يذكرنى فوز د. أنور مغيث، بضرورة طرح الأسئلة الصحيحة بالفيلسوف سقراط؛ لأن طرح السؤال الصحيح مقدمة للمعرفة الحقيقية والتعليم، وفور علمى بالخبر كتبت له ولزوجته الزميلة العزيزة ليلى الراعى، فرحة ومباركة لهذا الحدث السعيد والذى يقول إن هناك أملا بالفلسفة وربما بالعلمانية كذلك والعلمانية من العلم والعياذ بالله ؟! .
بعد ذلك ذهبت لمعرفة الأسماء الفائزة وفرحت كذلك للأسماء لاسيما بجائزة النيل والتقديرية؟! ففى جائزة النيل فازت أسماء أساتذة أفاضل عن حق وعلم وإنسانية، وأعرفهم شخصيا وعلى رأسهم د. أحمد يوسف الفائز عن استحقاق بجائزة النيل، وقبل يوم واحد فقط من فوزه تقابلنا بندوة كان يديرها وكنت بجوار د. على الدين هلال، وهى تلك المدرسة الكبيرة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وخطر فى ذهنى وأنا أسلم عليه بحرارة، أن أقول له مبروك عالمنا الجليل ولكنى تراجعت عن القول!، كذلك كان لوجود اسم د. ليلى عبد المجيد الإنسانة قلبا وروحا بجانب الأستاذية والعلم فعل عميق بداخلى، د. محمد شومان، المخلص لفكره وعمله الإعلامى والأكاديمى بل والفنى فهو رسام بارع، لذلك فرحت بهذه الأسماء وبالجوائز لأنها تعنى الاحتفاء والاحترام للعمل والعطاء، ورغم غياب أسماء أخرى كانت جديرة بالفوز وكانت تستحق لأنها تمثل الثقافة الشعبية بل والعلم كذلك؟.
وبعد الإعلان عن الأسماء وجدت مظاهرة حب لفوز أنور مغيث، وخطر لى سؤال هو لماذا هذه الفرحة العارمة ويكاد يكون إجماعا لفوزه، والتى امتلأت بها صفحات السوشيال ميديا؟ خاصة أنها ليست تزلفا أو تقربا فهو ليس صاحب منصب حالى وإنما سابق، وتشخيصي لأنه يتعامل مع الثقافة بنبل وفروسية ويسلط عليها الأنوار كما اسمه .
فالمثقف، أنور مغيث أستاذ الفلسفة الحديثة والمعاصرة بجامعة حلوان حتى لو تغير اسمها إلى جامعة العاصمة؟ يكرم ويحتفل بالفلسفة رغم محاولات البعض تكميمها، وبعد أن تم إلغاؤها وتقنينها بالتعليم الثانوى العام، لذلك لم يقتصر عطاء د. أنور على التدريس والإشراف العلمى أو الكتابة الأسبوعية بجريدة الأهرام والتى تتيح للقارئ معرفة الجديد فى الفكر، بل قرر وبشجاعة عصر الأنوار أن يقتحم ميدانا جديدا فى العلم والتواصل الجماهيرى، وهو الخروج عبر «البودكاست الفلسفى» وفى وجبة فكرية دسمة، وصلت الآن إلى ما يقرب من الحلقة 30 مع الزميل مارك مجدى، وهى مبادرة عظيمة وأراها الأهم حاليا بسبب الوسيلة الجماهيرية الأوسع للسوشيال ميديا، إنها مثل وسيلة سقراط الذى كان يتجول فى الأسواق والميادين ليسأل ويشرح وينير العقول، فالبودكاست ليس مجرد سؤال وإجابة أو حوار صحفي أو إعلامي، ولكن بالشكل الحديث والمعاصر، فقرر أن ينزل بأسماء الفلاسفة ومذاهبهم إلى المواطن المتفرج وليحكى لهم لماذا قال الفيلسوف ذلك الرأى أو المذهب، وما الأجواء فى عصره وما موقفه، لأن المفكر لا يعيش فى صومعة تنتج وتحلق بالأفكار بعيدا، وإنما هى نتاج واحتياج لواقع فكرى واجتماعى، فالأفكار والتغيرات حتى العلمية والتكنولوجية تبدأ بالفكر أولا. ولذلك كانت حلقات عن ماركس الشاب وماركس الآخر الكبير، إضافة إلى معلومات العصر والنظريات الاقتصادية كذلك.
ود. أنور مغيث كانت رسالته للدكتوراه والتى حصل عليها من فرنسا، وبدون منحة أو بعثة أى على حسابه الخاص بعدما تخرج فى قسم الفلسفة بآداب القاهرة وذلك فى النصف الثانى من السبعينيات، ولأن القراءة والعلم جزء من تكوينه منذ كان طفلا فى منزل أسرة كبيرة العدد من المنوفية، ولأن أباه كان معلما وحريصا على الاشتراك فى الدوريات أتاح له ذلك المعرفة والقراءة منذ سن صغيرة، وهى الموهبة التى ستدفعه إلى السفر والحصول على درجة الدكتوراه وكانت عن الماركسية أو جديد الماركسية فى الخارج وكذلك التلقى لها فى مصر، والتى أصدرها فى كتاب بعد ذلك بعنوان الماركسية فى مصر وبعدما حصل على الدرجة العلمية عاد إلى مصر، وتقدم للعمل بقسم الفلسفة بجامعة حلوان، وشاركه التقديم لهذه الدفعة المتميزة بالفلسفة د. مجدى عبد الحافظ والحاصل عليها من فرنسا أيضا.
د. أنور مغيث الذى رأس المركز القومى للترجمة سنوات أخرج منها كتبا علمية وثقافية هامة للغاية حتى إننى هاتفته لأشكر جهده على كتاب متميز بل وفريد أخرجه المجلس للترجمة بعنوان الطبقة العليا بين ثورتين (1919-1952)، وهى أساسا رسالة دكتوراه من أكسفورد للباحثة ماجدة بركة .
وعلاقة مغيث بالترجمة ليست منصباً وإنما كما يقول بكتابه الأخير تاريخ لم يكتبه المنتصرون، والذى استعرته عنوانا للمقال بعد حذف لم، لأن فوزه هو الانتصار لتاريخ الفكر والفلسفة؛ ليكمل سلسلة الفائزين بها من أهل الفلسفة وأضع على رأسهم وفى مقدمتهم مفكرنا الأعظم وفيلسوفنا د. طه حسين، ود. فؤاد زكريا وزكى نجيب محمود وحسن حنفى ومراد وهبة .
د. أنور مغيث له عدة كتب منها، أسباب عملية، إعادة النظر فى الفلسفة، بيير بوردو، وترجمات منها، ولماذا نقرأ. الفلاسفة العرب وقضايا فلسفية معاصرة وغيرها.
فى كتابه الأخير والصادر عن دار المعارف 2025 بعنوان «تاريخ لم يكتبه المنتصرون» وعنوان جانبى عن الترجمة والفلسفة، وهو عنوان ذكى ولافت للغاية لأنه يعنى أن تاريخ الانتصارات ليست فقط العسكرية أو فى ميادين المعارك، وإنما هناك ميادين أخرى للانتصار وهى الفكر والفلسفة وعلى رأسها الترجمة، وهى القضية التى يضعها الكتاب على رأس اهتمامه، فالترجمة ليست نقل نص من لغة إلى لغة أخرى، وإنما هى إضافة وعلم له أهميته القصوى ويضرب الأمثلة مثلما حدث مع ترجمة الفلسفة اليونانية إلى العربية فجعلتها فكرا يتجاوز الثقافات، وبدأت معها الفلسفة العربية تبنى كينونتها ووجود فلاسفة عرب، ثم كانت المرة الثانية من الترجمة العربية إلى اللاتينية. الكتاب يستعرض كذلك أهمية الداروينية، وكيف أثر دخول فكر دارون على تطوير الفكر المصرى الحديث، وكيف حاربه أعلام حتى لو كانوا من رموز محاربة الاستعمار عند دخوله مثل الأفغانى وغيره من تلاميذها وقبله الدور المؤسس لرفاعة الطهطاوي، ثم يتحدث عن دور أحمد لطفى السيد أو مترجم أرسطو، ثم مشروع طه حسين الثقافى وفصول عن الحداثة العربية ونقد الاستشراق، وفى مرة قادمة سوف أعرض للكتاب كاملا لأنه يستحق حيث ربط بين الفكر والفلسفة والترجمات كطريق للنهوض والتطور.
بقى أن أقول بعد التهنئة إنى عرفت عائلة مغيث وهى كبيرة ومنهم الزميل د. كمال مغيث الشقيق الأكبر له ود. فادية مغيث، إنها فعلا عائلة أمدت الثقافة والفكر والتعليم برموز هامة على رأسها د. أنور مغيث الذى شرفنى بالنقاش الفلسفى على رسالتى الأكاديمية، فشكرا للجائزة التى أعطتنى الفرصة للكتابة عنه وعن أعماله بدون حرج الكتابة.