هنا فى مصر، حيث تعانقت عمارة المساجد مع أصوات القرآن الكريم، وحيث ارتبطت حياة الناس بسير الصالحين وآل البيت، ظل اسم النبى (صلى الله عليه وسلم) حاضرًا فى البيوت والمساجد والمناسبات والصلوات، حتى نشأ المصرى على أن حب النبى (صلى الله عليه وسلم) ليس ترفًا عاطفيًا، وإنما معنى أصيل من معانى الإيمان، وأدب من آداب العبودية لله سبحانه وتعالى.
المحبة النبوية... من القلب إلى الاتباع
إن محبة النبى (صلى الله عليه وسلم) ليست عاطفة عابرة، وإنما هى من صميم الإيمان. يقول الله تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
فقد جعل القرآن الكريم اتباع النبى (صلى الله عليه وسلم) طريقًا إلى محبة الله ومغفرته، وقال (صلى الله عليه وسلم): «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين».
ومن هنا فالمحبة النبوية الصادقة ليست كلمات تُقال، وإنما اتباع واقتداء، وأن نرى فى النبى صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة، وأن يظهر أثر محبته فى أخلاقنا ومعاملاتنا: رحمةً، وصدقًا، وحلمًا، وتواضعًا، وإحسانًا إلى الناس.
فالمحبة الحقيقية لا تكتفى بأن تملأ القلب، وإنما تنتقل من القلب إلى السلوك.
مصر... حين تتحول المحبة إلى وجدان
وللمصريين خصوصية ظاهرة فى التعبير عن هذه المحبة، فقد تحولت عبر الزمن إلى ثقافة دينية ووجدانية راسخة، ظهرت فى كثرة الصلاة والسلام على النبي، والاحتفاء بمولده، وقراءة سيرته، ومجالس الذكر والمدائح، والتعلق بالمساجد، وتوقير آل بيته.
والمصرى حين يحب، يحب بكليته، ولذلك ظل اسم النبى (صلى الله عليه وسلم) حاضرًا فى تفاصيل الحياة اليومية، حتى فى العبارة البسيطة التى تتردد على الألسنة: (صلِّ على النبى).
وفى البيوت المصرية القديمة، لم تكن السيرة النبوية كتابًا يُقرأ فحسب، بل كانت منهجًا فى التربية، يتعلم الأبناء أن الصدق من أخلاق النبى، وأن الرحمة من هديه، وأن بر الوالدين وحسن الجوار وإكرام الضيف والإحسان إلى الناس من سنته صلى الله عليه وسلم.
وهكذا تحولت السيرة من تاريخ يُروى إلى أخلاق تُعاش.
ومن محبة النبى... محبة آل البيت
ومن أصدق صور المحبة النبوية محبة آل بيت النبى (صلى الله عليه وسلم)، باعتبارها امتدادًا طبيعيًا للوفاء بالحبيب المصطفى.
قال الله تعالى:﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى﴾.
وقال النبى (صلى الله عليه وسلم): «أذكركم الله فى أهل بيتي، أذكركم الله فى أهل بيتي».
وقد كان لمحبة آل البيت حضور خاص فى الوجدان المصرى، فأسماء الإمام الحسين، والسيدة زينب، والسيدة نفيسة، والسيدة سكينة، وغيرها من أعلام آل البيت، ارتبطت بذاكرة المصريين الدينية والروحية، وصارت مساجدهم ومشاهدهم محطات للحب والذكر والدعاء وقراءة السيرة.
فالنبى (صلى الله عليه وسلم) هو الحبيب، وآل بيته أحبّة الحبيب، ومحبتهم وفاء له، غير أن الوفاء الحقيقى لا يقف عند المشاعر، وإنما يتحول إلى اقتداء بأخلاق بيت النبوة وقِيَمه فى الصبر والكرامة والعلم والعبادة والرحمة.
الأزهر... حين يلتقى الحب بالعلم
وهنا تظهر خصوصية المنهج الأزهرى الذى أسهم فى تشكيل التدين المصرى، فالأزهر لا يعلم الناس أن يحبوا النبى (صلى الله عليه وسلم) فحسب، بل يعلمهم كيف يحبونه.
يعلمهم أن المحبة لا تعنى الغلو، وأن تعظيم آل البيت لا يعنى الانتقاص من الصحابة، وأن محبة الصحابة لا تعنى الانتقاص من آل البيت، وأن توقير الصالحين لا يعنى تجاوز حدود التوحيد.
ففى القلب المصرى الأزهرى تجتمع محبة سيدنا أبى بكر وعمر وعثمان وعلى (رضى الله عنهم)، ومحبة آل بيت النبى، وأمهات المؤمنين، وسائر الصحابة؛ لأنها محبة لا تقوم على الخصومة بين أهل الفضل، وإنما على الوفاء والإنصاف.
وهذه هى قيمة التدين المصرى فى صورته الرصينة: محبة بلا غلو، وتعظيم بلا تجاوز، ووفاء بلا تعصب، وتراث بلا جمود، وعقيدة تجمع ولا تفرق.
المحبة التى تجمع ولا تفرق
إن أجمل ما فى محبة النبى (صلى الله عليه وسلم) وآل بيته (رضى الله عنهم) أنها تستطيع أن تكون قوة لبناء الإنسان والمجتمع.
نحب النبى فنكون أرحم؛ لأننا نحب رسول الرحمة.
ونحبه فنكون أصدق؛ لأننا نتبع الصادق الأمين.
ونحب آل بيته فنتعلم الوفاء والصبر والكرامة.
ونوقر أصحابه فنحفظ لهم فضل الصحبة والسبق والنصرة.
ثم نجعل كل ذلك طريقًا إلى الله تعالى.
ولهذا فإن أعظم ما نحتاج إلى أن نغرسه فى أبنائنا ليس مجرد الكلمات والمظاهر، وإنما المعنى العميق للمحبة: أن نصل بين الصلاة على النبى والاقتداء به، وبين محبة آل البيت والتخلق بقِيَمهم، وبين محبة الصالحين والعمل الذى يرضى الله (جل جلاله).
حين تصبح المحبة منهج حياة لدى المصريين
إن أجمل ما يمكن أن يقال عن محبة المصريين للنبى (صلى الله عليه وسلم) وآل بيته إنها محبة سكنت القلب، ثم تحولت إلى وجدان، ثم وجدت طريقها إلى السلوك.
فالنبى (صلى الله عليه وسلم) ليس فقط من نحبه؛ بل هو من نتعلم كيف نحب به.
نحب النبي، فنقتدى به.
ونقتدى به، فتتهذب أخلاقنا.
ونحب آل بيته، فنحفظ مقامهم ونتعلم من سيرتهم.
ونوقر أصحابه، فنكون أوفياء لصحبته.
ثم نجعل هذا كله طريقًا إلى الله.
وهكذا تبقى المحبة النبوية فى الوجدان المصرى الأزهرى ليست مجرد ذكرى عابرة، ولا شعورًا مؤقتًا، وإنما منهج حياة، وطريقًا إلى الله، وجسرًا يصل القلب بالإيمان، والإيمان بالأخلاق، والأخلاق بالرحمة.
فيا رسول الله، أحبك المصريون حبًا ورثوه فى القلوب، وتناقلته الأجيال، واحتضنته المساجد والبيوت والمآذن، وأعظم وفاء لهذا الحب أن نجعل من محبتك اتباعًا، ومن اتباعك أخلاقًا، ومن أخلاقك رحمةً نهديها إلى الناس.
فإذا أردنا أن نختصر قصة المحبة المصرية للنبى (صلى الله عليه وسلم) وآل بيته فى كلمات قليلة، قلنا:
النبى حبيبنا، وآل بيته أهل محبتنا، وأصحابه أهل توقيرنا، والأزهر مدرسة اعتدالنا، والقرآن والسنة طريقنا إلى الله.
تلك هى المحبة التى نريد أن نورثها لأبنائنا: محبة لا تصنع خصومة، ولا تستدعى غلوًا، ولا تنفصل عن التوحيد؛ وإنما تصنع إنسانًا أكثر رحمة، وأصدق خلقًا، وأوسع قلبًا، وأقرب إلى الله.