رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

وردة على قبر وحيد حامد


13-8-2026 | 12:03

.

طباعة
بقلم: حمدى رزق

أحب أعياد الميلاد، سيما عيد الميلاد المجيد، وكنت يوم ميلاد صديقى طيب الذكر السيناريست البارع «وحيد حامد»، أطلبه هاتفيًا صباحا لتهنئته بعيد ميلاده الذى يحل فى الأول من يوليو، وأذكر فى يوم ميلاده الأول من يوليو كان الأستاذ يستقبل التهانى مغتبطًا، وعادة ما يعزم علينا بلقاء فى محله المختار بفندق «جراند حياة» على النيل مباشرة، كانت بينه وبين النيل سبع كلمات، مثل الأسرار السبعة، لا يطلع عليها أحد، كان من عادته أن يصافح النيل بعينيه، مستقبلاً يومه بلقاء، ويودعه مساءً على أمل اللقاء، يربطه بالمحبين نهر النيل، عاشق صبابة، وقرر فى عقد حياته الأخير أن يسكن النيل، على طريقة يسكننا النيل..

 

عرف الكاتب الكبير «محمد حسنين هيكل» حصريًا بلقب (الأستاذ)، ولكن اللقب كان من نصيب السيناريست الكبير «وحيد حامد»، بين محبيه، نحن المريدين ..

وُلد الأستاذ وحيد فى 1 يوليو عام 1944 بقرية (بنى قريش)، مركز منيا القمح، محافظة الشرقية، وحصل على ليسانس آداب قسم اجتماع عام 1965، شرع فى كتابة الأعمال الدرامية منذُ أواخر الستينيات، وتفجرت موهبته الفريدة فى صوغ السيناريو مع مسلسل أحلام الفتى الطائر عام 1978 مع النجم عادل إمام.

منشور فى ببليوغرافيا معتبرة على موقع (السيما كوم)، أشار إلى أن المسلسل حقق نجاحًا كبيرًا مما دفع بالزعيم (عادل إمام) لأن يعتمد عليه سينمائيًا ليكوّنا شراكة سينمائية طويلة الأمد بدأت بفيلم «انتخبوا الدكتور سليمان عبدالباسط» و«الإنسان يعيش مرة واحدة» عام 81، واستمرت فى «الغول والهلفوت» خلال الثمانينيات، وخلال الثمانينيات أيضًا كتب للمخرج الكبير عاطف الطيب أفلام «التخشيبة والبرىء والدنيا على جناح يمامة»، وفى بداية التسعينيات ارتبط بشراكة مع المخرج شريف عرفة والنجم عادل إمام نتج عنها خمسة من أهم أفلامهم: اللعب مع الكبار (1991)، المنسى (1993)، الإرهاب والكباب (1994)، طيور الظلام (1995)، النوم فى العسل (1996)، وكتب عام 2006 فيلم «عمارة يعقوبيان» عن رواية الدكتور علاء الأسوانى، وشارك فى بطولته نخبة كبيرة من نجوم السينما فى مقدمتهم عادل إمام ونور الشريف، وقدم من خلاله ابنه مروان حامد كمخرج لأول مرة.

وكان من أعماله السينمائية «احكى يا شهرزاد» مع المخرج الكبير يسرى نصر الله، وآخر أعماله التلفزيونية مسلسل (الجماعة 2) الذى عرض فى رمضان 2017، عُرف الأستاذ وحيد بموقفه الرافض للأصولية الدينية، ويعتبر واحدًا من أهم الرافضين المناهضين لجماعة الإخوان.

غادرنا الأستاذ وحيد إذ فجأة فى الثانى من يناير 2021، ولم يكتب سيرته ومسيرته، ولم يترك مذكراته فى الفن والسياسة وتقاطعاتها.

ورغم أن الأستاذ وحيد لمن أنس بالقرب منه، يعد من الحكائين العظام، وامتلك ناصية الكلم والقلم، وقلمه سيال بحب مصر، وما ينطق إلا بحب مصر، ونيلها يجرى فى دمه، إلا أنه وهو الكريم كرم حاتم الطائى بخل علينا بمذكراته، ولم ينشر بعد وفاته أوراقه الخاصة، وكان مدونًا دؤوبًا، وأجندته لا تغادر صغيرة ولا كبيرة إلا ودونها لوقت حاجة، وما حاجتنا فى معركة الوعى لمثل هذه الأوراق مؤنة وزادا لمعركة النفس الطويل فى مواجهة أقدم تنظيم إرهابى عرفته البشرية..

تحمل الأستاذ وحيد غرمًا وعنتًا وهجمات فى حروب متصلة مع جماعات الإفك والضلال، وقالوا فيه قولًا بغيضًا، وصلبوه على صفحاتهم المكذوبة، وصوبوا عليه سهامهم المسمومة، وهان ولا لانت عريكته، ولم يتول يوم الزحف، وظل يناضل بالقلم ما استطاع إليه سبيلًا، ما جر عليه ويلات، وأنفقت الجماعة الإرهابية على حربه وكسر نصله إنفاق من لا يخشى الفقر، وكثيرًا ما خططوا لاغتياله معنويًا، ولكنه كان فى قمة التحدى، وظل يصارع واقفًا حتى قابل الله بوجه كريم، تحفظ محركات البحث ويوتيوب طرفًا من معارك الأستاذ وحيد، ودحره خصومه من الإخوان والمؤلفة قلوبهم وجيوبهم، ولم يرتح الإخوان حتى قرأوا نعيه فشيعته صفحات الجماعة بكل غل وضغينة، كفروه حيًا وضنوا عليه بالرحمة ميتًا، هكذا يتألون على الله.. والعياذ بالله.

معلوم، معركة التنوير ليست نزهة خلوية، ومقاومة طيور الظلام بالقلم حرب ضروس، والإصرار عنادًا على كشف المستور من مؤامرات تحاك لهذا الوطن، مكلف جدًا، تعب قلب وحيد حامد مرارًا، وأجرى جراحة قلب مفتوح، وكانت تعليمات الأطباء الثقات الراحة، ولكنه لم يركن لنصب أو تعب، كان يعود من غيابات المرض أكثر تألقًا، مثل شجر الليمون، يزهر دومًا.

مثل وحيد حامد فى حياتنا وبعد مماته مثل منارة بمصباح ترشد التائهين فى بحر الظلمات، كل حرف كتبه، كل مشهد تخيله، كل معركة فى حرب طويلة خاضها ضد الإرهاب والفساد، تشحذ عزمنا، كنا صغارًا نلوذ بالأستاذ بحثًا عن ضوء فى نهاية النفق.

أهمية وحيد حامد فى حياته نموذج المثقف الوطنى، المثقف المنتمى، جندى مجند فى حب مصر، حالة إنسانية مدهشة، لا يكل ولا يمل من قول كلمة حق، ولا يخشى، ولا يهاب، يفرغ كلماته كالرصاصات فى قلب الكذب والزيف والرياء، يكشف الأقنعة، وكم خاض من معارك ضارية، جد أنهكته المعارك، ولكنه ظل صامدًا فى وجه الكهنوت المهيمن على الحالة المصرية، التدين الشكلانى، والتدين العابر للحدود، والسلفية المراوغة، والإخوانية العقور، المقاتل خاض المعارك كلها بعزم أكيد، لا غرابة أن يكره سيرته السلفيون والإخوان والتابعون، ويجمع على محبته الطيبون من شعب مصر، حبهم كان زاده وزوادة فى رحلة عمر، رحلة حب، يحب مصر ويتمناها كما تمناها كل المحبين، كان يراها قادمة من خلف السحاب، بوجه صبوح، ويلتقيها فى مقعده وهو يقرأ ورده كل صباح قبالة النهر الخالد، لا يغادر صفحة النهر يتزود منه حبرًا لمحبرته الفريدة التى كان يملأ منها أقلامًا تسطر حروف المحبة.. ألف رحمة ونور عليك يا أبا مروان.

الاكثر قراءة