رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

رسول الله وخير أجناد الأرض


27-8-2026 | 14:51

.

طباعة
بقلـم: حلمى النمنم

احتفلت مصر هذا الأسبوع بذكرى المولد النبوى الشريف، وهو احتفال يُقام سنويا منذ أكثر من ألف عام، الاحتفال شعبى ورسمى؛ الشعبى فيه يتمثل فى «عروسة المولد» وحلوى المولد النبوى، التى باتت طقسًا سنويًا مصريًا وإسلاميًا، انتقل منها إلى عدد من بلدان المنطقة.

أما الجانب الرسمى فيتمثل فى أن الدولة جعلت يوم المولد إجازة رسمية لكل العاملين بها، وهناك الاحتفال السنوى الذى تقيمه وزارة الأوقاف، ويحضره فخامة الرئيس وكبار قادة الدولة، يتم فيه تكريم العلماء وحفظة القرآن الكريم، وتراعى الوزارة أن يشمل التكريم عددًا من العلماء العرب والمسلمين حول العالم إلى جانب تكريم العلماء المصريين، وتنظم مشيخة الطرق الصوفية احتفالاً كبيرًا يُقام غالبا فى مسجد الحسين رضى الله عنه بالقاهرة أو مسجد السيدة زينب، وفى كل محافظة وفى المدن والقرى المصرية تُقام الاحتفالات وتعمّ البهجة الجميع.

 

ويذهب كثير من الدارسين والعلماء إلى أن مصر والمصريين هم أول مَن استنوا الاحتفال بذكرى المولد النبوى الشريف وكذلك حلوى المولد، بدأ ذلك فى العهد الفاطمى، القرن الرابع الهجرى، وإن كان هناك مَن يرى أن الاحتفال بهذه المناسبة عُرف فى بدايات القرن السابع الهجرى فى «أربيل» مع الملك المظفر، لكنه رأى ضعيف؛ إذ إن هناك شواهد كثيرة على الاحتفالات المصرية بالمولد النبوى قبل ذلك بكثير.

وفى البداية كان هناك بين العلماء مَن رفضوا الاحتفال استنادا إلى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يحتفل بتلك المناسبة ولا الصحابة أو الخلفاء الراشدون، لذا ذهبوا إلى أن الاحتفال «بدعة»، لكن كثيرًا من العلماء لم يجدوا غضاضة فى الاحتفال؛ إذ إنه يؤكد الحب الحقيقى لرسول الله وارتباط المصرى بالرسول الكريم، خاصة أنهم أقبلوا على دين الله وتعاملوا مع العرب منذ أن فتح الصحابى والقائد الفذ عمرو بن العاص سنة 20 هجرية، زمن الخليفة الثانى عمر بن الخطاب.

والواقع أن حب المصريين لرسول الله والاحتفاء بذكرى مولده الكريم، لم يصدر من فراغ ولا كان عن رغبة مجردة فى الاحتفال والبهجة، لو أن الأمر كذلك فهناك مناسبات عديدة يمكن الاحتفاء بها طوال العام، لكن المولد النبوى له معنى خاص ودلالات محددة فى الوعى الجمعى المصرى.

ذكرت مصر فى القرآن الكريم كثيرا، بالاسم المباشر أو كناية، وقد خصص الفقيه جلال الدين السيوطى الفصل الأول من كتابه المرجعى «حسن المحاضرة فى تاريخ مصر والقاهرة» لهذا الجانب، أى ذكر مصر فى كتاب الله، يبدؤه بقول ابن زولاق «ذكرت مصر فى القرآن فى ثمانية وعشرين موضعا...» لكن السيوطى يرد عليه بالقول «بل أكثر من ثلاثين... ويعدد الآيات كما وردت بنصها، ويقدم تفسيرًا لتلك الآيات وارتباطها بمصر والمصريين.

هذا التكريم القرآنى لمصر، كان ولا يزال تقديرًا ربانيًا، ذلك أن أرض الكنانة كانت دائما أرض الأنبياء، على أرضها مشى أبو الأنبياء إبراهيم وفيها وُلد موسى عليه السلام وجاء إليها سيدنا يوسف، وهربت السيدة العذراء بوليدها السيد المسيح عليه السلام إلى مصر من طغيان الحاكم الرومانى فى فلسطين، وهنا وجدت العائلة المقدسة الأمن والأمان، ناهيك عن أن بعض حكماء مصر القديمة يعدون لدى بعض الدارسين من الأنبياء.

وبهذه الخلفية التاريخية والروحية وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوصى أصحابه بمصر والمصريين، لم يثبت أن رسول الله جاء إلى مصر، وإن كانت هناك بعض آراء تذهب أنه ربما يكون مر بسيناء وهو فى طريقه إلى الشام للتجارة فى شبابه، وثمة روايات تؤكد أن البيرق النبوى فى رحلة الإسراء توقف قبل أن يصل بيت المقدس فى جنوب سيناء، تحديدا فى المنطقة القريبة من جبل موسى، والثابت أن رسول الله تلقى هدية من المقوقس كانت عبارة عن عسل نحل من بنها، وكان -عليه الصلاة والسلام- يحب هذا النوع من العسل، وأرسل إليه المقوقس أيضا فتاة مصرية من المنيا هى «ماريا القبطية» التى تسرى بها الرسول وأنجب منها ابنه إبراهيم، قرة عينه، الذى رحل عن عالمنا مبكرا.

وفى الأحاديث النبوية نجد الحديث الذى رواه عمرو بن العاص عن عمر بن الخطاب: «إن الله سيفتح عليكم بعدى مصر فاستوصوا بقبطها خيرًا، فإن لكم منهم صهرًا وذمة» وقد اعتمد ابن عبدالحكم ذلك الحديث فى كتابه عن فتح مصر، كما ورد الحديث فى صياغات عدة، وكلها تحمل نفس المعنى، وهو أن صحابة الرسول سوف يفتحون مصر، وأن الرسول بنفسه يوصى بأهلها خيرا، لأن للعرب فيها صهرا ونسبا، والمقصود هنا أن سيدنا إسماعيل هو ابن السيدة هاجر، وكانت مصرية تماما تزوج بها أبو الأنبياء إبراهيم وهو فى مصر، باختصار المصريون أخوال العرب من أيام إسماعيل، وظل رسول الله يوصى صحابته، حتى فى مرضه الأخير، بمصر والمصريين.

وإذا كان رسول الله قدم التوصية بخصوص مصر وأهلها، فإنه قدم أيضا لأصحابه نصيحة غالية تتعلق بمصر والمصريين أيضا، عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، سمعت رسول الله يقول: إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا، فذلك الجند خير أجناد الأرض، فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه، ولمَ يا رسول الله؟، قال: لأنهم وأزواجهم فى رباط إلى يوم الدين.

هذا الموقف من رسول الله إلى جوار ما ورد فى كتاب الله عن مصر كان سببا فى أن معظم الكتاب والمؤرخين العرب والمسلمين كانوا يتحدثون دائما عما صار عنوانا ثابتا هو «فضائل مصر»، كتب عديدة عن مصر، بدأت بتلك الفضائل، حتى تلك التى لم تكن عن مصر، أشارت إليها مثل الدراسات التى تناولت طوفان نوح؛ فقد ورد أن مصر نجت من ذلك الطوفان لأن الله سبحانه وتعالى يحرسها، لذا سميت فى الأدبيات العربية والتاريخية، مصر المحروسة وإذا ذكرت «المحروسة» دون تخصيص، يدرك الجميع أنها مصر.

وهكذا كان الحب والتقدير والإكبار لمصر والمصريين لدى المؤرخين المسلمين والمفسرين والعلماء، المصريون تعاملوا مع ذلك الحب والإكبار بحب وتقدير أشد وأعمق لذا سوف تجد الاحتفال بالمولد النبوى يبدأ من مصر وبها، والحفاظ على الإسلام وحمايته، مرة من التتار والمغول ومرة من الفرنجة -الصليبيين- ويكون من مصر وعلى أيدى رجالها وحكامها وجندها، الذين يقول رسول الله إنهم «خير أجناد الأرض».

والحق أننا نجد مَن يحاول خصم هذه العلاقة، والغض من قدر وقيمة مصر والمصريين؛ مرة بالتشكيك فى حديث رسول الله عن جند مصر وأنهم خير أجناد الأرض، ومرة فى أحقية الاحتفال بالمولد النبوى الشريف، الذين تحول هدفهم إلى التشكيك فى خير أجناد الأرض، يتحركون لدوافع سلطوية، هؤلاء وعلى رأسهم جماعة حسن البنا، يريدون السيطرة على مصر والتحكم فى كل شيء بها، وقد حاولوا تقديم جزء من مساحة مصر فى سيناء لتهجير أهل غزة سنة 2013 وإنقاذ حكومة نتنياهو، فتصدى لهم بحزم وزير الدفاع وقتها الفريق أول عبدالفتاح السيسى، وتصدى لهم الجيش المصرى قبل ذلك وبعده.

حاولوا ترويع المصريين فى 30 يونيو فوقفت القوات المسلحة المصرية -خير أجناد الأرض- حماية للشعب وردع الإرهاب والإرهابيين، هم الآن يدركون أن خير أجناد الأرض يحمون الأرض والبلاد ويحمون الشعب أيضا، ومن هنا كان قرارهم بتشويه هذا الجيش معنويا، حاولوا ذلك كثيرا من قبل، لنتذكر الاعتداء على جنودنا فى رمضان سنة 2012 لحظة الإفطار، ثم اختطاف عدد من الجنود، ودفاع الرئيس الإخوانى عن الإرهابيين، حين قال: «تهمنى سلامة الخاطفين والمخطوفين» وهو تصريح من أغرب ما يكون، لكن نية الجماعة كانت مبيتة لاستهداف الجيش المصرى، ولما فشلوا قرروا شنّ الحرب المعنوية والنفسية، والبداية كانت بالتشكيك فى صحة الحديث النبوى بزعم أن إسناده ضعيف، لكن عددًا من كبار العلماء المسلمين أقروا بصحته، فضلا عن أن معظم الكتب التاريخية عن مصر اعتبرت هذا الحديث مثل فتوح مصر لابن عبدالحكم وفضائل مصر للكندى وتاريخ مصر لابن زولاق وتاريخ مصر لابن مسير وخطط المقريزى وابن تغرى بردى وغيرها وغيرها، ليس هذا فقط، بل الكتب التى تناولت تاريخ الصحابة الذين نزلوا مصر وأقاموا بها، فضلا عن تاريخ الصحابة عموما.

الحديث النبوى الشريف صحيح برواته، فضلا عن أن دار الإفتاء المصرية وعلماء الأزهر الشريف أقروا بصحته وهما مرجعنا المعتد فى ذلك، والمهم أيضا أن الوقائع التاريخية المتتالية أثبتت صحته، منذ التصدى للتتار ومن بعدهم الصليبيون ثم الاستعمار الأوروبى فى العصر الحديث، منذ حملة نابليون وانتهاء بحرب أكتوبر سنة 1973، بل والحرب على الإرهاب سنة 2013 وما بعدها، تصدى الجيش المصرى للإرهاب وللإرهابيين، وهذا حمى المنطقة بكاملها من السقوط فى براثن الإرهاب والفرقة والحروب الأهلية، جنودنا كانوا دائما وسيبقون خير أجناد الأرض، لأنهم لا يعتدون بل يحمون البلاد والديار، يصونون الأرض؛ الشرف والعرض.

الذين يريدون أن يعيثوا فى الأرض فسادا وأن يطأوا البلاد ويذلوا مخلوقات الله، يدركون جيدا أن خير أجناد الأرض لن يسمحوا لهم بالعبث، لذا يكرهون هذا الجند ويصبون حملاتهم وذبابهم الإلكترونى ضد هذا الجيش، لكن لأن أهل مصر كما قال رسول الله فى رباط إلى يوم الدين، فإنهم لم يفلحوا.

الغريب أن الذين يشككون فى الحديث النبوى الصحيح، ويحملون الكراهية والعداء لجند مصر، يتصورون أنهم يقفون على أرض دينية وأنهم يتحركون بدوافع إسلامية، دوافعهم شيطانية فى المقام الأول، وهم يتحوكون دائمًا لخدمة الدول الاستعمارية القديمة وقوى الاستعمار الجديد، كانوا أذنابًا لهم طوال تاريخهم، كانت شركة قناة السويس تمتص دماء المصريين وتنتهك استقلال مصر وسيادتها، وكانت الشركة تمول «حسن البنا» وتدعمه لتستعين به هو وجماعته ضد المصريين ومطلبهم فى الاستقلال والتحرر، وما زال أتباع البنا على نفس الطريق.

كانت شركة القناة تدرك أن وجود الجيش المصرى يعنى نهاية دورها فى مصر، لذا دفعت أذنابها ضد هذا الجيش، تبدلت المصالح والوجوه والأسماء، لكن بقيت الأهداف والخطط واحدة.

تاريخيا.. تعرض الجيش المصرى لحملات ومؤامرات، من الإنجليز سنة 1882، ومن بعدهم جيوش العدوان الثلاثى، فى كل الأحوال كنا الأقوى لأننا كنا دائما على الحق، هذه المرة يأتى العدوان والكراهية، من فصيل محسوب على المصريين، جماعة اصطنعتها المخابرات البريطانية فى نهاية العشرينيات ثم سلمتهم المخابرات البريطانية إلى نظيراتها فى أوروبا والولايات المتحدة، فصاروا فى خانة الارتزاق، يعملون لمَن يدفع لهم، لكن قبل كل هذا وبعده هم يحملون كراهة عميقة لهذا الوطن، وكل مؤسساته، بدءا بالجيش والشرطة والقضاء وصولا إلى الكتاب والمبدعين والصحفيين، حين انتصر الجيش المصرى فى سنة 1973، بعد انتهاء الحرب بشهور تآمروا على قائد الحرب فى حادث الفنية العسكرية، كانوا يريدون اغتيال قائد الحرب الرئيس السادات، ذهبوا إلى الكلية لسرقة السلاح وقتلوا عددًا من طلابها، وخططوا للذهاب إلى بيت الرئيس السادات.

منذ البداية والجماعة تستهدف ضباط الجيش، سعى حسن البنا فى البداية إلى تكوين خلايا للجماعة داخل الجيش، يأتمرون بأمره هو وجماعته بعيدًا عن أهداف الوطن، وفاجأه الرد أن انتماءهم للوطن أولا وأخيرا، ليس للجماعة، ولا مرشدها، فناصبهم العداء هو ومَن جاء بعده إلى يومنا هذا.

الاحتفال بالمولد النبوى يجدد العهد القديم، ويذكرنا بتوصية رسول الله صحابته الإجلاء بمصر والمصريين ونصيحته بالاعتماد على الجيش المصرى خير أجناد الأرض، ونحن على العهد إلى يومنا هذا وإلى الغد. سنظل فى رباط إلى يوم القيامة رغم أنف جماعة البنا وأتباعهم.

الاكثر قراءة