منذ سنوات قليلة وليست بعيدة كان لى الشرف أن انضممت للجنة التربية بالمجلس الأعلى للثقافة، وما لبث أن ابتعدت طواعية فى شبه استقالة من هذا الالتزام، ليس لغضب أو لشيء، وإنما لانشغالى وما زلت فى أشياء أخرى.
كانت هذه الفترة، والتى استمرت ما يقرب من أربع سنوات فترة ثرية بالأفكار التى دارت فى ذهنى حول العلاقة بين الثقافة والعمل العام والعمل الأكاديمى، لا سيما أن أغلب الأعضاء من الوسط الأكاديمى وربما كنت بحكم الانتماء للكتابة بالتعليم وأحواله طويلا ومن خارج هذه التراتبية الأكاديمية، لذلك لم أشعر أبدا بالغربة وسط هذه الكوكبة من الأسماء اللامعة فى هذين التخصصين؛ علم النفس والتربية، بل ساعدنى ذلك الأمر على معرفة شخصيات أكاديمية معتبرة، وملامح معرفية جديدة، والأهم هو ذلك الحوار الذى كان يتم باللجنة، وكان عدد اللجنة فى المرة الثانية بعد الهيكلة وضم علم النفس، ليصبح اسمها التربية وعلم النفس وضم التخصصات، نحو 15 عضوا، وكانت الندوات مثمرة خاصة التى تخرج خارج جدران الاجتماعات بالمجلس إلى رحاب الجامعات، ومن خلال عضويتى تعرفت إلى آليات الجوائز وعن تحكيمها، لا سيما فى فرع الجائزة التشجيعية التى كانت تحكمها اللجنة وأسهمت بها.
ولكن فى الدورة الحالية للجان المجلس والتى تأخر تشكيلها عدة شهور رغم انتهاء مدة عمل السابقة قبلها بمدة كبيرة، ولكن فى النهاية وبعد انتظار طال أكثر مما ينبغى صدرت أسماء أعضاء اللجان كلها، ولكن المفاجأة المدوية بها أنها لا تتضمن مسمى لجنة التربية، وكتبت مقالاً اسمه: «سقطت التربية سهوًا»، وتضمن المقال الإشارة إلى أن إحدى المهام هى تقييم الجوائز التشجيعية، وكنت أتصور أنى سأتلقى ردا أو أى تعليق عن أسباب الإلغاء أو تتم مناقشته بالمجلس، ولكن الحمد لله نحن الكُتاب غالبا نتكلم فى الفضاء والخلاء.
ولذلك، حينما صدرت أسماء الفائزين بجوائز الدولة، وبعد أن هدأت قليلا، وإن لم تتلاشَ آثار غبار جائزة التفوق فى العلوم الاجتماعية وما أُثير حولها كذلك، ومن دون ردود شافية أو إجابات مقنعة عما حدث، وكنت أتصور على الأقل لمَن تداول اسمها وبأن تخرج بتصريح حول ما أُثير وحول إنتاجها المعرفى والفكرى أو أن يخرج بيان من المجلس الأعلى للثقافة أو أمينه، يتضمن ردا شافيا بالأدلة، وحتى لا يكون الجميع كلامهم فى الخلاء والفضاء الإلكترونى، فتصاب الجوائز نفسها.
ولأنى فى مقالى السابق عن إلغاء لجنة التربية نبهت به أن هناك جوائز معلن التقدم لها بالتربية، وتساءلت: فمن الذى سيحكم هذه الجوائز لا سيما فى الجوائز التشجيعية بعد إلغاء لجنة التربية؟ لذلك عندما أعلنت الجوائز الأخيرة، ذهبت أبحث عن جوائز قطاع التربية، وبالفعل وجدت أن هناك مَن تقدم وفازت بها، د. فيروز عبدالبارى من كلية التربية وفرحت أن التربية ما زالت على الخريطة وأن هناك جهدا مستحقا وعناوين مهمة من ضمنها هذا البحث الفائز، وذهبت أبحث عن معلومات إضافية، فحدثت لى المفاجأة الكبرى أن البحث الفائز عنوانه مكتوب باللغة الإنجليزية، وفى حوارها مع جريدة «اليوم السابع» يوم 3/8 ذكرت الفائزة عنوانه، وهو “Student Teaches Readiness Adult Education For ”.
وذكرت أن أهميته من ارتباطه بأحد التحديات الوطنية بالتعلم مدى الحياة، وهى فعلا قضية مهمة للغاية، ونشكر الدكتورة على الالتفات إليها وإجراء البحث والمستحق، ولكن وجه دهشتى هو اللغة الإنجليزية وليس العربية وهل تم تقديم ترجمة عربية لهذا البحث؟ ولماذا لم تتم الإشارة إلى ذلك فى المشهد الحالى؟ أولا لأن معلوماتى عن أن اللغة العربية لغة الوطن، ناهيك عن أن المحكمين واللجان يتداولون الأعمال باللغة العربية.
وأتساءل كذلك: هل تشكلت لجنة بالأمر المباشر للبحث والتحكيم فى جوائز فرع التربية وهو أمر بديهى لإعلان فائز؟، ولن أسأل عن الأسماء والتخصصات بالعربى أو باللغات فكل ذلك تفاصيل، ولكن السؤال المركزى والأساسى ليس الأبحاث تستحق وهى بالفعل تستحق، لكن السؤال عن لماذا الإنجليزية وأين اللغة العربية.
ذهبت أبحث فى الشروط التى يضعها المجلس ووزارة الثقافة، فلم أجد اشتراطًا للغة العربية، ربما لم يأتِ فى ذهن المؤسسين ومن جاء بعدهم أنه ستكون هناك عناوين بالإنجليزية، ولذلك من الضرورى الالتفات أن تتضمن اشتراطات الجائزة أن يكون باللغة العربية لغة الوطن طبقا للدستور لأنها وهى جائزة الدولة المصرية، خاصة أن هذا محفل ثقافى وفكرى وليس محفلا علميا أكاديميا أو رسالة علمية، ولماذا لم نشترط الحفاظ على اللغة الوطنية، وأذكر هنا أن د. فاطمة موسى أستاذة الأدب الإنجليزى فازت بالجائزة عن أبحاثها باللغة العربية، واشتراط ذلك كما نشترط ذلك على طلاب سنوات التعليم بمرحلة التعليم قبل الجامعى، وحينما تصفحت بعض الترشيحات الأخرى وجدت مسميات فائزة أخرى باللغة الإنجليزية مثلما فى جائزة الجغرافيا، وهذه إحدى أعاجيب الثقافة، فكيف نتحدث عن هوية وثقافة ثم يكون العنوان باللغة الإنجليزية، ومليون علامة تعجب، وهذا ينقلنى إلى طرح عدة تساؤلات خاصة على الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة وهو أستاذ لغات وكان مسئولا عن قطاع البعثات بوزارة التعليم العالى، وتلك مفارقة أخرى سوف أتحدث عنها لاحقا، ولكن أسأل عن أبحاث فائزة عنوانها باللغة الإنجليزية ومن المجلس الأعلى للثقافة وليس من جامعة من الجامعات تحكم رسالة أكاديمية، وهذا ينقلنى للحديث عن المناصب بالوزارة.
لأن ما يقلق فى الأمر ليس فقط الحفاظ على الأولوية للغة الأم، وإنما التغيرات الكثيرة التى تصيب قطاع الثقافة نفسه، لا أتحدث عن المنصب الوزارى على أهميته، لأن هذا شأن سياسى يخص الحكومة، ولكن أتحدث عن المناصب ذات الفاعلية والاستدامة فى المشهد الثقافى ومنها منصب أمين المجلس الأعلى للثقافة، والأهم أن يكون على علاقة بالمثقفين وله إنتاج فكرى وثقافى، لا أتحدث عن أشخاص أو أسماء، وإنما عن ضرورة أن يكون من الفاعلين فى الحركة الثقافية والفكرية ويعرف الوسط الثقافى ويعرفونه، لأن المجلس ولجانه ليس هيئة جامعية وأكاديمية تسير وفق تسلسل هرمى وقواعد تحفظ هيبة المؤسسات الجامعية والتراتبية بها، وعلى العكس منها فغير مستحب أن يكون ذلك فى المجالس الثقافية بحيث لا تسيطر الأكاديمية على عظيم أهميتها وإنتاجها على المشهد الثقافى والفاعلين به، لا سيما أن أكاديمية البحث العلمى بها لجنة للعلوم الاجتماعية والإنسانية، وبها كذلك جوائز من التشجيعية حتى التفوق والتقديرية، وأعتقد أن ذلك مهم للحقل الأكاديمى وإن المثقفين غالبا لا يترشحون لهذه الجوائز.
وأتمنى بجوائز الثقافة ضرورة وضع معايير صارمة فى لجان الترشيح والتحكيم، وكذلك عدم سيطرة الأكاديميين، ومن هنا فإن اختيار الأسماء قضية مهمة وأساسية فى إدارة الشأن الثقافى وإدارة المشهد مع المثقفين والمفكرين وأن يكون على تماس بهم، ومنه سؤال: لماذا تحديدا تم إلغاء مسمى لجنة التربية تحديدا، مع أنه عند بدايات تأسيس المجلس كانت التربية جزءا أصيلا من تكوين المجلس وقاماته؟، لم أتحدث عن د. طه حسين حينما أراد الكتابة عن التعليم أو فى كتابه الفذ ودستور التعليم، فكتب عنوان كتابه: «مستقبل الثقافة فى مصر»، أى أن مستقبل الثقافة مرتبط بالتعليم كالحبل السرى بين الأم وطفلها.
ولذلك، فإن اللغط الأخير وما قبله حتى فى اللجان وتشكيلها خلق عدة إشكاليات فى المشهد الحالى، لذلك فإن إعادة حوكمة وهيكلة الأجهزة المسئولة عن الثقافة قضية ليست رفاهية، لأنها فى صميم دعم قوة مصر الناعمة واستمراريتها، وهى إحدى النقاط التى يجب أن نلتفت لها وهو أن الفاعلين لابد أن يكونوا على اتصال بالحركة الفكرية والثقافية، لأن منهم الأشخاص الذين يديرون المشهد يصبحون هم فى صدارة النجاح أو خلق الأزمات.