منذ بداية العدوان الصهيوأمريكي على إيران في الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي.. كتبت عدة مقالات نشرت على صفحات مجلة «المصور».. وقد ركزت في تلك المقالات على فكرة محورية.. تؤكد أن حفظ أمن وأمان منطقة الشرق الأوسط.. لن يتحقق إلا بوجود تحالف إقليمي يضم كلاً من مصر وتركيا وإيران وباكستان والمملكة العربية السعودية.. وقد خرج وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مؤكداً وداعياً إلى ذات الفكرة.. وراجت في كواليس السياسة الإقليمية أخبار عن قرب الإعلان عن هذا التحالف..
ولكن العالم كله فوجئ منذ عدة أيام بالإعلان عن تحالف ثلاثي بين تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية.. أطلقوا عليه إعلان مكة.. وبعد أيام قليلة من إعلان قيام هذا التحالف.. خرج وزير خارجية تركيا هاكان فيدان.. بتصريحات صادمة وكأنه يعلن وفاة هذا التحالف في مهده.. حيث قال إنه مجرد تحالف إعلامي.. يعبر عن قوة العلاقات بين الدول الثلاث.. ورغم هذه التطورات السريعة.. إلا أن المقارنة بين التحالف الثلاثي.. الذي تم الإعلان عنه.. وبين التحالف الخماسي الذي دعونا إليه.. تبدو ضرورية لبيان أي التحالفين أجدى وأنفع لكل دول المنطقة.. وحتى لدولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية .
فالتحالف الثلاثي لن يمكن فهمه إلا على أنه موجه ضد إيران.. وداعم لأمريكا والكيان المحتل.. ولذلك رأت الحكمة السياسية المصرية عدم المشاركة في هذا التحالف.. الذي سيعمل على زيادة حدة التوتر في المنطقة.. بدلاً من أن يقضي عليها. .
أما التحالف الخماسي فكله فوائد على كافة الأصعدة والاتجاهات.. فعلى الجانب الإيراني.. سيتم احتواء إيران.. لتصبح واحداً من عناصر التهدئة والتوازن في المنطقة.. بعد أن ظلت على مدى ما يقارب نصف القرن أحد أسباب التوتر.. كما أن احتواء إيران سيعمل على تركيزها على قضاياها الداخلية.. ومحاولة ترميم ودعم اقتصادها.. الذي تأثر كثيراً بسبب الحروب.. التي كانت طرفاً أصيلاً فيها.. أو مجرد طرف داعم.. والأهم أن احتواء إيران سيدفع جيرانها من دول الخليج إلى الاطمئنان.. وفرملة عمليات الإنفاق الباذخ على استيراد الأسلحة والذخائر.. والتي عادة لا يتم استخدامها.. ولكنها تمثل جزءاً من نفقات الحماية الأمريكية لدول الخليج.
ومن المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية.. ستحقق الكثير من الفوائد من وجود هذا التحالف الخماسي.. حيث ستحتفظ بعلاقاتها الاقتصادية القوية مع دول الخليج.. وفي ذات الوقت ستخفف من أعباء الإنفاق العسكري على قواعدها في الخليج.. كما ستأمن وجود أي مخاطر على قواتها في تلك المنطقة.. خاصة وأن أمريكا تحتفظ بعلاقات قوية واستراتيجية مع الغالبية العظمى من دول الاتحاد المقترح.. تركيا إحدى دول حلف الناتو الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.. وباكستان تمتلك علاقات شديدة التميز مع واشنطن.. وينطبق ذات الكلام على مصر.. أما المملكة العربية السعودية.. فهي الحليف الاقتصادي الأكبر لأمريكا ربما في كل العالم.. أما إذا كان الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.. لصالح دعم ومساندة الكيان المحتل – وهذا حقيقي – فإن هذا التحالف سيعمل على (فرملة) الأطماع والتغولات التي تقوم بها دولة الكيان المحتل.. وقد أدت تلك التصرفات الهوجاء على كافة الساحات والأصعدة.. إلى ظهور الكثير من الخلافات بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان المحتل .
وآخر هذه الخلافات ظهر بعد رفض الكيان المحتل لمشروع مجلس السلام العالمي الخاص بقطاع غزة.. ذلك المشروع الذي يتكون من خمسة عشر بنداً.. وافق عليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.. الذي يترأس في ذات الوقت مجلس السلام العالمي الخاص بقطاع غزة.. وقد تحول الكيان المحتل إلى عبء سياسي واقتصادي كبير على كاهل الأمريكان.. وقد ظهرت آثار ذلك العبء بشكل واضح وجلي خلال الحملة الانتخابية الحالية.. استعداداً لانتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل.. حيث ركزت دعاية أعضاء الحزب الديمقراطي.. على أن الدعم اللامحدود الذي تقدمه أمريكا للكيان المحتل.. لتستخدمه في اعتداءاتها الغاشمة على جيرانها – يتحمل دافع الضرائب الأمريكي كل تبعات هذا الإنفاق السفيه.
وقد كشفت الانتخابات التمهيدية لذلك التجديد النصفي .. تفوق مرشحي الحزب الديمقراطي على مرشحي الحزب الجمهوري.. رغم الدعم الكبير الذي تقدمه جماعات الضغط الصهيونية مثل (إيباك) لمرشحي الحزب الجمهوري، ومعنى كل هذا أن التحالف الخماسي المقترح سيكون في صالح المواطن الأمريكي دافع الضرائب.. الذي يتم إنفاق ما يدفعه على حروب عبثية.. أدت إلى تفجير براكين الكراهية ضد الأمريكان في كل بقاع الدنيا .
أما الكيان المحتل فسوف يفكر مرات عديدة.. قبل أن يمارس اعتداءاته الغاشمة في حال وجود هذا التحالف المقترح.. لأن التحالف يضم دولة تمتلك الردع النووي وهي باكستان.. مما يعمل على خلق (توازن الرعب) لدى قيادات الكيان المحتل.. كما أن تركيا عضو مهم في حلف الناتو.. ومن المؤكد أن الكيان المحتل.. لن يفكر في استعداء هذا الحلف العسكري الكبير.. إضافة إلى وجود مصر بجيشها القوي على حدود الكيان المحتل.. مما يجعلها تفكر ألف مرة.. قبل أن تفكر بالعبث في الأمن القومي لدول التحالف.. وبالطبع فإن السعودية الحليف الاستراتيجي لأمريكا لن تكون في مرمى الاستهدافات الصهيونية.. ويتبقى إيران التي أثبتت خلال عدواني الاثني عشر يوماً في يونيو 2025 والأربعين يوماً في عام 2026.. أنها قادرة على الصمود في وجه العدوان.. والأهم إثبات قدرتها على إيلام الكيان المحتل.. من خلال توجيه ضربات نوعية كبيرة ضد الأهداف الاقتصادية والعسكرية في كل المواقع المهمة لهذا الكيان.
وسوف تمتد فوائد التحالف الخماسي المفترض لتشمل المملكة العربية السعودية وكل دول الخليج.. حيث سترفع تلك الدول عن كاهلها أعباء إنشاء وتجهيز القواعد الأمريكية على أراضيها.. خاصة بعد أن أثبتت تلك القواعد عدم قدرتها على الدفاع عن نفسها.. ضد الصواريخ والمسيرات الإيرانية.. التي دفعت الجنود الأمريكيين في تلك القواعد إلى تركها والهروب منها.. وإذا كانت تلك القواعد الأمريكية لم تستطع حماية نفسها.. فهل من المعقول قدرتها على حماية الدول التي تقبع على أراضيها.. رغم إنفاق مليارات الدولارات لإنشاء تلك القواعد.. والأهم أن تلك القواعد لن تقدم أي فائدة لدول الخليج.. انطلاقاً من الكلام المهم الذي قاله وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي.. حيث كتب في صحيفة لوموند الفرنسية.. إن الخطر ضد دول الخليج لم يأت أبداً من طهران.. ولكنه يأتي دائماً من تل أبيب.. ومن المؤكد أن تلك القواعد الأمريكية في دول الخليج لن توجه مدافعها ضد أهداف في تل أبيب .
وبعيداً عن التعاون الأمني والاستراتيجي.. فإن دول التحالف الخمس إذا ما فكرت في نقل التعاون إلى المجالات الاقتصادية والتنموية .. فإن القدرات التي تملكها هذه الدول.. ترشحها لتصبح إحدى القوى الاقتصادية الفاعلة على خريطة العالم.. حيث تمتلك تلك الدول الكثير من الموارد الطبيعية والبشرية.. إذا ما أحسن استثمارها جعلت من هذه الدول قوة اقتصادية جبارة.. تجعل شعوبها في مقدمة شعوب العالم على مؤشرات الرفاهية والسعادة. ورغم كل هذه الفوائد.. التي يحققها هذا التحالف الخماسي المقترح.. ليس للدول المفترض أن تشارك فيه فقط.. ولكن لكل دول المنطقة.. إلا أن العقبات في سبيل قيامه كبيرة.. ليصبح البديل الوحيد هو الرجوع إلى اتفاقية الدفاع العربي المشترك.. المنصوص عليها في مبادئ إنشاء الجامعة العربية في عام 1945.. وإذا كان تفعيل هذه الاتفاقية يحمل الكثير من الصعوبة.. فليس أمام دول الوطن العربي إلا العودة إلى القوات العربية المشتركة .. التي أنشأتها مصر في الستينيات بقيادة الزعيم جمال عبد الناصر.. وكان لها دور كبير في حماية الأمن القومي العربي.. وأعاد الرئيس السيسي طرح ذات الفكرة في عام 2015.. وللأسف الشديد فإن فكرة الستينيات من القرن الماضي.. أو فكرة الألفية الثانية.. قد تم وأدها على يد بعض دول الخليج.. التي أصبحت الآن في أشد الحاجة.. إما إلى التحالف الخماسي المقترح.. أو القوات العربية المشتركة.. لحماية أمنها القومي.. وأمنها الاقتصادي أيضاً .