رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

حياة الموت (3)


13-8-2026 | 12:03

.

طباعة
بقلـم: أحمد النبوى

كما أشعر باهتزاز غريب ليس ناجمًا عن حركة السيارة، وما هذا الضوء الذى ينير بداخل النعش؟ أنظر حولى لأجد «تليفونًا محمولًا» على وضع صامت، وأحد الأشخاص يتصل به، ولكن من صاحب هذا التليفون؟ وكيف وقع منه فى النعش بدون أن يدرى؟ اهتزاز الهاتف مستمر، والضوء ينير وينطفئ، وبدأت أشعر بالضيق منه، وتمنيت أن أمسك به وألقيه خارج نعشي، ولكنى ميت، لا أستطيع أن أحرك يدي، ولكن أنا أعى ما يحدث حولى حتى لو لم يكن جسدى يتحرك، فلماذا لا أنظر إلى الهاتف؟ وبالفعل مددت يدى خارج كفني، أو هكذا تخيلت، لأمسك بالتليفون، وأجد عليه صورة أخي، بالتأكيد وقع منه فى النعش دون أن يلحظ، ولكن كيف أنبهه حتى لا يتم غلق النعش على والهاتف بجوار جسدي؟

 
 
 

وهناك وجوه شابة لا أعرف منها أحدًا، وهناك معارف وجيران، بعضهم يعتلى وجوههم الحزن، وآخرون يتحدثون ويبتسمون وكأنهم يقضون واجبًا لا أكثر، ووجدت نفسى غاضبًا منهم، وأريد أن أقول لهم: احترموا حرمة الميت والموقف الذى نحن فيه، ولا أعرف لماذا خطر على بالى أننى كنت أفعل مثلهم فى بعض الأوقات أثناء المشاركة فى الجنازات من حديث أو حتى ابتسامة خفيفة، فهل ما كنت أقوم به يرد إلى فى جنازتي؟ وهنا شعرت بالخوف ورجفة شديدة فى جسدى من فكرة الحساب.. يالله، أنا على مشارف السؤال، ويزداد الخوف الذى يتحول لهلع شديد، وأريد أن أعرف نتيجة امتحانى فى الدنيا، هل أكون من أهل الجنة؟ أتمنى، وأملى فى ربى كبير، أحاول استرجاع أعمالي، ولكن كيف أحصى كتابي؟ أحاول التفكير فى أعمال صالحة قمت بها، وأجد أمامى أعمالًا سيئة، وأقول: يالله، لقد استغفرتك عن هذه الأعمال، فهل غفرتها لي؟ وإن كنت غفرتها، فلما أتذكرها وأناجى ربى بأنهار من الدموع داخلي، وأقول له: ربي، أنت تعلم كم أحبك، وأنا على يقين بحبك لى أيضًا، فقد كانت تأتينى رسائل منك كثيرة، بعضها أعلمها وأفرح بها، وبعضها كنت أجهلها.. ربي.

أتذكر جيدًا أجمل رسائلك لى عندما أكون نائمًا، وتجعلنى أستيقظ على صوت أذان الفجر، ورغم وسوسة الشيطان لى بالانتظار برهة على السرير حتى ينتهى الأذان كى أنام مرة أخرى، كما كانت تحدث فى بعض الأحيان، ولكن فى أغلبها كنت تساعدنى بحبك لى بمجاهدة نفسى والقيام للوضوء والصلاة، وما أجمل الراحة النفسية التى كنت أشعر بها بعد الدعاء فى صلاة الفجر، ولا أعرف لماذا دائمًا كنت أجد الدعاء فى صلاة الفجر مختلفًا عن بقية الفروض، رغم أنها كلها فروض لك، كما أن الدعاء لك وأنت المجيب فى كل الأوقات، ربي، فى أوقات كثيرة أحمل بداخلى طلبات كثيرة أريد أن أدعوك بها لتحقيقها، وأنا ساجد أناجيك، وأجد لسانى عاجزًا عن ترديدها، وعقلى يتذكر الكثير والكثير من العطايا التى تشملنى بها برحمتك، فأجد أننى مثل الجشع الطماع الذى يريد المزيد فقط، فأشعر بالخزى من نفسي، فلا أجد إلا صوت روحى تردد دائمًا: الحمدلله، وأظل أكررها مهما طالت سجدتي، ولا أنهيها إلا بعد أن أشعر أن روحى تشبعت منها.. ربي.

أعلم أننى لست صالح الأعمال دائمًا، وأن لى كثيرًا من الأخطاء والمعاصى والتى قد لا أعترف بها حتى مع نفسي، ولكنك أعلم بها أكثر مني، ولكنى رغم كل هذا عندى يقين بأن رحمتك أعظم، وأنك الرحمن الرحيم، أشعر بحركة غريبة، فأنظر حولى فى المسجد، فأجدهم ينقلون النعش إلى الإمام ليتم الصلاة علي، وبعدها حالة من الهرج، والكل يجرى مسرعًا لحمل النعش والخروج من المسجد للذهاب إلى المقابر محمولًا على الأعناق، أرى أشخاصًا يحملوننى لا أعرفهم، وتسير الجنازة فى شوارع بلدى التى أعشقها، وطالما كنت أسير فى هذه الطرق وأنا أشارك فى تشيع جثمان آخرين، وأنظر إلى البيوت والمحلات.

لقد تغيرت غالبية الملامح عن التى كنت أعرفها فى الماضي، إلى أن وصلنا إلى مقابر العائلة، ونظرت بلهفة إلى العين التى دفن بها الأطفال، والتى من المفترض أن أدفن بها بجوار أبى الذى دفن بها، لأنه توفى بعد عمى الأكبر بأقل من أسبوع، ولحرمة الميت لم يتم فتح العين لدفن أبي، فكان مكانه مع الأطفال الذى عاش حياته بأكملها محبًا لهم، وها هو جثمانى يرقد فى مكانه الأخير، وما زال بصيص من الضوء يتسلل إلى الداخل وهم يغلقون الفتحة، ولا أعرف هل أنا متمسك بخيط الضوء أم متعجل اختفاءه؟

وسرت رعشة بروحى وارتجفت بشدة عندما تذكرت أننى على بُعد لحظات من عذاب القبر.. وماذا سيفعل بى الثعبان الأقرع، وكيف سيكون شكل هذا العذاب.. ماذا ينتظرني؟ وروحى تدعو: يا رب، يا رب، ارحمنى برحمتك، واعفُ عنى يا رحيم. ولا أعرف لماذا روحى تمسكت بخيط الضوء فى فتحة قبري، هل هى رسالة من الله لي؟ وأتساءل: كيف أُعاقب فى القبر ثم أُعاقب مرة أخرى يوم القيامة؟ أليس الله العدل؟ فهل يعقل أن يكون هناك أكثر من عقاب؟ هل من الممكن أن تكون فكرة عذاب القبر اجتهادًا من بعض المشايخ لبث الخوف والرعب فى نفوس البشر للتقرب إلى الله؟ ولماذا لا يستخدمون بث الحب بدلًا من الخوف؟

أردد: يا رب، يا رب، ارزقنى الجنة، وأعود لأفكر: هل أعمالى صالحة للفوز بالجنة؟ أشعر بتوتر شديد، وأعود لأتمسك بخيط الضوء الوحيد المتبقى الذى يربطنى بالحياة، لا أستطيع التفكير فى نتيجة أعمالى بالدنيا.. أشعر برغبة شديدة فى البكاء، ولكن الوقت انتهى، ولم يعد عليَّ سوى انتظار معرفة النتيجة، وأنا أدعو الله أن يغفر لى ذنوبي، وأتذكر العديد منها، ولكنى أيضًا أتذكر أننى استغفرت ربى عليها، وأنى طالما ركعت باكيًا أكلم ربي، وأنى أحب الله ليس بالفطرة، ولكن بيقين قوي، حتى وأنا أفعل الذنوب كنت أفكر فى الله، وبعد الانتهاء كنت أعود تائبًا، وأعود وأكرر الذنوب، وأعود تائبًا، لا أعرف عدد المرات، ولكنها كثيرة.. فهل غفر الله لي؟ لا، ربى رحمن رحيم، هو يعلم ما بنفسى التى طالما دعوتُه بهدايتها.

لا، لم ينتهِ الأمر، فأنا لا يمكننى أن أكذب على الله عندما كنت حيًا، فهل يمكننى الكذب وأنا فى قبري؟ أسمع دعاء من يقفون على قبري.. يا الله.. يا الله.. نعم، تذكرت شيئًا هامًا جدًا لم أفكر فيه طوال حياتي؛ حديث صحيح، رغم أننا جميعًا نحفظه عن ظهر قلب، ولكن لم نتفكر فيه، وهو: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم يُنتفع به، وولد صالح يدعو له».

إذن الموت ليس نهاية الأعمال فى الحياة فقط، وما زالت هناك فرصة أخرى بعد الموت بزيادة الأعمال الصالحة لكى تُضاف إلى صحيفتي، فكيف يعذبنى الله فى قبرى على أعمالى وما زالت هناك فرصة أخرى لصلاحي، وأنا على يقين بأن ربى غفور رحيم؟ ولا يمكن أن يكون هناك ثعبان أقرع فى القبر يعذب من لم يصلِّ، ويكون هناك ثعبان أقرع آخر فى النار!

يا رب، حتى وأنا ميت فى حيرة من أمري. لم يعد هناك أى بصيص للضوء بداخل القبر؛ لا يوجد إلا ظلام دامس وهدوء، أحاول أن أتكيف مع حياتى الجديدة التى لا أعرف إلى متى ستستمر وما هو القادم، ولكن روحى يتملكها الخوف الشديد؛ لا أشعر بالوقت؟ لا أعرف إلى متى ستظل روحى بالقبر؟

وفجأة وجدت ضوءًا قويًا ينير قبري، لم تتحمله روحى فى البداية، ولكن استطعت الرؤية.. يا الله، على هذا الجمال الربانى الذى لا أستطيع أن أبين ملامحهما.. نعم، إنهما الملكان.. حان وقت السؤال.. نعم، أنا أعرف الأسئلة مسبقًا والإجابة أيضًا، ولكن هل أستطيع أن أجيب عليها بكل سهولة ويُسر، أم أتلعثم ولا يخرج منى الكلام.. يا الله، حان الوقت الذى لا كذب ولا غش ولا نفاق، ولا يمكنك أن تعيد الاختبار.. هل هو اختبار؟ أم أنه يقين نفسى التى عشت بها طوال حياتي؟ كيف لا أعرف الإجابة التى سأقولها بعد لحظات!

وأتذكر الآية الكريمة:

{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِى الْآخِرَةِ}

    كلمات البحث
  • اهتزاز
  • حركة السيارة
  • ضوء
  • نعش
  • صورة

الاكثر قراءة