رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

واشنطن ومأزق الحلفاء!


8-8-2026 | 14:02

.

طباعة
بقلـم: سناء السعيد

شهدت العلاقات الأمريكية مع دول الشرق الأوسط خلال العقود الماضية مراحل متباينة، تراوحت بين التحالفات الوثيقة والخلافات العابرة، إلا أن المشهد الراهن يوحي بأن المنطقة تعيد صياغة أولوياتها السياسية والاستراتيجية بصورة غير مسبوقة. ذلك أن العلاقات التي كانت تقوم في الماضى على ثنائية الحماية الأمنية مقابل الشراكة السياسية والاقتصادية، أصبحت اليوم أكثر تعقيدًا، في ظل تغير موازين القوى، وظهور فاعلين دوليين جدد، هذا بالإضافة إلى تنامي رغبة دول المنطقة في تنويع شراكتها وعدم الارتهان لقوة دولية واحدة.

 

اليوم اختلفت المعايير، فلم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على رسم ملامح السياسة الإقليمية كما كان الحال فى العقود السابقة، فهناك الصين التى عززت حضورها الاقتصادى والاستثماري، كما أن هناك روسيا التى وسعت نطاق تعاونها العسكرى والسياسى مع عدد من دول المنطقة، الأمر الذى أوجد هامشًا أوسع أمام العواصم العربية لإعادة ترتيب تحالفاتها وفقًا لمصالحها الوطنية، بعيدًا عن منطق الاستقطاب التقليدي.

ومؤخرا جاءت الحرب فى قطاع غزة لتكشف عن حجم التحديات التى تواجه السياسة الأمريكية اليوم فى الشرق الأوسط لا سيما مع دعمها المستمر والمتزايد لإسرائيل، وهو الدعم الذى يستمر حتى اليوم رغم الانتقادات الدولية الواسعة لما يقوم به الكيان الصهيونى من عمليات عسكرية يومية ضد الفلسطينيين أسفرت عن إبادة جماعية، فضلا عما خلفته من أزمة إنسانية. اليوم تثار التساؤلات فى العديد من العواصم العربية حول كيف يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تملك القدرة على أداء دور الوسيط النزيه فى عملية السلام وهى المنحازة قلبا وقالبا إلى الكيان الصهيوني؛ رغم ما يرتكبه فى الأراضى الفلسطينية من جرائم حرب يشيب لها الولدان؟. الأمر الذى انعكس على صورة الولايات المتحدة لدى قطاعات واسعة من الرأى العام العربي، التى رأت أن الخطاب الأمريكى بشأن حقوق الإنسان خطاب مبتور لا يطبق بالقدر نفسه على جميع الأطراف.

وفى المقابل، لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بعوامل قوة يصعب تجاهلها، فهى الشريك الأمنى والعسكرى الأبرز لعدد من دول المنطقة، وتمتلك شبكة واسعة من القواعد العسكرية، فضلًا عن علاقاتها الاقتصادية والاستثمارية المتشعبة، كما أن التعاون فى مجالات مكافحة الإرهاب، وأمن الملاحة، والتكنولوجيا، والطاقة، ما زال يمثل ركيزة أساسية فى العلاقات بين واشنطن وحلفائها الإقليميين.

لذلك، فقد يكون من المبكر الحديث عن نهاية الصداقات الأمريكية فى الشرق الأوسط، إلا أنه من الأدق القول إن هذه العلاقات تمر بمرحلة إعادة تقييم، فلم تعد التحالفات تقوم على الثقة السياسية وحدها، بل أصبحت تُقاس بمدى تحقيق المصالح المتبادلة، واحترام سيادة الدول، والقدرة على التعامل مع الأزمات الإقليمية بقدر أكبر من التوازن.

لقد طرأ تحول كبير اليوم على العلاقات بين دول الشرق الأوسط والولايات المتحدة الأمريكية، فرأينا أن التركيز الأمريكى بعد الدعم الكامل للكيان الصهيونى يتجه نحو آسيا ومواجهة الصين بدلا من التركيز على الشرق الأوسط، ولهذا شرعت دول المنطقة فى أن تنحو نحو سياسة تنويع التحالفات، فاتجهت صوب بناء شراكات اقتصادية وعسكرية قوية مع قوى كبرى أخرى بخلاف الولايات المتحدة مثل الصين.

إن الشرق الأوسط اليوم ليس هو شرق الأمس، كما أن السياسة الأمريكية لم تعد تتحرك فى بيئة دولية أحادية القطبية. ومن ثم، فإن مستقبل العلاقات بين واشنطن ودول المنطقة سيعتمد على قدرة الطرفين على بناء شراكات أكثر مرونة وتوازنًا، شراكات تستند إلى المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، لا إلى منطق التبعية أو الإملاءات. حيث إن العلاقات الدولية لا تموت عادة، لكنها تتغير بتغير موازين القوة، وتبقى القاعدة الأهم ترتكز على أن الصداقة فى السياسة لا تدوم إلا بقدر ما تحققه من مصالح متبادلة.

الاكثر قراءة