ثالوث المرض والعرض والغرض، أضلاع مضلعة أم أطياف مبدعة، زوايا منطفئة أم طاقات مضيئة؟ هل من خروج إلى النور أم تدنٍّ في الظلام؟
كنت، بفضل الله، قد أطلقت في 2017 مبادرة "مصر أمان ونماء"، والتي وفقني الله فيها إلى طرح أكثر من خمسة عشر مساراً فكرياً وتنموياً يستهدفون إيقاظ المقومات الحضارية الهائلة لمصر والمصريين، والتي أعلنت في أحد المنتديات على هامش المبادرة أن "مصر أمان ونماء" هي نفسها "نور وأمان ونماء"، فمن مصر أنطلق نور الحضارة والمعرفة والحياة إلى العالم. ولكي ندرك ما هو كنه نور وأمان ونماء، فإننا نحتاج إلى التفكير الجاد في ما يحجب النور، وما يهدد الأمان، وما يعوق النماء، أي إننا لا بد وأن نفكر بإدراك في كُنه المرض وملامح العرض، وأن نعيد تحديد الغرض. وهنا أريد التنويه إلى أنني الآن أتحدث عن العالم كله، مع التخصيص على منطقة الشرق الأوسط، انطلاقاً من حجر الزاوية للحضارة على الكوكب، المتمثل في العظيمة "مصر".
من بعض لمحات الاطلاع على ما فات، وما هو يجري الآن، وما هو متوقع للمستقبل، جاء في تقرير "Future of Jobs" للمنتدى الاقتصادي العالمي 2024 أن 44% من المهارات الحالية ستصبح قديمة خلال 5 سنوات. وفي نفس الوقت، كشف "World Happiness Report" أن 7 من أصل 10 دول الأكثر اكتئاباً هي من أغنى دول العالم. التناقض صارخ: كلما زادت "اللومن"، زاد "الظلام". هذا يقودنا إلى فرضية فيزيائية بسيطة: الضوء الأبيض الذي نراه هو في الحقيقة 7 أطياف متداخلة، وإذا غاب طيف واحد اختل اللون كله. أزمة البشرية ليست أزمة موارد، بل أزمة "أطياف" انطفأت. .
ومن ثلاث سنوات سمعت هذا الانطفاء بأذني. وقفت في ورشة بسيطة. عشرون شاباً يجلسون، أجسادهم حاضرة وأرواحهم في مكان آخر. سألتهم: "ما الذي يسرق نومكم بالليل؟" فرفع خمسة عشر منهم أيديهم وقالوا: "بكرة". في تلك اللحظة أدركت أننا لا نواجه أزمة اقتصاد، نحن نواجه أزمة نور.
لقد صنعنا في القرن الحادي والعشرين كل شيء إلا النور. صنعنا هاتفاً في الجيب فيه مكتبة الإسكندرية كاملة، لكننا نسينا كيف نقرأ صفحة واحدة تهدي القلب. صنعنا مدناً لا تنام، ونمنا عن ذكر يوقظ الضمير. صنعنا اقتصاداً عالمياً بقيمة تريليونات، لكننا أفلسنا من كلمة "وتعاونوا". فكانت النتيجة منطقية: وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، واحد من كل ثمانية أشخاص على هذا الكوكب يعاني اليوم من اضطراب نفسي. اكتئاب وقلق رغم كل هذا التقدم. هذا هو المرض، ومرضنا له اسم واحد: "انطفاء الأطياف الأربعة" .
أول الأطياف التي انطفأت كان طيف الإيمان. وفيزياء الكم تقول إن الجسيم ينهار إلى حالة واحدة عندما تتم ملاحظته، والقلب البشري كذلك ينهار إلى الخوف عندما ينفصل عن مصدره. ذُكر عن التوراة قول: "وَقَالَ اللهُ: لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ". وذُكر عن الإنجيل قول: "أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ". وكذلك جاء في القرآن: "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ"، وأيضاً: "أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ". ثلاث رسالات تقول شيئاً واحداً: بدون نور من فوق، نموت من تحت.
دراسة جامعة هارفارد عام 2022 أكدت أن من لديهم ممارسة روحية منتظمة أقل عرضة للاكتئاب بنسبة 30%. نحن تركنا الشاحن، فامتلأت حياتنا بالقلق .
ثم انطفأ طيف العلم. وعلم البصريات يقول إن الليزر ليس أقوى من اللمبة، ولكنه أقوى لأنه "متماسك". كل الفوتونات تمشي في اتجاه واحد. هذا هو "قانون التماسك المعرفي" الذي فقدناه. أصبحنا نأخذ معلوماتنا من مقطع 15 ثانية بدل كتاب. صرنا نصدق الإشاعة ونكذب البحث. تقرير اليونسكو يقول إن متوسط قراءة الفرد العربي كتاب واحد في السنة، بينما في أوروبا يقرأون أحد عشر كتاباً. وفي المقابل، نقضي 95 دقيقة يومياً على تيك توك. عندما انطفأ طيف العلم، لم نفقد المعلومات... فقدنا التماسك. فتحولنا من ليزر بناء إلى لمبة موفرة مبعثرة.
ودليلنا؟ متوسط تركيز الشاب العربي اليوم 8 ثوانٍ فقط، أقل من السمكة الذهبية، بحسب دراسة مايكروسوفت 2021 .
وبعده انطفأ طيف العمل. تحولت طاقة الشباب من البناء إلى السكرول. من الإنتاج إلى المشاهدة. البنك الدولي يقول إن 60% من الشباب العربي يقضي أربع ساعات يومياً على وسائل التواصل. هذا يعني ستين يوماً ضائعة كل سنة. طاقة لم تتحول إلى بناء، فتحولت إلى تدمير.
وأخيراً انطفأ طيف الشبكة. صارت "أنا مالي" هي الاعتقاد الجديد... جاء في القرآن: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً". وذُكر عن الإنجيل: "أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ". قطّعنا الحبل، فأصبحنا محطات كهرباء منفصلة. إذا سقطت واحدة، عتمت المدينة كلها. فصرنا نرى أغنى الناس وحيدين، وأقوى الدول مفككة من الداخل .
هذه هي أعراض الانطفاء. نسمعها في "مفيش فايدة". نراها في هجرة العقول. نلمسها في بيوت فيها كل شيء إلا الدفء. العرض هو جيل كامل لا يرى مستقبلاً، فيهرب للمخدرات أو للهجرة أو لليأس. هو دولة تستورد فكرها وأكلها ولبسها. هو فردية قاتلة جعلتنا جزراً معزولة، فإذا مرض واحد غرق الكل.
ولكن هل هذا هو القدر؟ هنا يأتي الغرض. والغرض ليس أن نبكي على النور الذي انطفأ، بل أن نعيد تركيب الأطياف. والغرض موجود في قوانين الكون .
نحتاج أن نوقظ أنفسنا ونعترف أننا في ظلام، فلا علاج بدون تشخيص. نحتاج أن نشتاق، أن يوجعنا حالنا بما يكفي لندفع ثمن التغيير، فالشوق هو البنزين. نحتاج أن نتعلم، والطريق ليس جديداً. فنلندا تركت الحفظ وتمسكت بالفهم، فصارت الأولى عالمياً. وآبل بدأت في جراج بثلاثة أفراد، فصارت تريليون دولار.
نحتاج أن نعيد تشغيل "ليكن نور" بـ15 دقيقة تعليم يومي لكل مواطن. نحتاج أن نملك القدرة، ولا نحتاج لميزانية دولة. نحتاج لثلاثة شباب يصنعون شركة، وعشر شركات تصنع مدينة. نحتاج لخمس دقائق نية في الفجر كما لليابان راديو تمارين. القدرة في يدك .
ونحتاج أن نستمر. "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل". والرياضيات تؤكدها: تحسين 1% يومياً يصنع 37 ضعفاً في نهاية السنة. السر في أن نحول النور إلى طقس يومي لا نكسره. ساعة عمل مقدسة، ودفتر أمل، وشبكة تعاون.
العالم لا يحتاج قنبلة جديدة. العالم يحتاج شعاعاً أبيض كاملاً. والشعاع لا يأتي من فوق. يأتي منك عندما تعيد تشغيل أطيافك الأربعة .
اليوم قم بهذا: أشعل شمعتك. اقرأ صفحة. اتصل بصديق. ابدأ خطوة. اذكر الله. ثم ابحث عن شخص آخر وقل له: "تعالى.. وأنا معاك".
هذه هي رؤية النور الجديدة. ليست رؤية حكومة. هي رؤية إنسان .
والسؤال الذي سيحدد مصير هذا القرن ليس "من الأقوى؟" السؤال هو: "من سيعيد تركيب الأطياف الأولى؟"
وأنا أشهد الله أني بدأت. فمن معي؟