وساعد على ذلك أن الجماعة، بعد الإطاحة بمرسى، اختارت نهج العنف وطريقه، ومارسته بشكل صارخ وفج وعلى نطاق واسع. فهى لم تكتفِ فقط بممارسة العنف ضد قوات الشرطة ورجال الأمن، وإنما اعتبرت المواطنين العاديين هدفًا لها. فقد قام الإخوان بالعديد من التفجيرات فى الشوارع والميادين، ونظموا عمليات اغتيال كان أبرزها اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات، واعتدوا على الأقباط، وسلبوا أعدادًا منهم ممتلكاتهم وأموالهم، وفجروا عددًا من كنائسهم، وسكبوا الزيت على مداخل ومنازل الكبارى؛ لتتصادم سيارات المواطنين ويسقط الضحايا.
وكان عنوان هذا العنف الإخوانى وقتها هو معاقبة عموم المصريين الذين نزلوا فى الثلاثين من يونيو يطالبون بالتخلص من حكم المرشد والانتقام منهم وذويهم. وكان طبيعيًا أن يفقد إعلام الإخوان خارج مصر تأثيره فى الرأى العام المصرى، رغم ما كان فى حوزته من إمكانيات وأموال ودعم لوجستى فى بعض بلاد الإقليم والعالم، التى انخرطت فى عداء مع الدولة المصرية التى كان يقودها المستشار عدلى منصور خلال مرحلة انتقالية امتدت لأقل من عام، لأن الرئيس المؤقت اختار التعجيل بانتخابات الرئاسة.
وظل هذا هو حال إعلام الإخوان معنا فى مصر لسنوات، لا يجد فى هذا الإعلام من يسمعه ويشاهده وينصت إليه، وفقد بذلك إعلام الإخوان القدرة على التأثير فى عموم المصريين والنفاذ إلى الرأى العام المصرى. وكان التهكم على إعلاميى الإخوان ومَن يستعين بهم من شخصيات، وبدأ ذلك واضحًا فى عدم وجود أى استجابة، أو قدر ضئيل منها، لدعوات تلك الشخصيات للنزول إلى الشوارع والميادين لاستكمال ثورة يناير، كما كانت تقول تلك الشخصيات.
لكن بمرور الوقت، نلاحظ، للأسف الشديد، أن إعلام الإخوان استرد بعض أنفاسه، وأحدث ثقوبًا نفذ منها إلى الرأى العام المصرى. لقد استرد هذا الإعلام بعض متابعيه السابقين، وصار له مَن يستمع إليه ويشاهده ويقتنع بما يتحدث عنه ويردد كلامه وحكايته! وهذا أمر يستحق التوقف أمامه، لأنه يعنى، إذا استمر وتوسع أكثر، أنه سوف يصير له تأثير فى الرأى العام، للأسف الشديد، أى سيمنحه فرصة مجددًا لتضليل قطاع من الرأى العام المصرى.
والإخوان بضاعتهم، منذ اليوم الأول لتأسيس جماعتهم على يد البنّا، هى تضليل الناس بالأكاذيب والمعلومات الزائفة والشائعات والأخبار المغلوطة وخداعهم!.
والمقلق أن ذلك، أى استعادة إعلام الإخوان بعض التأثير الذى فقده قبل ثلاثة عشر عامًا مضت، يأتى فى وقت نشكو فيه من ضعف تأثير إعلامنا فى الرأى العام، ولذلك دعا الرئيس السيسى إلى عقد مؤتمر قبل نهاية العام للنهوض بإعلامنا وتقويته ليكون قويًا مؤثرًا.
والمقلق أيضًا أن استعادة إعلام الإخوان بعض التأثير فى الرأى العام المصرى حدثت فى وقت متزامن مع نشاط أكبر للتنظيم الدولى من أجل إحداث تغيير سياسى فى عدد من دول المنطقة، أى أن الإخوان الذين اختلفوا وتنازعوا من قبل حول إجراء مصالحة سياسية تسمح لهم بعودة نشاط الجماعة الدعوى فقط، باتوا يهتمون أكثر الآن بالسعى للعودة للمشهد السياسى؛ لكى ينتقموا ممن طردوهم من الحكم عام 2013، وهم، من وجهة نظرهم، ليسوا فقط كل أبناء القوات المسلحة والشرطة، وإنما كل المصريين الذين نزلوا إلى الشوارع والميادين لإسقاط حكم المرشد، والذين لم ينزلوا ورحبوا بذلك!.
وما حدث لإعلام الإخوان يجعلنا نهتم أولًا بإعادة التأثير لإعلامنا، وهذا يتم بمزيد من المهنية والحرية له، وثانيًا إزالة كل ما يزعج الرأى العام، والذى يأتى فى مقدمته التضخم والغلاء الذى يعانى منه عموم الناس، وثالثًا الإسراع فى عملية الإصلاح السياسى، التى تقتضى تقوية القوى المدنية ومقاومة التطرّف الدينى بحزم وصرامة.