رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

صالح مرسي.. الرجل الذي علمني حب الوطن


22-8-2026 | 15:04

.

طباعة
بقلم: أحمد سرور

عندما قرأت ما كتبه الأديب والروائي الكبير يوسف القعيد (أستاذنا) عن مرور ثلاثين عامًا على رحيل صالح مرسي، لم أشعر أنني أقرأ مقالًا عن كاتب قد رحل عن عالمنا منذ سنوات طويلة، بقدر ما شعرت أن أحدًا فتح أمامي فجأة بابًا قديمًا في الذاكرة، فاندفعت منه صور وأصوات ومشاعر لم تغب يومًا.

كان اسم "صالح مرسي" بالنسبة لي، منذ سنوات الصغر، أكثر من اسم كاتب كبير.. كان واحدًا من أهم الأشخاص الذين دخلوا حياتنا من خلال الحكاية، ثم استقروا في الوجدان دون استئذان .

بدأت الحكاية بـ "رأفت الهجان".. الحكاية التي لا يمكن أن أتحدث عن صالح مرسي من دون أن أتحدث عنها.

كنت صغيرًا عندما ارتبطت بهذا العمل العظيم، ولم أكن وقتها أمتلك القدرة على أن أفهم كل أبعاده السياسية أو الاستخباراتية أو التاريخية، لكنني كنت أفهم شيئًا واحدًا بقلبي، وهو أن هناك وطنًا اسمه مصر يستحق أن نحبه، وأن هناك رجالًا يمكن أن يهبوا حياتهم من أجل أن تبقى مصر آمنة وقوية وعزيزة .

رواية "رأفت الهجان" نعم هي رواية وليست مسلسل عابرًا كأي مسلسل بالنسبة لي، كانت الرواية درسًا في الوطنية قبل أن يكون مسلسلًا تلفزيونيًا، ومن خلال شخصياته وحكاياته، تعلمت معنى أن يكون الوطن أكبر من الإنسان، وأن تكون مصر حاضرة في القلب حتى عندما يكون الإنسان بعيدًا عنها، وأن الدفاع عنها ليس مجرد شعارات نرددها، وإنما مسؤولية وشرف وتضحية.

فلذلك فإنني لا أبالغ عندما أقول أن صالح مرسي كان واحدًا من الذين أسهموا في تكوين وعيي الوطني.. فضلا عن زيادة حبي لمصر، جعلني أشعر بقيمة كل شبر من أرضها، وبقيمة كل ذرة من ترابها، وأن هذا الوطن الذي نعيش فوق أرضه ليس مجرد مكان نولد فيه ونعيش فحسب، وإنما حكاية عمر وذاكرة وهوية وانتماء .

لم يكن تأثير "رأفت الهجان" عليّ وحدي، بل كان التأثير على جيلاً كاملًا عاش التجربة نفسها، كان موعد المسلسل موعدًا مقدسًا في كل بيت في مصر.

أتذكر جيدًا أن أشياء كثيرة كان يتم تأجيلها لـ بعد مشاهدة المسلسل، كانت المشاهد جزءًا من تفاصيل حياتنا، كنا نعيش مع الشخصيات، ونفرح لانتصاراتها، ونشعر بالخطر عندما تقترب من لحظة صعبة، والأهم أننا كنا نخرج من كل حلقة ونحن أكثر ارتباطًا بالوطن .

وهنا صدق ما كتبه (أستاذنا الكبير) يوسف القعيد عندما كتب نصًا: "إن صالح مرسي، حتى لو لم يكتب في حياته سوى رأفت الهجان، لكفاه ذلك ليحجز مكانه في سجلات الوطنية المصرية".

كانت علاقتي بالعبقري "صالح مرسي" لا تتوقف عند رؤية اسمه على تتر "رأفت الهجان " فحسب، فقد شاءت الأقدار أن ألتقيه ذات يوم، مرة واحدة فقط .

وكان اللقاء في المكان الذي أعتز به كثيرًا، مجلتنا الغراء «المصور» بدار الهلال.. بيتنا الكبير، وكان ذلك في توقيت خروجه على المعاش عام 1989.

كانت مقابلة واحدة، لكنها بقيت في ذاكرتي، ولم أكن أعرف يومها أن السنوات ستمر، وأن (عمي) صالح مرسي سيرحل.. نعم عمي صالح لأنني صافحته وصافحني وقال لي والدي: "سلم على عمك صالح "، وكان ذلك اللقاء الوحيد الذي سيصبح بعد رحيله ذكرى عزيزة أعود إليها كلما جاء اسمه أمامي .

وهكذا بقي صالح مرسي، بقي عندي من خلال "رأفت الهجان"، ومن خلال الحكايات التي كتبها، ومن خلال صورته التي كنت أراها في صفحات "المصور"، ومن خلال ذلك اللقاء الذي لم يتكرر.

ولذلك، عندما قرأت مقال (أستاذنا) يوسف القعيد، شعرت أنني لا أستعيد فقط سيرة كاتب عظيم، وإنما أستعيد جزءًا من نفسي .

فصالح مرسي بالنسبة لي ليس مجرد أحد أشهر كتاب أدب الجاسوسية في مصر والعالم العربي، وليس مجرد صاحب "رأفت الهجان" و"دموع في عيون وقحة" و"الحفار" وغيرها من الأعمال التي تركت أثرًا لا يُمحى.

إنه الكاتب الذي استطاع أن يحول الحكاية إلى إحساس، والمعلومة في صورة درامية، والتاريخ إلى وجدان، والوطنية إلى مشاعر حقيقية تصل إلى القلب قبل العقل .

وهذا في رأيي البسيط، هي عظمة الكاتب الحقيقي، ومعنى أن يكتب الكاتب أو الروائي شيئًا لا ينتهي بانتهاء الصفحة أو الحلقة، فهذا هو النجاح الحقيقي لقوة الكاتب المؤثرة، وقد عاش صالح مرسي في أجيال كاملة من المصريين.

عاش في وجدان الذين شاهدوا «رأفت الهجان» وهم أطفال، ومع الذين شاهدوه وهم شباب، وفي وجدان من سيكتشفونه اليوم وغدًا .

رحم الله صالح مرسي "العبقري" ورحم الله كل من أحب مصر وكتب لها ومن أجلها.

كما أتوجه بالشكر لـ (أستاذنا الكبير) يوسف القعيد لأنه أعادني، بكلماته، إلى تلك الأيام وإلى ذلك الرجل الذي أحببته كثيرًا، وإلى مسلسل لم يكن بالنسبة لي مجرد عمل فني، وإنما كان جزءًا من تكويني ووجداني .

أما "رأفت الهجان"، فسوف يظل بالنسبة إليّ أكثر من مسلسل، سيظل قطعة من الذاكرة، وسيبقى صالح مرسي واحدًا من أولئك الذين تعلمت على أيديهم، من دون أن أعرف وقتها أنني أتعلم، كيف يكون حب مصر.

حب مصر التي لا أملك أمامها إلا أن أقول، كما أشعر بها في قلبي منذ الصغر: أحبك يا مصر.. بكل ذرة من ترابك .

الاكثر قراءة