عاش اليهود أزهى عصورهم فى ظل الإسلام، ووضع الإسلام دستورًا يحمى أهل الذمة من غير المسلمين فى بلاد المسلمين، وأرسى الإمام على فى عهده لمالك بن الأشتر، والعز بن عبدالسلام، قواعد فقهية ملزمة لحماية غير المسلمين.
انتهينا فى الفصل التاسع إلى شرح «المسيحية الصهيونية» الموجودة فى أمريكا، والتى تسيطر على دوائر صنع القرار، وترى اليهود مجرد «وقود بشرى» فى معركة «هرمجدون» القادمة، ومن تبقى منهم سوف يتحول إلى المسيحية. ونواصل فى هذا المقال شرح فكرتنا حول الاستغلال والابتزاز المتبادل بين مسخين!
إن الابتزاز المتبادل والتحالف القذر بين مسخين، هما الصهيونية السياسية بذراعها البراجماتى، والإنجيليون الصهاينة، تدرك تمامًا هذا الاحتقار المبطن، وهذه النظرة الوظيفية فى عقيدة الحلفاء الإنجيليين. إن الصهيونية السياسية تعرف أن الإنجيليين لا يحبونهم، بل يستخدمونهم، ومع ذلك تقبل الصهيونية بهذا الدور ببراجماتية قذرة ومنحطة. لماذا؟.. لأنها تحصل من هؤلاء الإنجيليين على مكاسب هائلة، منها:
قوة ضغط سياسى «لوبي» هائلة فى واشنطن، تفوق أحيانًا قوة اللوبى اليهودى نفسه.
دعم مالى ضخم للمستوطنات والمشاريع الاستيطانية.
تغطية أخلاقية ودينية زائفة لمشروعها الإحلالى فى العالم الغربي.
فى المقابل، يحصل الإنجيليون على «مختبر» حى لتجسيد نبوءاتهم على أرض الواقع، وعلى ضمانات إسرائيلية بعدم إعاقة مخططاتهم التهويدية فى القدس، خاصة بناء الهيكل الثالث.
إنه تحالف بين مسخين: مسخ لاهوتى يرى فى الآخر وقودًا للمحرقة القادمة، ومسخ سياسى براجماتى يقبل بهذا الدور الوظيفى الذليل مقابل السيطرة المؤقتة على الأرض والمال والسلاح إنها وظيفة لا متناهية فى انحطاطها، حيث كل طرف هو مجرد أداة فى يد الآخر، تنتهى صلاحيتها بوقوع الكارثة التى ينتظرها أحدهما ويعمل الآخر على تأجيلها.
ننتقل الآن إلى العنصر الثالث فى شرحنا لدور «المسيحية الصهيونية»، ألا وهو تزييف الوعى المسيحى واختطاف الخطاب الأصيل، حيث نجحت الحركة المسيحية الصهيونية فى اختطاف الخطاب المسيحى الأصيل، القائم على المحبة والعدالة والسلام والدفاع عن المظلومين، واستبداله على الأرض بـ«دين القوة» و«لاهوت الحرب»، والدفاع الأعمى عن الاستيطان والإبادة.
مون فى تدمير صورة المسيحية فى العالمين العربى والإسلامي.
وننتقل إلى الفصل العاشر فى دراستنا تلك، وعنوانه «مرافعة تاريخية تخرس ألسنة المضللين»، بشرح العصر الذهبى لليهود تحت ظلال الحضارة الإسلامية، حين كان الأمان بنيويًا لا وظيفيًا.
لقد وضعنا تشريحنا السابق للاعتلال البنيوى للكيان الصهيونى أمام حقيقة تاريخية كبرى، يحاول «الصهيونى الوظيفي» بكل أذرعته طمسها وتشويهها لشرعنة وجود الكيان كملجأ وحيد لليهود فى العالم.
هذه الحقيقة هى أن أزهى عصور الوجود اليهودي، وأكثرها إبداعًا وإنتاجًا وأمانًا، لم تتحقق عبر التاريخ إلا تحت ظلال الحضارة الإسلامية. فى تلك العصور، لم يُنظر إلى اليهودى كغريب يجب عزله فى «جيتو»، أو كجسم غريب يجب التخلص منه، أو كوقود بشرى لتحقيق نبوءة دينية، بل كان يُنظر إليه كجزء أصيل من نسيج حضارى واحد، قائم على «العهد الإلهي» و«المواطنة الأخلاقية».
هذه المرافعة التاريخية التى نقدمها الآن ليست مجرد استعراض للماضى، بل هى «هندسة للوعى»، وهدم لأسطورة الكراهية الأبدية التى يقتات عليها الكيان الصهيونى ليبرر وجوده و«الأمساخ الأخلاقية» التى يفرزها كل يوم.
إنها تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن العلة ليست فى التعايش بين المسلمين واليهود، بل العلة فى الصهيونية ذاتها كمشروع استعمارى إحلالى عنصري.
وإليكم إبرازًا مستفيضًا لهذه الحقبة الذهبية، مستشهدين بأقوال ومنطلقات كبار الصالحين والعلماء المسلمين الذين أرسوا قواعد هذا الأمان البنيوي:
أولًا: المنبع العلوى – الدستور الأخلاقى للإمام على بن أبى طالب، كرم الله وجهه
فقد أرسى الإمام علي، باب مدينة العلم، القاعدة الذهبية التى جعلت المجتمع المسلم بيئة حاضنة للجميع، مسلمين وغير مسلمين، فى عهده الخالد الذى كتبه لمالك الأشتر حين ولاه ولاية مصر، فلم يضع مجرد قوانين إدارية جافة، بل وضع هندسة روحية وأخلاقية للتعامل مع الإنسان، من أى دين أو عرق كان.
إن المقولة الخالدة التى هى أساس الحكم الرشيد، قول الإمام على لمالك الأشتر:
«وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك فى الدين، أو نظير لك فى الخلق».
إن الأثر العميق لهذا المبدأ العظيم هو الذى سمح لليهود وغيرهم من أهل الذمة بالازدهار فى ظل الدولة الإسلامية فى بغداد والقاهرة وقرطبة. لم يكن يُنظر إليهم كغرباء أو كطابور خامس، بل كانوا نظراء فى الخلق، لهم ما للمسلمين من حقوق، وعليهم ما عليهم من واجبات.
فى هذه البيئة الحاضنة، برز يهود عباقرة كبار مثل «موسى بن ميمون» ابن قرطبة، والذى أصبح طبيبًا خاصًا للسلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي، والذى كتب أهم مؤلفاته الفلسفية والطبية باللغة العربية، لغة الحضارة والثقافة فى ذلك الزمان.
هذه البيئة العربية الإسلامية لم تكن تمارس الإبادة، ولا الإقصاء، ولا نفى الآخر، ولا قطع الجذور، وكلها أساليب يستخدمها الصهيونى المحتل لفلسطين اليوم ضد العرب واللغة والهوية العربية.
ثانيًا: سلطان العلماء العز بن عبدالسلام وحرمة الذمة وقدسية العهد
حيث كان الإمام العز بن عبدالسلام، الملقب بـ«سلطان العلماء»، يمثل القوة الأخلاقية والقانونية التى تحمى حقوق غير المسلمين ضد أى تغول سلطوى أو ظلم من الحكام أو من العامة. كان فقيهًا عظيمًا يضع مقاصد الشريعة فى حفظ مصالح الخلق جميعًا فوق كل اعتبار.
ووفقًا لمنهج العز بن عبدالسلام، فإنه شدد فى فتاوه ومواقفه على أن حماية أهل الذمة من غير المسلمين ليست مِنّة أو تفضلًا من الحاكم المسلم، بل واجب شرعى يترتب على من يخونه أو يقصر فيه إثم عظيم. وكان يرى أن عقد الذمة هو عهد الله ورسوله، لا يجوز نقضه أو التهاون فيه.