في لحظة تجاوزت حدود المستطيل الأخضر، تحول رفع علم فلسطين في مباراة مصر والأرجنتين بكأس العالم الأخيرة، من لفتة إنسانية إلى «مخالفة» قد تكلف الكرة المصرية غاليًا، بدأت لجنة الانضباط بالاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» بإيقاع أولى العقوبات على مدرب حراس المنتخب سعفان الصغير، وفتحت الباب أمام سيناريوهات أوسع قد تطال الاتحاد المصري لكرة القدم، والجهاز الفني بالكامل، المفارقة أن هذا يحدث في الوقت الذي أعلن فيه الاتحاد المصري مساندته الرسمية لجياني إنفانتينو، في خوض الانتخابات القادمة، فهل تتحول كرة القدم إلى ساحة لتجريم التضامن؟ وهل تكرر فيفا سيناريو العقوبات الدولية مع مصر؟
ما حدث في مباراة مصر والأرجنتين لم يكن انفعالًا فرديًا، بل جاء في سياق تضامن عالمي واسع مع القضية الفلسطينية، والمفارقة أن هذا التحرك حدث بالتزامن مع إعلان الاتحاد المصري لكرة القدم عن مساندته الرسمية للسويسري جياني إنفانتينو، في الانتخابات القادمة، وهنا يبرز التناقض، كيف يُعلن اتحاد مساندته لرئيس الفيفا، ثم يجد نفسه في مواجهة لجنة الانضباط التابعة لنفس المؤسسة؟
تستند لجنة الانضباط في الفيفا إلى المادة الرابعة من قانون الانضباط، والتي تحظر «الاستخدام لأغراض سياسية أو دينية أو عرقية» لرموز وشعارات داخل ملاعب كرة القدم. كما تشير المادة 14 إلى مسؤولية الاتحادات عن سلوك لاعبيها ومسؤوليها وجماهيرها، لكن الإشكالية تكمن في التطبيق الانتقائي، فالنص موجود، ولكن تطبيقه يختلف من حالة لأخرى، ومن قارة لأخرى، وهو ما يفتح باب الاتهام بالكيل بمكيالين، ولا يمكن الحديث عن عقوبات فيفا دون الرجوع إلى ما حدث مع الاتحاد الكويتي لكرة القدم في عام 2015.
وفي ضوء السوابق، فإن سيناريوهات العقوبات أمام لجنة الانضباط بالفيفا تتراوح بين الغرامة المالية، وهي الأقل حدة، وتتراوح عادة بين 20 ألفًا إلى 100 ألف فرنك سويسري، وتوجيه تحذير للاتحاد المصري بضرورة منع تكرار الواقعة، وخصم نقاط أو اللعب بدون جمهور، وهو احتمال مستبعد نسبيًا في المباريات الودية أو الرسمية خارج البطولات القارية، لكنه وارد نظريًا، والمشكلة ليست في القانون، ولكن المشكلة في من يطبق القانون، الفيفا الذي يعاقب لاعبًا أو مدربًا لأنه رفع علم فلسطين، هو نفسه الاتحاد الذي يسمح برعاية شركات كبرى متورطة في قضايا سياسية، ويمنح حق استضافة بطولات لدول لديها ملفات حقوقية مثيرة للجدل.
أين كان الفيفا عندما رُفعت أعلام وشعارات سياسية في بطولات أوروبية ولم تُحرك لجنة الانضباط ساكنًا؟ أين مبدأ «كرة القدم للجميع» الذي يرفعه إنفانتينو في كل مناسبة، إذا كان التضامن مع شعب تحت الاحتلال يعتبر جريمة تستوجب العقاب؟
إن معاقبة الاتحاد المصري لكرة القدم لا تمثل فقط عقابًا لاتحاد كرة، بل هي رسالة سلبية مفادها أن الرياضة يجب أن تكون صماء وبكماء أمام قضايا الإنسان.
المطلوب الآن من الاتحاد المصري التحرك على مستويين، الأول قانوني بتقديم مذكرة دفاع قوية تؤكد أن ما حدث لا يمثل تحريضًا ولا عنفًا، بل تعبيرًا سلميًا، والثاني دبلوماسيًا، بالتنسيق مع الاتحادات العربية والإفريقية لتشكيل جبهة موحدة ضد أي عقوبات تعسفية.