اعتذر هو الآخر عن الاشتراك فيه، لأنه لم يحظَ الدور المعروض عليه بإعجابه.
ثم جمعه القدر مع الفنان الكبير نور الشريف فى مسلسل «أديب» للدكتور طه حسين، وسيناريو وحوار المؤلف الكبير محمد جلال عبدالقوى، حيث توطدت بينهما الصداقة، فاستعان به نور الشريف ليجسد أمامه دور «مغاورى التلبانى» فى فيلم «آخر الرجال المحترمين»، الذى يعد أول ظهور سينمائى له.
عمل «التاجى» بنصيحة جده داخل الوسط الفنى، فجعلته يتربع على عرش إعجاب المشاهدين به فى جميع أدواره، حيث تمسك «التاجى» بتلقائيته وابتعد عن تجسيد المشاهد الساخنة التى يرفض تجسيدها بشدة، لقناعته بأنه لا يجوز أن يقدم ما يخجل منه أمام أبنائه داخل أعماله الفنية، بسبب تمسكه بنزعته الدينية التى جعلته يدعم فكرة السينما النظيفة، ويؤيد موقف الفنان الشاب يوسف الشريف، الذى يرفض أى نوع من التلامس بينه وبين بطلات أعماله الفنية.
بلا شك أن «التاجى» استطاع أن يحقق المعادلة الفنية الصعبة، فرغم أن معظم أدواره كانت أدوارًا ثانوية، إلا أنها كانت تترك بصمة واضحة فى نفوس الجمهور، الذى ما زال يعلق بذاكرته إفيه «يا سعيد» لمحمد التاجى فى مسلسل «البشاير»، تأليف وحيد حامد وإخراج سمير سيف، فى النصف الثانى من حقبة الثمانينيات من القرن الماضى، لدرجة أن التاجى كان يمزح مع أصدقائه بخفة ظله المعهودة، مطالبًا بإدراج اسمه ضمن موسوعة «جينيس» للأرقام القياسية العالمية، لأن جمهوره ظل إلى الآن يردد إفيه «يا سعيد»، الذى أبدع فى تقديمه منذ قرابة أربعين عامًا.!
المضحك أن الفنان الكبير الراحل حمدى أحمد اتهم «التاجى» على صفحات الجرائد بأنه يقلده عندما ردد إفيه «يا سعيد» بلكنة مشابهة لطريقة نطق حمدى أحمد فى أعماله الفنية، خاصة التى سبق له أن استوحاها من لهجة أهالى بعض القرى فى محافظة الغربية، إلا أن «التاجى» لم يرد على هجومه؛ احترامًا منه لفارق السن بينهما، فأصبحا بعد ذلك صديقين.
فى مطلع القرن الحالى، لاحظ الجمهور اختفاء «التاجى» عن بعض الأعمال الفنية، والسبب أنه عمل «ريجيم» قاسيًا بعد مقابلة الرئيس الأسبق حسنى مبارك معه أثناء تصويره لدور ضابط إسرائيلى فى مسلسل «وادى فيران»، خلال الاحتفال بعيد الإعلاميين داخل مدينة الإنتاج الإعلامي، حيث اقترب منه مبارك وأمسك ببطنه بقوة، آلمته على سبيل المزاح، قائلًا له: «هل فيه ضابط بكل هذا الكرش؟» فرد عليه «التاجى» بأن «شارون» سمين الوزن، فضحك مبارك قائلًا له: «عندك حق».. فقرر «التاجى» بعدها أن يخفف وزنه، فشرع فى عمل ريجيم قاسٍ لمدة ثلاثة أعوام، أفقده ثمانين كيلوجرامًا من وزنه، ما أصاب العاملين معه فى الجزء الثانى من مسلسل «زيزينيا» بالدهشة لعدم تعرفهم عليه، بعد أن فقد وزنه، لدرجة أن الكاتب الكبير الراحل أسامة أنور عكاشة ثار عليه، معاتبًا إياه بعبارة: «إيه المصيبة دي.. إيه اللى أنت عملته فى نفسك ده؟» لأن ملامح شكله وتكوينه الجسمانى الضخم تغيرت عما كانت عليه فى الجزء الأول من هذا المسلسل، ما اضطر عكاشة لكتابة مشهد بهذا المسلسل لإيجاد مبرر درامى لما حدث له من فقدان وزنه، بأنه قد أصابه مرض السكر، فنتج عنه خسارته لوزنه!.
لكن من الواضح أنه فى هذه الفترة لم يخسر «التاجى» وزنه فقط، ولكنه خسر أيضًا ترشحه للأعمال الفنية بسبب فقدانه لوزنه، الذى كان يميزه عن الآخرين!.
فى إحدى المكالمات الهاتفية التى أجريت بيننا، تحدثت معه عن حبى لفيلم «الراقصة والسياسى»، المأخوذ عن قصة الكاتب الكبير الراحل إحسان عبدالقدوس، فوجدته يخبرنى بأنه تقمص فى أدائه لدور الصحفى الذى يكتب مذكرات الراقصة «سونيا سليم» شخصية الكاتب الصحفى الكبير الراحل سيد فرغلى، نائب رئيس تحرير مجلة «الكواكب» الأسبق، لتأثره بشخصيته ولأنهما كانا صديقين.
حكى لى أيضًا فناننا الكبير الراحل محمدالتاجى سبب خناقته مع المخرج الكبير الراحل يحيى العلمي، الذى أرسل إليه ظرفًا به بضع أوراق من مسلسل «لا» للكاتب الكبير مصطفى أمين، فاتصل به «التاجى» معنفًا إياه بسؤاله: «هو أنا مش لاقى أكل علشان تبعت لى حلقة فى مسلسل يا يحيى؟»، ففاجأه «العلمى» بأن حجم مشاركته بهذا المسلسل ليست حلقة كاملة، ولكنه مشهد واحد، وطلب منه قراءته، فاتصل به «التاجى» مرة أخرى، بعد أن كان رافضًا العمل بالمسلسل، لكى يسأله عن موعد تصوير هذا المشهد المؤثر جدًا لفلاح استولت الدولة فى عهد الملكية على أرضه.
وعندما ذهب للتصوير، وجد أن مدير التصوير هو العملاق وحيد فريد، الذى ينتمى لجيل جده، والذى أشاد بأدائه لهذا الدور، فأثلج صدر «التاجى» بهذه الشهادة الجلية فى حقه..!
اكتسب «التاجى» بين جمهوره لقب «الخال» بعد أدائه المؤثر لهذا الدور فى مسلسل «أريد رجلًا»، حيث اكتشف بعد مرور ثلاثين عامًا على فراق حبيبته أن السبب فى إبعادها عنه هى أخته، التى كان ينفق عليها وعلى أبنائها أمواله، فتأثر نفسيًا بهذا الدور لفترة كبيرة من حياته بسبب معايشته وتوحده مع قصة حبه المفقود!.