رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الشائعات الاقتصادية.. حين تتحول الكلمة الكاذبة إلى سلاح ضد الاقتصاد الوطنى


3-9-2026 | 13:34

.

طباعة
بقلم: د. عبد المنعم السيد

لم تكن الرسائل التى وجهها الرئيس عبدالفتاح السيسى خلال كلمته فى احتفالية ذكرى المولد النبوى الشريف مجرد حديث أخلاقى أو دينى عن خطورة الكذب ونشر الشائعات؛ وإنما حملت فى جوهرها رسالة سياسية واقتصادية بالغة الأهمية، وهى أن حماية الاقتصاد الوطنى لا تتحقق فقط بالاستثمارات والمشروعات والإصلاحات والسياسات المالية والنقدية، وإنما تحتاج أيضًا إلى حماية الوعى العام من الأكاذيب والمعلومات المضللة وحملات التشكيك المنظمة.

 

فالرئيس أكد بوضوح أن مَن يتحدث بغير صدق أو يروّج الشائعات بهدف خراب الأمة وزعزعة استقرارها سوف يتحمل مسئولية كبرى أمام الله، مشددًا على أن الدين الحقيقى لا يمكن أن يكون أداة للهدم أو الفساد أو التخريب أو القتل، وأن استغلال الدين للتحريض أو نشر الأكاذيب يمثل إساءة إلى الدين قبل أن يكون إساءة إلى الوطن، كما دعا إلى مزيد من الشفافية والمصارحة، وطلب عرضًا شاملًا لما تم إنفاقه، وما تم تنفيذه من مشروعات وإنجازات وتحديات، باعتبار أن المعلومة الصحيحة والشفافية هما خط الدفاع الأول أمام الشائعة.

والحقيقة أن الشائعة فى الاقتصاد ليست مجرد كلمة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعى، بل يمكن أن تتحول إلى أداة تدمير اقتصادى منخفضة التكلفة وعالية التأثير؛ فاقتصاد أى دولة لا يقوم فقط على الأرقام وإنما يقوم بدرجة كبيرة على الثقة والتوقعات؛ فالمستثمر عندما يضع أمواله فى دولة لا ينظر فقط إلى سعر الفائدة أو حجم السوق، وإنما ينظر إلى الاستقرار السياسى والاقتصادى وإلى مدى وضوح المعلومات وقدرة الدولة على إدارة الأزمات، والأهم الحالة النفسية العامة للمجتمع والأسواق.

وهنا تكمن خطورة الشائعات الاقتصادية لأنها تستهدف فى الأساس الثقة؛ فشائعة واحدة عن نقص الدولار أو انخفاض قيمة العملة يمكن أن تدفع المواطنين إلى شراء العملات الأجنبية والذهب بدافع الخوف، حتى لو لم تكن هناك مبررات اقتصادية حقيقية لذلك، وشائعة عن نقص سلعة غذائية قد تدفع آلاف الأسر إلى تخزينها كما حدث فى بداية أزمة كورونا فيزداد الطلب بصورة مفاجئة، ويحدث بالفعل نقص فى الأسواق ثم ترتفع الأسعار، أى أن الشائعة قد تتحول إلى نبوءة تحقق نفسها بنفسها تبدأ بمعلومة كاذبة، ثم ينتج عنها سلوك جماعى يجعل آثارها تبدو حقيقية.

وينطبق الأمر نفسه على القطاع المصرفى والأسواق المالية؛ فالشائعات حول بنك أو مؤسسة مالية قد تؤدى إلى حالة من الذعر وسحب الأموال، والشائعات حول شركة معينة قد تؤثر على قيمتها السوقية، بينما تؤدى الأخبار غير الدقيقة حول الضرائب أو سعر الصرف أو قرارات الاستثمار إلى تجميد قرارات المستثمرين، وفى الاقتصاد الحديث يمكن لمنشور واحد أو مقطع فيديو مجهول المصدر أن يصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت أطول للتحقق والشرح.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة فى دولة بحجم مصر يتجاوز عدد سكانها المائة مليون نسمة، لأن أى حالة هلع جماعى أو تغيير مفاجئ فى سلوك الاستهلاك والادخار يمكن أن يكون له أثر مباشر على التضخم والأسواق والاحتياطيات النقدية، والاقتصاد المصرى تحديدًا مر خلال السنوات الأخيرة بظروف إقليمية ودولية شديدة التعقيد من اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية إلى الحروب والتوترات الإقليمية وارتفاع أسعار الطاقة وتأثير الصراعات على حركة التجارة وقناة السويس، ومع ذلك تشير أحدث تقييمات صندوق النقد الدولى إلى استمرار تعافى النشاط الاقتصادى المصرى مع وصول النمو الحقيقى إلى 5 فى المائة فى الربع الثالث من العام المالى 2025-2026، ونحو 5.2 فى المائة خلال الأشهر التسعة الأولى، رغم استمرار حالة عدم اليقين الإقليمى وارتفاع المخاطر الخارجية، وهنا يصبح السؤال: إذا كانت الدولة تواجه بالفعل تحديات حقيقية، فلماذا نضيف إليها تحديًا مصطنعًا يتمثل فى الأكاذيب والشائعات؟

فالاقتصاد المصرى لا يحتاج إلى تجميل الواقع أو إنكار المشكلات؛ فهناك بالفعل تحديات تتعلق بالتضخم والدين وتكلفة المعيشة والطاقة والتمويل الخارجى، لكن هناك فرقًا جوهريًا بين النقد الموضوعى القائم على الأرقام والحقائق وبين الترويج المتعمد للأكاذيب بهدف نشر اليأس وفقدان الثقة.

النقد الاقتصادى الحقيقى مطلوب، بل إنه ضرورة لتصحيح السياسات وتحسين الأداء، أما الشائعة فهى لا تقدم حلاً ولا تحل مشكلة ولا تقترح بديلاً، هدفها الأساسى هو إثارة الخوف والغضب والتشكيك. ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو الخلط بين حرية الرأى وبين حرية اختلاق المعلومات، كما أن بعض ما يمكن وصفهم بـ«تجار الدين» يمثلون خطرًا مضاعفًا عندما يتم استخدام الخطاب الدينى لإضفاء قداسة على مواقف سياسية أو اقتصادية، أو عندما تتحول المشاعر الدينية إلى وسيلة للتحريض ضد الدولة ومؤسساتها؛ فالدين جاء لبناء الإنسان والمجتمع، وليس لهدم الدول أو نشر الفوضى، ولا يمكن أن يصبح الكذب عملاً صالحًا لمجرد أن صاحبه يرفع شعارات دينية.

اقتصاديًا، فإن أخطر نتائج حملات الشائعات هى رفع تكلفة المخاطر، وكلما ارتفع مستوى عدم اليقين طالب المستثمر بعائد أعلى مقابل الاستثمار، وأصبح أكثر ترددًا فى ضخّ الأموال. كما قد تتأثر تكلفة الاقتراض والتأمين والاستثمار. ولهذا، فإن الشائعة المنظمة لا تستهدف فقط المواطن البسيط، وإنما يمكن أن تؤثر بصورة غير مباشرة على فرص العمل والاستثمار والإنتاج.

وقد أثبتت التجارب الاقتصادية أن الثقة عنصر أساسى فى النمو؛ فصندوق النقد الدولى نفسه أشار فى تقييمات سابقة للاقتصاد المصرى إلى أن ضعف الثقة ونقص النقد الأجنبى أثرا على الاستثمار والنشاط الاقتصادى، كما ارتبط تحسن الأوضاع الكلية لاحقًا بتحسن ثقة المستثمرين والأسواق، ومن هنا، فإن مواجهة الشائعات يجب أن تقوم على ثلاثة محاور متوازية.

المحور الأول هو المحاسبة القانونية الرادعة، فمَن يتعمد نشر معلومات اقتصادية كاذبة بهدف الإضرار بالاقتصاد أو إثارة الذعر أو التلاعب بالأسواق يجب أن يخضع للمساءلة وفق القانون، خاصة إذا ثبت وجود قصد جنائى أو تحقيق مكاسب مالية أو تنفيذ أجندات منظمة، لكن هذه المحاسبة يجب أن تكون دقيقة قائمة على الأدلة، وأن تفرق بوضوح بين الرأى والنقد من ناحية وبين الكذب المتعمد والتحريض والتلاعب من ناحية أخرى.

أما المحور الثانى فهو الشفافية وسرعة تقديم المعلومة، وأعتقد أن هذه هى النقطة الأهم فى مواجهة الشائعات؛ فكلما تأخرت المعلومة الرسمية توسعت مساحة الشائعة، وكلما كانت البيانات الحكومية واضحة ومحدثة ومفهومة للمواطن انخفضت قدرة مروّجى الأكاذيب على التأثير. ولهذا، فإن دعوة الرئيس إلى عقد نقاش موسع وعرض ما تم تنفيذه وحجم الأموال التى أنفقتها الدولة والتحديات التى واجهتها تمثل خطوة مهمة نحو بناء علاقة قائمة على المكاشفة وحق المواطن فى المعرفة.

أما المحور الثالث فهو بناء الوعى الاقتصادى للمواطن، فلا يمكن أن تكون الدولة وحدها مسئولة عن مواجهة كل شائعة؛ يجب أن يتعلم المواطن أن يسأل عن مصدر هذه المعلومة، وهل توجد بيانات رسمية ومن المستفيد من نشرها، وهل تتوافق مع الواقع الاقتصادى، فالمواطن الواعى هو خط الدفاع الأول عن اقتصاده وبلده، وليس المطلوب منه أن يصدق كل ما تقوله الحكومة دون تفكير، بل العكس تمامًا المطلوب أن يتحقق ويقرأ ويقارن بين المصادر الرسمية ويرفض أن يكون مجرد أداة لنقل معلومة لم يتأكد منها أو من مصادر مجهولة أو مصادر معادية.

إن الاقتصاد الوطنى لا يُخرب فقط بالقنابل أو الحروب، بل يمكن أن يتعرض للخطر أيضًا عبر حرب نفسية واقتصادية تستهدف الثقة والأمل والاستقرار، وقد تكون أخطر الأسلحة فى هذه الحرب هاتفًا محمولًا ومنشورًا كاذبًا ورسالة يتم تداولها آلاف المرات.

ولهذا، فإن مواجهة الشائعات ليست مسئولية الدولة وحدها وليست مسئولية الإعلام وحده، وإنما هى مسئولية مجتمع كامل؛ حكومة تقدم المعلومات، وإعلام مهنى يشرح الحقائق، وقانون يحاسب المتعمد، ومؤسسات دينية تواجه استغلال الدين، ومواطن يمتلك الوعى الكافى لعدم تحويل نفسه إلى ناقل مجانى للأكاذيب.

ولا شك أن الاقتصاد يحتاج إلى الإصلاح لكنه يحتاج أيضًا إلى الثقة، والوعى يحتاج إلى الاستثمار لكنه يحتاج إلى الاستقرار ويحتاج إلى النقد الموضوعى، لكنه لا يمكن أن ينمو وسط سوق مفتوحة للأكاذيب والتحريض، والرسالة الأهم هى أن حماية الاقتصاد المصرى لا تعنى إنكار التحديات بل تعنى مواجهتها بالحقيقة والعمل والإنتاج لا بالشائعات واليأس. فالكلمة الصادقة قد تبنى ثقة، والثقة قد تجذب استثمارًا، والاستثمار قد يخلق فرصة عمل، أما الكلمة الكاذبة فقد تبدأ بمنشور على شاشة هاتف، لكنها فى النهاية قد تتحول إلى تكلفة يدفعها مجتمع بأكمله.

الاكثر قراءة