على الرغم من أن كلا من الولايات المتحدة وإيران تعتقد أنها حققت النصر في المعركة المحتدمة بينهما إلا أن الحقيقة تكاد تجزم بأن كلا منهما لم تحقق أى نصر بل على العكس منيا بالهزيمة. ويكفى أن الطرفين ليسا قريبين من تحقيق السلام. ومن أجل إجلاء الصورة وتوضيح ما يجرى من تطورات على الساحة فإن هناك أربع عوائق كبرى تعترض سبيل إحراز تقدم. أول هذه العوائق أزمة الثقة، فإيران لا تؤمن بأن " دونالد ترامب" قادر على إبرام اتفاق والمحافظة عليه. ولا ينبع القلق الإيراني من احتمال تراجع واشنطن عن التزاماتها فحسب، بل من خشيتها من استمرار التوسع في المطالب مثل فرض قيود على البرنامج النووى، وامتداده ليشمل ملف الصواريخ، والسياسات الإقليمية، بالإضافة إلى المطالبة بمزيد من التنازلات السياسية التى يتم تغليفها بعبارات الضمانات الأمنية.
يتمثل العائق الثاني في غياب قنوات اتصال مؤثرة، وتحرك المفاوضات عبر وسطاء إقليميين، ومن خلال تبادل متتابع للمقترحات. أما العائق الثالث فيكمن في تفاوت احتياج الطرفين،فنجد أن إيران تسعى إلى الحصول على تفاصيل دقيقة والتزامات واضحة وآليات التنفيذ والضمانات التى تحول دون تكرار أى تراجع أمريكى مستقبلا، في المقابل يسعى الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" إلى الحصول على مذكرة تفاهم سريعة ومرنة يمكن الإعلان عنها وتقديمها بوصفها إنجازا سياسيا. وبذلك هناك طرف يبحث عن ضمانات بينما يبحث الآخر عن مكسب سياسى وإعلامى سريع.
أما العائق الثالث فيتمثل في الاعتبارات السياسية الداخلية، فأي اتفاق بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية يواجه حساسيات كبيرة داخليا. ففي واشنطن سيتعرض لانتقادات باعتباره نوعا من الاسترضاء من قبل الجمهوريين المتشددين ومعارضى الحزب الديمقراطي على حد سواء. وفى طهران قد ينظر إلى أى تسوية لا تتضمن ضمانات قوية ورفعا ملموسا للعقوبات على أنها استسلام من وجهة نظر الجيل الجديد من القيادات الصاعدة.
أما المشكلة الأكثر تعقيدا فإنها تتمثل في اعتقاد الطرفين أنهما في موقع المنتصر، وأن عامل الأمن يعمل لمصلحة كل منهما. إيران ترى أنها نجحت في الصمود أمام الضغوط المشتركة التي مارستها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، كما تشعر بثقة متزايدة نتيجة عدم انهيار مؤسسات الدولة وتعاظم أوراق الضغط لديها من خلال اغلاق مضيق هرمز. أما الولايات المتحدة فتعتقد أنها اثبتت تفوقا عسكريا كاسحا، وأن قدرة الردع الايرانية أصابها الضعف، وأن الاقتصاد الايرانى يواجه ضغوطا حادة. لذا تفترض واشنطن بأن إيران ستقبل في نهاية المطاف باتفاق محدود لأن البديل يتمثل في مزيد من العزلة والعقوبات والانهيار الاقتصادى والهشاشة العسكرية.
ولا شك أن كلا من الطرفين يتكبد خسائر، الولايات المتحدة تتكبد خسائر سياسية واقتصادية واستراتيجية. إذ أن وقف إطلاق النار سيبقى أسواق الطاقة في حالة توتر، ويجعل شركاء الخليج عرضة للردود الانتقامية، ويضعف بصورة أكبر قدرة واشنطن على الادعاء بأنها قادرة على فرض الاستقرار الإقليمي. وبالنسبة لإيران فإن مجرد البقاء لا يرقى إلى مستوى النصر، وقد بلغ معدل التضخم 77% في شهر مايو الماضى. كما أن ذاكرة احتجاجات يناير، والحملة الأمنية العنيفة التي يقال إنها أسفرت عن مقتل نحو سبعة آلاف شخص لا تزال حاضرة بقوة في المشهد السياسي.
ولا شك أن وقف إطلاق النار قد صمد بالقدر الذى حال دون العودة الكاملة إلى حرب شاملة، ومن ثم أتاح للطرفين الإيحاء بأن المفاوضات المطولة وتأجيل الحسم قد يؤدي إلى نتائج إيجابية. إلا أن حالات الجمود في الشرق الأوسط نادرا ما تبقى مستقرة، بل تميل إلى التحول من موجات تصعيد متقطعة ، وهو ما يشكل جزءا من طبيعة هذا الوضع القائم.