رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

سلامًا على من كان حيًا وميتًا نجيبًا


30-8-2026 | 23:23

.

طباعة
بقلم: أحمد سرور

في تسعينيات القرن الماضي، كانت القاهرة بالنسبة لي هي الحب والملاذ بكل أركانها ليست مجرد شوارع وميادين فحسب، بل كانت حكاية ليس لها آخر.

على مدى خمس سنوات متتالية، خلال مرحلتي الإعدادية والثانوية، كنت أتجول بـ "دراجتي" وأذهب في رحلتي الصغيرة من منقطة "فيصل" نحو كورنيش العجوزة، حيث كان هناك مطعم شهير اعتدت أن أتناول فيه إفطاري كل صباح، لم تكن المسافة هي المهمة، ولا الإفطار وحده هو ما يدفعني إلى تلك الرحلة المتكررة، فقد كان هناك شيء آخر ينتظرني في الجوار شيء يشبه لقاءً عابرًا مع التاريخ والأدب .

بجوار ذلك المطعم الشهير كان منزل الأديب الكبير نجيب محفوظ، ومن وقت إلى آخر، كنت أراه جالسًا في شرفة منزله، لم أكن أراه بوصفه رجلًا يجلس في شرفته فقط، بل كنت أرى أمامي صاحب العالم التي عِشت فيه بين صفحات الرواية العظيمة.

الرجل (محفوظ) الذي أخذني إلى أزقة القاهرة القديمة، وجعلني أعرف وجوهًا لم أرها قط، لكنها أصبحت مألوفة لي أكثر من كثيرين عرفتهم في الواقع، وفي إحدى المرات، قررت أن أتوقف أمام منزله، ورفعت يدي لأرسل إليه سلامًا من بعيد. كنت مترددًا، وربما خائفًا من ألا يلاحظني، أو ألا يرد، لكنه رآني، فرفع يده ورد السلام .

كانت لحظة بسيطة جدًا في ظاهرها: شاب صغير يقف في الشارع، وأديب كبير يجلس في شرفته، وبينهما إشارة يد، لكن بالنسبة لي، لم تكن تلك الإشارة عابرة، لقد كانت لحظة ستبقى في الذاكرة طويلًا.

وتكرر اللقاء، كلما رأيته، أرسل له السلام بيدي، فيرد عليّ بالإشارة نفسها، سلامٌ صامتًا بين قارئ شاب أو حتى طفلًا آنذاك وكاتب كبير، لا يحتاج إلى كلمات كي يحمل كل ذلك الإعجاب والاحترام .

لكن الحقيقة أنني كنت أتمنى أكثر من مجرد إشارة، كنت أتمنى أن أصعد إليه يومًا، أو أن أقف أمامه دقائق قليلة وأتحدث معه، كنت أريد أن أقول له: كم أحببت رواياتك، وكم أثرت في أعمالك، وعلى رأسها الثلاثية: بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية.

كانت هذه الرواية (ثلاث روايات في آن واحد) بالنسبة لي عالمًا كاملًا، وليست مجرد حكايات عن أسرة مصرية قديمة في ذلك الوقت، كنت أشعر أنني أعيش داخل صفحاتها، أراقب الشخصيات، وأتأمل تحولات الزمن، وأرى القاهرة القديمة بكل تفاصيلها التي كنت أتجول فيها بـ "دراجتي" .

لكن الشخصية التي كانت تستوقفني أكثر من غيرها هي شخصية السيد أحمد عبد الجواد، أو ذلك الاسم الذي ارتبط في أذهاننا جميعًا بـ "سي السيد".

لم يكن نجيب محفوظ قدّم لنا شخصية بسيطة يمكن أن نحكم عليها من زاوية واحدة، وهذا تحديدًا ما جعلني أتأثر بها وأفكر فيها كثيرًا، فقد بدا السيد أحمد عبد الجواد وكأنه شخصيتان تعيشان في جسد واحد .

في بيته، كان رجلًا صارمًا، شديد السُلطة، لا يسمح لأحد بالخروج عن القواعد التي وضعها، أبًا له هيبته، وزوجًا يفرض نظامًا صارمًا على أسرته، حتى أصبحت كلمته هي القانون داخل المنزل، لكن على النحو الآخر خارج البيت، كان إنسانًا مختلفًا تمامًا كما نعرفه ونتذكره عندما عُرض في السينما والتليفزيون، وهنا تكمن عبقرية نجيب محفوظ.

إن النجيب "نجيب محفوظ" لم يصنع لنا شخصية من لون واحد، بل صنع إنسانًا يحمل تناقضاته كاملة، رجلًا يطلب من الآخرين ما لا يلتزم به هو، ويفرض القيود في مكان، بينما يعيش حريته في مكان آخر .

ولذلك لم يكن "سي السيد" مجرد رمز للسلطة الذكورية أو الأب المُتسلط، بل كان نموذجًا إنسانيًا شديد التعقيد، يحمل بداخله تناقضات البشر جميعًا.

وربما لو أتيحت لي تلك الدقائق التي حلمت بها مع نجيب محفوظ، لكنت سألته كثيرًا عن السيد أحمد عبد الجواد. كنت سأقول له: كيف استطعت أن تجعلنا نكره بعض تصرفاته، ثم نفهمه؟! .

كيف جعلتنا نراه قاسيًا في لحظة، وإنسانًا في لحظة أخرى؟! وكيف استطعت أن تصنع شخصية تبدو، رغم مرور السنوات، حاضرة بيننا وكأنها لم تغادر الحياة؟ لكنني لم أتحدث معه. بقيت لقاءاتنا مجرد سلامًا باليد.

ومع مرور السنوات، أدركت أن بعض الأمنيات لا تتحقق، لكنها لا تختفي، تظل محفوظة في مكانٍ خاص داخل الذاكرة، تمامًا مثل تلك الرحلات الصباحية بالدراجة، وكورنيش العجوزة، ورائحة الإفطار، وشرفة المنزل المجاور للمطعم .

لقد تغيرت أشياء كثيرة منذ تسعينيات القرن الماضي. كبر ذلك الفتى الذي كان يقود دراجته، وتغيرت الشوارع، وربما تغيرت ملامح القاهرة نفسها.

لكن هناك صورة لم تتغير في ذاكرتي: فتى يقف في الشارع، يرفع يده بالسلام، وفي الشرفة، أديبٌ كبير يرفع يده ويرد السلام، ربما لم نتبادل الكلمات، لكن بالنسبة لي، كان ذلك السلام حوارًا من نوع آخر. حوارًا قصيرًا بين قارئ شاب، وكاتبًا علم أن البشر ليسوا شخصيات بسيطة، وأن الإنسان قد يكون أكثر من شخص في الوقت نفسه، وأن الرواية العظيمة لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة .

أما أنا، فكلما ترددت على هذا المكان ومازلت أفطر فيه من وقت لآخر، تذكرت تلك الأيام، أتذكر نجيب محفوظ في شرفته، و لازلت أرفع يدي، منتظرًا أن يرد السلام.

الاكثر قراءة