رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

انهيار المشروع الصهيونى (12)


7-8-2026 | 14:22

.

طباعة
بقلـم: د. محمود مالك علوان

دولة تل أبيب العلمانية تواجه دولة المستوطنين التوراتية، والأشكناز البيض الأوربيون العلمانيون يواجهون السفارديم ويضطهدونهم، أما يهود الفلاشا ففي آخر السلم الاجتماعي وتُمارس ضدهم عنصرية حادة!.. ثم تحولت الأمساخ إلى جلادين للعرب والفلسطينيين!!

 
 

بعد أن تكلمنا عن صناعة المسوخ الأخلاقية في إسرائيل الصهيونية، نتوقف الآن عند الفصل السابع من هذه الدراسة، وهو يهتم بدراسة البيت من الداخل، أو أبارتهيد اليهود ضد اليهود، وتشريح التراتبية العنصرية، وصراع الهويات في قلب المشروع الصهيوني الاستيطاني الامبريالي.

تشريح الاعتلال البنيوي للكيان الصهيوني لا يكتمل ولا تظهر أبعاده الحقيقية إلا بكشف الغطاء عن البيت من الداخل، فخلافا لأسطورة شعب واحد التي تروج لها الدعاية الصهيونية، وخلافا لصورة الكتلة المتجانسة، التي يحاول الإعلام الغربي ترويجها، فإن المجتمع الإسرائيلي هو في النهاية غابة من الانقسامات الاستعلائية الحادة، وهرم من التراتيبات العنصرية الصارمة، ومسرح لصراعات هوياتية دموية!

إن الأمساخ الأخلاقية التي تحدثنا عنها في الفصل السابق لا تفتك بالفلسطيني وحده، بل تمارس اضطهادا منهجيا وممنهجا ضد بعضها البعض، في حلقة جهنمية من الاحتقار المتبادل والكراهية الذاتية.

والادعاء الصهيوني بوحدة المصير اليهودي يتهاوى بسرعة مذهلة أمام المقصلة الاجتماعية التي تقسم المجتمع الاسرائيلي إلى طبقات متنابذة، يحتقر بعضها بعضا بنيويا، مما يجعل الكيان أشبه بـ(برميل بارود) اجتماعي ينتظر الشرارة التي ستشعله من الداخل، هذا التشريح لأبارتهيد الداخل، هو الدليل القاطع على أن الكيان لا يملك سلما أهليا، ولا تماسكا اجتماعيا، وأن فكرة الدولة اليهودية الموحدة هي وهم كبير!

ويمكن تقسيم هذه التراتبية العنصرية والطبقية إلى أربع طبقات رئيسية متصادمة وهي:

أولا، الأشكناز (النخبة البيضاء الحاكمة)، وهم اليهود من أصول أوروبية وأمريكية، هؤلاء يمثلون المركز والقمة في الهرم الاجتماعي الصهيوني، ويسيطرون بشكل شبه كامل على مفاصل الدولة الأساسية مثل: الجيش والمخابرات والقضاء والمحاكم العليا والأكاديمية والجامعات والاقتصاد والبنوك والإعلام والثقافة. إنهم حراس البوابة الذين يحددون من يدخل ومن يخرج، ومن يرتقي ومن يبقى في القاع، ينظر هؤلاء باستعلاء عنصري فج إلى بقية الطوائف اليهودية (الشرقيين والفلاشا)، ويعتبرون أنفسهم حراس الثقافة والقيم الغربية، والنموذج الأوروبي، الذي يجب حمايته وسط غابة شرقية متخلفة، هم الذين صاغوا الصهيونية على صورتهم ومثالهم: حركة قومية أوربية بيضاء.

ثانيا، السفارديم والمزراحيم (الشرقيون المهمشون)، وهم اليهود القادمون من البلاد العربية والإسلامية، من (العراق، واليمن، والمغرب، ومصر، وإيران،..)، هؤلاء تم استقدامهم منذ قيام الدولة ليكونوا يدا عاملة رخيصة، ودروعا بشرية في البلدات اليهودية، ولتعزيز التفوق الديموغرافي اليهودي في مواجهة الفلسطينيين، عاش هؤلاء لعقود طويلة من المحو الهوياتي الممنهج، حيث كان ينظر للغتهم العربية وتقاليدهم الشرقية وموسيقاهم وتراثهم بوصفها تخلفا وبدائية، يجب التخلص منها والتبرؤ منها، للذوبان في البوتقة الأشكنازية الأوربية، ثم إيداعهم في مدن التطوير المهمشة في أطراف الدولة، وحرموا من فرص التعليم والاقتصاد المتاحة للأشكناز.

هذا الاضطهاد التاريخي ولد عبئا عميقا ومرارة لا تزول، حوّلت المزراحيم اليوم إلى كتلة تصويتية صلبة لليمين المتطرف (مثل حزب الليكود وشاس)، وهذا التحول ليس حبا أو نابعا من حب في الأيديولوجيا الصهيونية، بل هو فعل انتقامي، بامتياز ضد النخبة الأشكنازية البيضاء التي استغلتهم وأذلتهم، إنهم يصوتون لليمين ليسحق الفلسطيني أكثر، لأن سحق الفلسطيني هو الطريقة الوحيدة التي يشعرون فيها بأنهم إسرائيليون حقيقيون، وليسوا عربا من الدرجة الثانية، إنها مأساة مركبة: ضحية تحولت إلى جلاد لكي تثبت انتماءها للجلادين الأصليين!.

ثالثا، الفلاشا (يهود إثيوبيا)، قاع الهرم ودليل العنصرية اللونية، حيث يمثل يهود إثيوبيا (الفلاشا) الدليل الدامغ والأكثر فجاجة على أن الصهيونية حركة قومية بيضاء، في جوهرها، وأن يهودية المرء لا تحميه من العنصرية الصهيونية إذا كان لون بشرته أسود، هؤلاء الذين استقدموا في عمليات سرية مسرحية (مثل عملية موسى وعملية سليمان)، وجدوا أنفسهم في قاع السلم الاجتماعي، وفي مواجهة عنصرية لونية فجة وممنهجة من الدولة والمجتمع.

لقد تعامل معهم كأجسام غريبة يجب تطهيرها، كشفت فضائح طبية مرعبة، مثل قيام بنوك الدم الإسرائيلية (نجمة داود الحمرا) بإتلاف تبرعات الفلاشا بالدم بشكل ممنهج، بدعوى الخوف من الأمراض، في عنصرية طبية صريحة، والأفظع من ذلك الكشف عن أن مؤسسات صحية إسرائيلية أجبرت نساء إثيوبيات على تناول عقاقير لمنع الحمل، دون علمهن أو موافقتهن الكاملة، بهدف الحد من تكاثرهن، ومنع زيادة العبء الديمغرافي الأسود الذي يفسد النقاء الأوربي للكيان.

إن المسخ الأخلاقي الصهيوني هنا لا يرى في الفلاشا إخوة في الدين أو أبناء شعب واحد، بل يراهم عبئا ديموغرافيا أسود، ومشكلة يجب التحكم فيها، وخطرا، على صورة الكيان كدولة بيضاء. إنهم يعانون من التمييز في السكن والتعليم والعمل، ومن عنف الشرطة الممنهج ضدهم، تماما مثل السود في أنظمة الفصل العنصري الأخرى، إنهم الشاهد الحي على أن الصهيونية عنصرية حتى ضد اليهود أنفسهم إذا لم يكونوا بيضا!.

رابعا، صراع دولة يهودا ضد دولة إسرائيل: القنبلة الموقوتة، هذا هو الشرخ الأعظم والأخطر الذي يهدد الكيان بالانهيار من الداخل، إنه صراع وجودي حول ماهية الدولة وطبيعتها، وليس مجرد خلاف سياسي عابر ينقسم المجتمع الصهيوني بشكل حاد ومتنام إلى معسكرين متصارعين، هما:

دولة تل أبيب، أو (العلمانية الليبرالية)، وهي الدولة التي أسسها الآباء المؤسسون الأشكناز العلمانيون، دولة تؤمن بالديمقراطية الإجرائية، وسيادة القانون، (في الداخل اليهودي فقط)، وترتبط اقتصاديا وثقافيا بالعالم الغربي، هذه الدولة تعيش أزمة وجودية حادة، وتشهد نزيفا مستمرا لعقولها وكفاءاتها التي تهاجر إلى الخارج، خاصة إلى ألمانيا وأمريكا، هربا من التطرف الديني المتصاعد، هذا هو النزيف الوجودي الذي تحدث عنه البراجماتيون.

وفي مقابل دولة تل أبيب، توجد دولة المستوطنين الثيوقراطية التوراتية، وهي دولة الحريديم (الأرثوذكس المتشددين)، والصهاينة المتدينين، وفتية التلال، دولة تؤمن بالحق الإلهي المطلق في الأرض، وتعتبر أن وظيفة الدولة هي تطبيق الشريعة اليهودية (الهلاخاه)، وبناء (الهيكل الثالث) على أنقاض المسجد الأقصى، هؤلاء لا يعترفون بشرعية المحاكم العلمانية، ولا بقوانين الدولة إذا تعارضت مع التوراة، ويعتبرون العلمانيين كفرة خونة وعملاء للغرب!

هذا الصراع ليس سياسيا، بل هو صدام وجودي وحضاري حول مستقبل الكيان: هل سيكون ديمقراطية لليهود حسب النموذج الأوربي، أم مملكة كهنوتية حسب النموذج التوراتي؟.

كذلك الأمساخ الأخلاقية في معسكر المستوطنين والحريديم يمارسون اليوم انقلابا ناعما للسيطرة على القضاء والجيش والتعليم، مما يدفع النخب العلمانية إلى الهجرة العكسية بأعداد متزايدة، هذا الانقسام هو (القنبلة الموقوتة) الحقيقية التي ستمزق الكيان من الداخل، والتي لا علاقة لها بالفلسطينيين أو بالعرب، إنه التناقض الداخلي الذي لا يمكن حله، لأن كل حل يرضي طرفا سوف يثور عليه الطرف الآخر ويدمر الكيان!.

(يتبع)

    كلمات البحث
  • دولة
  • تل أبيب
  • يهود
  • الفلاشا
  • عنصرية

الاكثر قراءة