لعل السؤال الاستنكارى الأول فى كل أحوال أمريكا، كقوة اقتصادية مهيمنة وكبرى، هو: مَن يدفع ثمن سياسات ترامب؟
لقد جرت هذه السياسات فى حرب تم اختيارها من قبل أمريكا بمحض إرادتها، والتى كلفتها فاتورة عسكرية مباشرة وغير مباشرة، تشكلت بضخامتها، بل دفعت إلى بقاء التضخم فى الأسواق الأمريكية، وأثرت على كل الملفات الاقتصادية، وقلبت حال أسواق المال والدين الأمريكى.
أثرت عمليات التصعيد الأمريكى فى ارتفاع الديون الأمريكية إلى أكثر من 40 تريليون دولار، وهذا الرقم يمثل 123فى المائة من الناتج المحلى الإجمالى. وهذا يعنى أن أكبر دولة اقتصادية فى العالم تحمل فوق كتفيها ديونًا تفوق حجم الناتج المحلى لأكبر اقتصاد فى العالم.
والحقيقة الدامغة أننا أمام مجموعة من الحقائق أو المعطيات تتركز وترتبط بأن هناك مصادر للإيرادات تقل عن النفقات التى تنفقها الحكومة الأمريكية، وربما أوقع ترامب أمريكا فى ملفات خارجية لربما كانت فى غنى عنها بالأصل.
وفى ظل كل هذه التحديات المالية وعجز الميزان التجاري، صارت عملية المديونية صعبة، خصوصًا عندما تم توسيع ميزانية البنتاجون نتيجة الحرب التى تكلفت تكاليف مباشرة، طبقًا لتقرير صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، بلغت 37 مليار دولار.
زاد الدين الأمريكى منذ 28 فبراير، وبداية الحرب حتى الآن، بمقدار 2.21 تريليون دولار، وهذا الرقم ضخم جدًا، وهو يوازى الناتج المحلى لإحدى الدول متوسطة الحجم، بالإضافة إلى الأسباب التراكمية التى أدت إلى زيادة هذه المديونية.
ويظل السؤال العالق دومًا: هل يملك ترامب تعديل هذه المديونية أو خفض الكلفة الاقتصادية؟
الإجابة القطعية: لا. لم يفلح ترامب فى تعديل هذه الطفرة، وكل ما يملكه هو إصراره على خفض سعر الفائدة، لكن هناك سؤال ملح: هل هذه الخطوة فى الاتجاه الصحيح؟
لقد أصبحت مصداقية السندات الأمريكية فى خطر، لذلك يتعشم ترامب فى خفض أسعار الفائدة، فكل 25 فى المائة، أو ربع نقطة أساس، توفر على الدين الأمريكى سنويًا حوالى 80 مليار دولار، ونصف نقطة أساس تعنى 160 مليار دولار.
وبالتالي، ساهم الرئيس الأمريكى بشكل مباشر فى وصول الدين الأمريكى إلى هذا المستوى، لقد ألغى ترامب آلاف الوظائف من الوكالات الفيدرالية، ووجد أصحابها أنفسهم على قارعة الطريق.
لم يستطع ترامب، أو لم يفلح، فى لى ذراع الصين أو تقليل العجز التجارى معها.
فتح ترامب جبهات صدام مع الجميع، وأولهم الحلفاء الغربيون، مما جعل الدين المحلى يزيد.
وزيادة الضغوط بزيادة الإنفاق العسكرى لحلف الناتو جعلت الحلفاء الغربيين لا يقدمون النجدة لترامب.
وكما يقول وزير الحرب الأمريكي، فإن الإدارة الأمريكية أنفقت 37 مليار دولار نتيجة تحريك الأساطيل والأجور الإضافية للطواقم الرابطة فى منطقة الخليج العربي، لكن الخسائر غير المباشرة...
هذا بالإضافة إلى خسائر كبيرة بقطاع الطيران، وارتفاع أسعار الوقود والديزل، والتضخم الذى تشبث بمفاصل الاقتصاد الأمريكي.
هذا بالإضافة إلى الطامة الكبرى: تراجع تنافسية المنتج الأمريكى فى الأسواق العالمية نتيجة ارتفاع مدخلات الإنتاج الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة.
كما أن تعثر الشركات الأمريكية نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل غير المباشرة يمثل تحديًا إضافيًا.
قال جورج بوش إن حرب العراق كبدت أمريكا خسائر مباشرة تقدر بنحو 50 مليار دولار، بينما تجاوزت الخسائر غير المباشرة تريليونى دولار بحسابات الأمس.
زادت شكوك المستثمرين وهم يرون الذهب يتفوق على الدولار، وأيضًا وهم يرون أن أمريكا تحمل ديونًا تمثل 40 تريليون دولار، وربما مع نهاية ولاية ترامب تصبح 44 تريليون دولار.
وزاد لجوء البنوك المركزية فى عهد ترامب حول العالم إلى شراء الذهب، خصوصًا البنك الشعبى الصيني.
بدأت الدول تفقد الثقة فى السيطرة الأمريكية وعملتها الدولارية، ويرى العالم التضخم الأمريكى وزيادة المديونية، ويرى المستثمرون كيف تحاول الإدارة الأمريكية التدخل فى سياسات البنك الفيدرالى الأمريكي، وتهميش فكرة استقلالية البنك المركزى الأمريكي، التى لا يُسمح بالتدخل فيها حتى فى دول العالم الثالث.
وأصبحت السندات الأمريكية لها قصة، بل إن الحكومة الأمريكية أصبحت تحت رحمة عوائد السندات، ومَن يدفع فاتورة الديون والرافعة المالية، وأصبحت أسواق السندات تتمرد على الحكومة الأمريكية.
لا شك أن هناك سيناريو معقدًا تواجهه الحكومة الأمريكية، وتدفع ثمن مَن يديرها. فهل هناك مخرج لهذه الإدارة الرهينة لأفكارها؟
وإلى حديث آخر.