وكان صالح مرسى حكّاءً جميل الحكي، ما إن يبدأ فى حكاية حتى تشتعل الكلمات على لسانه ويُكملها حتى آخرها بتفاصيلها الجميلة وغير العادية، أيضًا فقد كنت أرى وما زلت وسأظل أن ما كتبه عن حكايات الجاسوسية، خاصة عمله الشهير جدًا «رأفت الهجان»، أحيا فى نفوس الشباب حسًا وطنيًا يليق بمصر وبعظمة مصر وبتاريخها النبيل دفاعًا عن كل الأشياء الجميلة فى الدنيا.
ولو لم يكتب صالح مرسى فى حياته كلها سوى مسلسل «رأفت الهجان» لكفاه، ليحجز له مكانًا فى سجلات الوطنية المصرية، لأننى ما زلت أذكر حتى الآن أنه عند عرض التليفزيون المصرى لحلقات «رأفت الهجان» كانت الشوارع تخلو من المارة، ومن لا يمتلكون أجهزة تليفزيون كانوا يتجهون إلى أقرب مقهى ويجلسون لمشاهدة العمل الجميل الذى يزيد ارتباطهم بوطنهم بوشائج إنسانية جميلة تخرج من رحم الأعمال الخالدة التى كتبها صالح مرسي.
وصالح مرسى من مواليد مدينة كفر الزيات بمحافظة الغربية فى 17 فبراير 1929، ورحل عن عالمنا فى 24 أغسطس 1996، كان كاتبًا وروائيًا مصريًا وله العديد من الأعمال المتميزة التى تركت أثرًا كبيرًا سيظل عالقًا فى أذهان محبيه، ويُعد صالح مرسى من أشهر من كتب فى أدب الجاسوسية العربية.
قام صالح مرسى فى الثمانينيات من القرن العشرين بتأليف قصة «رأفت الهجان»، وكان يعمل مع جهاز المخابرات العامة المصرية فيما يخص الروايات الخاصة بالجهاز، ويُعتبر من المدنيين الذين عملوا مع المخابرات المصرية، وكان رحيله فى الساحل الشمالى على إثر هبوط حاد فى الدورة الدموية.
من بعض أعمال صالح مرسى الشهيرة: «دموع فى عيون وقحة»، وهى رواية من ملفات المخابرات المصرية، ومسلسل «رأفت الهجان»، وكان الجزء الأول منه عام 1987، أما الجزء الثانى فكان فى عام 1990، والجزء الثالث والأخير كان فى عام 1991، ويُعد مسلسل «رأفت الهجان» أيضًا رواية من ملفات المخابرات المصرية.
وكذلك مسلسل: «الحفار»، «الصعود إلى الهاوية» عام 1978، «الذين يحترقون» عام 1977، «أنا قلبى دليلي»، «زقاق السيد البلطي»، «البحار موندي»، فيلم: «الكداب» عام 1975، «صور من مصر»، «قصة زواج عصري»، رواية «المهاجرون»، «حرب الجواسيس»، «حب للبيع»، «الخوف»، «سمية فهمي»، «هم وأنا»، «السير فوق خيوط العنكبوت»، «البحر»، «ثورة اليمن»، وغيرها من أعماله الخالدة.
وقد عرفت صالح مرسى عندما كنا زملاء بدار الهلال، مجلة «المصور» تحديدًا. وكان قد جاء من الإسكندرية بلده الأصلي، يحمل معه فى خياله البحار وكل ما يمكن أن تثيره فى النفس الإنسانية من مشاعر وأحاسيس. استطاع هو أن يحولها لأدب روائى نابض بالتجربة، زاخر بالتفاصيل الصغيرة، يحاول صاحبه أن يؤسس أدب بحر عربي، بعد أن قرأنا أدب البحار فى تجربة الروائى الأمريكى إرنست هيمنجواى «21 يوليو 1899 – 2 يوليو 1961»، والروائى العربى السورى حنا مينا «9 مارس 1924 – 21 أغسطس 2018».
كنا نجلس معًا كثيرًا، وهو حكّاء من الدرجة الأولى يحكى كثيرًا عن البحر وعن الإسكندرية وعن كفر الزيات التى كانت نشأته الأولى بها، وعندما يسلم خياله ولسانه للحكايات، فإنه لا يعرف التوقف أبدًا. لهذا ما زالت ذكراه نابضة فى أعماقي، وما إن قرأت ما قرأته فى جريدة الأهرام عن أدبه حتى عشت من جديد ذكرياتى الشخصية معه وكأنها شريط سينمائى يُعرض أمامى لحظة بلحظة ودقيقة بدقيقة.
إن صالح مرسى يتطلب من دور النشر المصرية والعربية الراهنة إعادة طبع مؤلفاته، وفى المقدمة منها مؤسسة دار الهلال التى عمل بها حتى آخر ما كتبه.
رحم الله صالح مرسى رحمة واسعة وأدخله فسيح جناته بقدر ما أعطى للسينما المصرية، وخاصة الأعمال الجاسوسية، وبقدر ما ساهم فى جذب انتباه المشاهدين والمتابعين لأعماله السينمائية والتليفزيونية.