رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

صــــــــــــــــــــــــــلاح.. سفير القـــــــــــــــــــــــــــــــوة الناعمة


14-8-2026 | 12:09

.

طباعة
بقلم: د. مى مصطفى

الوسيط الثقافى قد يلعب أحيانًا دورًا أكثر قوة وبروزًا من السفير الرسمى.. هكذا تعلمت من قراءاتى فى علم الاتصال السياسى، وهذه حقيقة لها حجج وبراهين.. محمد صلاح دليل على ذلك؛ فلم يعد انتقاله إلى نادى طرابزون سبور التركى مجرد صفقة رياضية، بل تحول إلى حدث اتصالى وشعبى أعاد فتح قنوات التقارب بين المصريين والأتراك، فقد حظى اللاعب باستقبال جماهيرى واسع عكس إعجابًا بموهبته وشخصيته، لكنه كشف أيضًا عن وجود أرضية ثقافية وإنسانية مشتركة بين الشعبين.

 

ظهر صلاح بوصفه نموذجًا مختلفًا للمصرى فى الوعى الشعبى التركي؛ فهو لاعب عالمى، منضبط، متواضع، ويتمتع بقيم أسرية وأخلاقية، كما أن اسمه ومكانته الرمزية ساهما فى منحه شعورًا بالألفة داخل المجتمع التركي، ذلك المجتمع الذى يتعرف من خلاله إلى مصر عبر تجربة إنسانية يومية داخل النادى والمدينة، بينما يقترب الجمهور المصرى من طرابزون والدورى التركى عبر متابعة مباريات فريقه وتشجيعه، وهكذا تنتقل الصورة الذهنية من مستوى الدولة المجردة إلى مستوى التفاعل الشعبى والمشاعر المشتركة.

وفى اعتقادى أن شعبية صلاح ستعزز التواصل بين جماهير الدولتين، وتمنح العلاقات المصرية التركية بُعدًا شعبيًا متماشيًا مع الخطاب الرسمى، وسيمثل صلاح قوة ناعمة قادرة على تغيير الانطباعات تدريجيًا، وتحويل كرة القدم إلى لغة مشتركة بين شعبين تجمعهما روابط تاريخية وثقافية ودينية عميقة.

هتف الأتراك للنجم المصرى، فقد استقبلته الجماهير بحفاوة كبيرة، واحتشد الآلاف من المشجعين لمتابعة مراسم استقباله فى مشهد جذب اهتمام الجماهير العربية والعالمية ووسائل الإعلام فى تركيا وخارجها، وتكشف هذه الحفاوة أن كرة القدم لم تعد مجرد منافسة على الأهداف والبطولات، بل أصبحت أداة قادرة على إعادة تشكيل العلاقات الإنسانية والصور المتبادلة بين الشعوب.

تكمن أهمية الحدث فى أن محمد صلاح لم يدخل إلى المجال التركى بوصفه لاعبًا أجنبيًا عاديًا، وإنما بوصفه شخصية عالمية تمتلك رصيدًا واسعًا من الشعبية عالميًا، ولذلك كان استقبال الجماهير التركية له تعبيرًا عن الإعجاب بإنجازاته الرياضية، وعن الثقة فى قدرته على قيادة فريقها نحو المنافسة، إذ طالبت جماهير طرابزون «صلاح» بحصد لقب الدورى التركى، وربطت وصوله بآمال جديدة للنادى، وفى المقابل تابع المواطنون المصريون مراسم الاستقبال باعتبارها لحظة اعتراف دولى بقيمة لاعب مصرى، وعبّروا عبر منصات التواصل الاجتماعى عن الفخر باللاعب والامتنان للجماهير التركية التى احتفت به.

أما الإعلام، فقد أدى دورًا محوريًا فى توسيع نطاق الحدث، فالتغطية لم تركز فقط على تفاصيل العقد أو القيمة الفنية للاعب؛ فقد حظى النجم المصرى باهتمام إعلامى واسع فى تركيا ومصر والعالم، لا باعتباره لاعبًا مصريًا بارزًا فحسب، بل بوصفه ظاهرة رياضية وإعلامية عابرة للحدود. فقد تابعت وسائل الإعلام التركية أخباره وتفاصيل انتقاله إلى طرابزون سبور بكثافة، كما نقلت وسائل إعلام عربية تصريحات السفير التركى فى القاهرة، الذى اعتبر الحفاوة بصلاح انعكاسًا للروابط الثقافية والإنسانية بين المصريين والأتراك، وليس مجرد احتفاء بلاعب كرة قدم.

وبهذا أسهم الإعلام فى نقل الحدث من خانة الرياضة إلى مجالات الثقافة والسياحة والدبلوماسية الشعبية، واعتبرت الصفقة حدثًا مهمًا يمكن أن يمنح النادى والدورى التركى زخمًا جماهيريًا وتسويقيًا عالميًا، بينما تناوله الإعلام المصرى باعتزاز واضح، مركزًا على المكانة التى صنعها «صلاح» بوصفه قائدًا للمنتخب المصرى وأحد أبرز نجوم كرة القدم عالميًا. أما وسائل الإعلام العربية، فقد سلطت الضوء على الاستقبال الجماهيرى الكبير الذى حظى به، ورأت فى هذا الاحتفاء دليلًا على أن شعبيته تجاوزت حدود الملاعب لتصبح رمزًا للفخر العربى ومصدرًا لتعزيز التبادل الثقافى والشعبى بين مصر وتركيا، فضلًا عن دوره فى جذب مزيد من الجمهور العربى لمتابعة الدورى التركي.

ولا يعنى ذلك أن انتقال «صلاح» قادر وحده على إزالة جميع الصور النمطية المتراكمة بين البلدين؛ فالقوة الناعمة تعمل بصورة تدريجية من خلال تكرار الخبرات الإيجابية وبناء مشاعر التعاطف والثقة. إلا أن هذه الخطوة لن تستطيع تجاوز الصلاحيات المقررة لها. نعم، سيترتب عليها آثار إيجابية، لكن يجب ضرورة التعامل معها بقدر من التوازن، دون تهويل أو تضخيم يتجاوز حجمها الحقيقي؛ فقيمة الحدث تكمن فى أنه يفتح مساحة للتواصل الشعبي، ويقدم صورة عن الأتراك بوصفهم جمهورًا قادرًا على تقدير الموهبة المصرية، كما يقدم المصريين فى صورة مجتمع يفرح بنجاح أحد أبنائه ويحتفى بالتقدير الذى يحظى به فى الخارج.

خاصة أن «صلاح» قد تحول خلال سنوات احترافه فى أوروبا إلى نموذج للقوة الناعمة المصرية والعربية، لأنه جمع بين التفوق الرياضى والحفاظ على ملامح هويته الثقافية والدينية. فقد أشارت تحليلات إعلامية إلى أن نجاحه أتاح للجمهور الغربى التعرف إلى نموذج عربى ومسلم مختلف عن الصور النمطية التى تختزل العرب فى الصراعات والأزمات، كما أن إبرازه المتكرر لهويته الدينية، وأعماله الخيرية، وسلوكه الهادئ، جعلت صورته العامة مرتبطة بالنجاح والانضباط والإنسانية.

وخلاصة القول، يمكن النظر إلى نجوم الرياضة بوصفهم سفراء غير رسميين لبلدانهم، لا من خلال خطاب دعائى مباشر، بل عبر ما يقدمونه من أداء متميز، ونجاح مهني، وسلوك إنسانى مؤثر، فالجمهور لا يتفاعل مع الرسائل المفروضة عليه بقدر ما يتفاعل مع القيم التى يلمسها فى الواقع ويعيشها فى وجوه هؤلاء النجوم.

ومن هذا المنظور، يمثل محمد صلاح نموذجًا لافتًا فى العلاقات المصرية–التركية؛ فهو لا يلغى مجالات التفاعل الأخرى الرسمية أو غير الرسمية ولا يحل محلها، لكنه يفتح بين الشعبين مساحة إنسانية مشتركة، ولا يغير الصورة الذهنية بقرار أو تصريح، بل يعيد تشكيلها تدريجيًا، لحظة إثر لحظة، من خلال مشهد رياضى يتجاوز حدود الملعب ليصبح جزءًا من الذاكرة الشعبية والإعلامية المشتركة.

الاكثر قراءة