رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

«البردة».. مديح نبوى عابر للأجيال


28-8-2026 | 12:02

.

طباعة
بقلـم: صلاح البيلى

حازت «بردة البوصيري» فى مدح خير البرية مكانة عالية على مدى سبعة قرون، وتظل حتى يومنا هذا ملهمة لكل شاعر أراد أن يمدح الرسول، وفى العصر الحديث قلدها البارودى وشوقى وغيرهما. وكما كانت البردة سببًا فى شفاء البوصيرى من مرض الشلل، كانت مدائح الشعراء المعاصرين سببًا فى تفريج كروبهم، وأن تغشاهم الرحمة قبل وفاتهم، فمن مدح الكريم لا يُضام، فما بالنا بمن يمدح سيد البشر صلى الله عليه وسلم؟ وفى السطور التالية وقفات سريعة مع مدائحه، من كعب بن زهير إلى البوصيرى وشوقي.

 

تقول الأخبار الموثقة إنه حين مرض أحمد شوقى فى أيامه الأخيرة، فوجئ ذات يوم بخادمه يخبره بأن الشيخ محمد الأحمدى الظواهري، شيخ الأزهر، يريد أن يلقاه، فهب شوقى من فراشه والتقى الإمام بحفاوة كبيرة، وسأله عن سبب تشريفه له بالزيارة، فكان جواب الشيخ:

«جئت مأمورًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد زارنى النبى الليلة الماضية، وأمرنى أن آتى إليك وأخبرك بأنه فى انتظارك».

وبالفعل، بعدها بأيام قليلة رحل شوقي.

ومنذ أن علم الشعراوى بالواقعة وصدقها، كان إذا ذكر شوقى قال: «رضى الله عنه وأرضاه»، فلم يمدح النبى بشعر كما مدحه شوقى فى العصر الحديث، فهو الذى مدح النبى بقصائد فريدة، أشهرها «نهج البردة»، والتى أبدعت أم كلثوم فى غنائها، وفيها يقول معبرًا عن تقصيره:

أبا الزهراء قد جاوزت قدرى * بمدحك، بيد أن لى انتسابا

مدحت المالكين فزدت قدرًا * وحين مدحتك اجتزت السحابا

ويضيف الشيخ الشعراوى فى معرض حديثه عن شوقي: لم يشرح الإسلام ويدافع عنه ويوضح حقائقه مثلما فعل شوقي، فهو الذى جمع مبادئ الإسلام فى بيت واحد فقال: «الدين يسر، والخلافة بيعة * والأمر شورى، والحقوق قضاء»

ومن بليغ مدحه قوله:

يارب صل وسلم ما أردت على * نزيل عرشك خير الرسل كلهم

يارب هبت شعوب من منيتها * واستيقظت أمم من رقدة العدم

فالطف لأجل رسول العالمين بنا * ولا تزد قومه خسفًا ولا تسم

يا رب أحسنت بدء المسلمين به * فتمم الفضل وامنح حسن مختتم

صدى البردة

على منوال شوقى كتب الشاعر المعاصر أحمد غراب قصيدته «صدى البردة»، ويقول فيها:

أين الضحى من قلبك النورانى * يا نهر ياقوت بلا شطآن

أنا من أكون، غمامة من أحرف * الريح تقرأنى لكى تنساني

إن كنت بالأشواق أشعل مهجتى * فأنا أضيء ملامحى لتراني

شجر الحنين إليك أصبح غابة * كادت تطيح بحائطى الإنساني

والآن ها أنذا ببابك باكيًا * إن الدموع رسائل الغفران

أهفو إلى النور الذى مضغ الدجى * وأضاء فيك حقيقة الإيمان

صلى عليك الله ما شهق الضحى * وانساب شعر الشمس فى الوديان

مشايخ الصوفية

على مستوى الصوفية لدينا دواوين كاملة للشيخ صالح الجعفري، شيخ الجامع الأزهر، فى مدح الرسول، والديوان مكون من 12 جزءًا، ويردد أتباعه مدائحه فى حضراتهم.

والقصيدة التى وضعها الشيخ صالح على منوال «البردة» عنوانها «البردة الحسنية الحسينية»، وهى على نفس بحر وقافية بردة البوصيري، وكان اسمها أولًا «البردة الحسينية»، لأنه ذكر فيها سيدنا الحسين كثيرًا، حتى رأى فى رؤيا منامية سيدنا الحسن يعاتبه على إغفال ذكره، فنهض وأضاف أبياتًا فى مدح الحسن أيضًا.

وللإمام محمد ماضى أبى العزائم قصائد شتى فى مدح الرسول يضمها ديوانه، والشيخ محمد زكى إبراهيم، وصلاح القوصي، وغيرهم.

أصل البردة

أصل «البردة» أنها قصيدة الشاعر المخضرم كعب بن زهير، والتى ألقاها بين يدى الرسول صلى الله عليه وسلم فى المدينة، وجاء بها مستشفعًا بعد أن هجا الرسول، وأهدر دمه، وفر هاربًا فى الصحراء، ثم جاء معتذرًا وبدأ ينشد قصيدته، وبدأها بالغزل على عادة الشعراء، قائلًا:

«بانت سعاد فقلبى اليوم متبول * متيم إثرها لم يفد مكبول»

ثم وصل فيها إلى أن قال:

«وإن رسول الله لسيف يستضاء به * مهند من سيوف الهند مسلول»

فقال له النبي: «من سيوف الله»، فعدلها.

وفى النهاية، ابتسم النبى وعفا عنه، وألقى عليه بردته، أى عباءته، وهى العباءة التى توارثها أولاده حتى قيل إن معاوية اشتراها، ثم توارثها الخلفاء تبركًا بها.

شاعر الرسول

شاعر الرسول، هو لقب حظى به شاعر المدينة المخضرم حسان بن ثابت، فقد أكثر من مدح الرسول، ودعا له النبي: «اهجهم ومعك روح القدس»، لأنه كان كثير الهجاء للمشركين، ومرة قلل عمر من قيمة شعره، فأخبره النبى أن وقع هذا الشعر على الكفار أحدُّ من السيف.

بردة البوصيري

أما أشهر قصيدة فى مدح الرسول على مر التاريخ، فهى «بردة البوصيري»، وقد عاش فى القرن السابع الهجري، شاع ذكرها فى الآفاق وترجمت للغات شتى، وكتبت بماء الذهب، وسميت «البرأة» لأنها شفعت لصاحبها فشُفى من الشلل، كما أنها كانت سببًا فى شفاء العديد من المرضى، وعلى منوالها كتب كثيرون من المتصوفة والشعراء قصائدهم، وهى القصيدة التى عقد الصوفية مجالس ذكر خاصة لها لتلاوتها فى ليالٍ محددة، وكتبت أبياتها على جدران المساجد والبيوت والقصور.

والبوصيرى صحب أبا العباس المرسي، تلميذ أبى الحسن الشاذلي، وتلقى منه أوراد الطريقة الشاذلية، فمنحه المرسى «لسان الشعر»، كما منح أحمد بن عطاء الله، صاحب «الحكم العطائية»، لسان النثر، هكذا يقول على باشا مبارك فى خططه.

و«البردة أو البرأة» تتكون من 160 بيتًا، بدأها البوصيرى بقوله:

أمن تذكر جيران بذى سلم * مزجت دمعًا جرى من مقلة بدم

أم هبت الريح من تلقاء كاظمة * وأومض البرق فى الظلماء من إضم

إلى أن يقول بعد الاستهلال الغزلي:

محمد سيد الكونين والثقلين * والفريقين من عرب ومن عجم

نبينا الآمر الناهى فلا أحد * أبر فى قول لا منه ولا نعم

هو الحبيب الذى ترجى شفاعته * لكل هول من الأهوال مقتحم

ويختم قصيدته بالتوسل بالنبي، فيقول:

خدمته بمديح أستقيل به * ذنوب عمر مضى فى الشعر والخدم

حاشاه أن يحرم الراجى مكارمه * أو يرجع الجار منه غير محترم

ومنذ ألزمت أفكارى مدائحه * وجدته لخلاصى خير ملتزم

يا أكرم الخلق مالى من ألوذ به * سواك عند حلول الحادث العمم

الاكثر قراءة