ولكن بدلا من أن يؤدى انتشار هذه النوعية من المعلومات إلى مزيد من التثقيف والوعي، فقد ينتج عنه فى أحيان كثيرة الإرباك لدى المتلقى وضعف الثقة فى المصادر المعرفية، خاصة أنه فى زمن تتسارع فيه المحتويات الرقمية، لم يعد التحدى الأساسى هو الوصول إلى المعلومة، ولا الفرز بين المعلومة الموثوقة والأخرى المضللة بل بات الأمر أكثر صعوبة وذلك من خلال التمييز بين معلومتين كلتيهما صحيح بالأدلة العلمية والآراء المدعومة بدراسات أو تجارب، فيدخل المتلقى فى دائرة من الحيرة والتردد، هذه الحالة لا تعكس فقط وفرة معلوماتية، بل تعكس أيضًا ما يمكن تسميته بـ«الوعى الخانق»: وعى مثقل بالتناقضات إلى درجة تعوق الحكم الرشيد.
هذا الوضع موثق بحثيًا فى أدبيات المعلومات الضارة؛ إذ تشير الدراسات إلى أن السيل المتواتر من الرسائل المتناقضة قد يربك الأفراد ويُنهكهم ويقلل ثقتهم بالمصادر المعلوماتية، بل قد يدفعهم إلى الصمت أو الانسحاب المعرفى بدلًا من اتخاذ موقف واضح، كما أن أبحاث الإرهاق المعلوماتى توضّح أن التزايد الهائل فى تدفق المعلومات الرقمية يخلق عبئًا معرفيًا يجعل المتلقى أقل قدرة على الفرز والمقارنة والتقييم النقدي.
المشكلة الأساسية تكمن فى أن بعض المتحدثين يستخدمون لغة العلم نفسها دون الالتزام بمنهجيته، فيظهر القول كأنه «حقيقة علمية» بينما هو فى الواقع تفسير جزئى لأمر ما، أو دراسة واحدة خارج السياق، أو تعميم مفرط لنتيجة محدودة أو ربما نادرة، ومع التكرار تكتسب هذه النوعية من الخطاب قوة إقناعية حتى لو كان هشًا علميًا، فأصحاب الانطباع بالخبرة يعطون أحيانًا تأثيرًا أقوى من أصحاب الخبرة الحقيقية نفسها من خلال استثمار سمات شخصية لديهم فى عرض المعلومة وإقناع الأفراد بها، خاصة عندما يتلقّى الجمهور المعلومات عبر منصة سريعة ومجزأة لا تسمح بالتدقيق أو أن يصبح الأمر أكثر خطورة عندما تتحول حالة الإرباك هذه إلى هدف من الضرورى تحقيقه حتى يستطيع المتحدث تحقيق الرواج الذى يرغب به من خلال ركوب أمواج الترند بمواقع التواصل الاجتماعى.
ويزداد الأمر تعقيدًا عزيزى القارئ، لأن التضليل لا يأتى دائمًا فى صورة كذب صريح؛ أحيانًا يكون فى صورة اقتطاع من دراسة أو تضخيم لنتيجة أو مقابلة بين نتائج غير قابلة للمقارنة أو التعميم، لذلك فإن الجمهور لا يواجه فقط تضاربًا فى الآراء، بل يواجه أيضًا تضاربًا فى طرق عرض العلم، وعندما تغيب الثقافة العلمية والرقمية يصبح من السهل الخلط بين «وجود رأيين» و«وجود حقيقتين متساويتين»، مع أن العلم غالبًا يميّز بين قوة الأدلة وضعفها بدلًا من وضع كل الآراء على قدم المساواة.
الخطير فى الأمر أن الحصيلة النفسية والمعرفية لهذه الفوضى ليست بسيطة، التعرض المستمر لرسائل متناقضة يرفع منسوب الشك ويؤدى إلى إنهاك ذهني، وقد يفضى إلى ما يشبه حالة أسميتها «الشلل القرارى» وهى أن المتلقى فى النهاية لا يقتنع تمامًا بأى اتجاه ولا يرفضه تمامًا أيضًا، فيبقى معلقًا بين بدائل متنافسة، وتوضح مراجعات علمية حول المعلومات المضللة أن هذه البيئة لا تكتفى بتشويش الرأي، بل قد تقوّض الثقة نفسها فى الخبراء والمؤسسات والإعلام.
ومن هنا تظهر خطورة ظاهرة «الخبير السريع» أو «المؤثر العلمي»، حيث تُستخدم الثقة الشخصية والجاذبية الرقمية لتعويض غياب المنهج، وفى المجال الصحى أو الاجتماعى أو السياسى قد يكون لهذا الأمر أثر بالغ؛ لأن المتلقى قد يغيّر سلوكه بناءً على طرح غير دقيق، أو يرفض معلومة سليمة فقط لأنها اصطدمت بمعلومة متناقضة سبقتها.
الأكثر أهمية الآن هو الإجابة عن سؤال: كيف يمكن أن نخرج من حالة الوعى الخانق هذه؟
الخروج من هذه الحالة لا يكون برفض العلم، بل بترتيب العلاقة معه، أول خطوة هى التمييز بين الدراسة والدليل والاستنتاج؛ فليس كل بحث يصلح لتقرير قاعدة عامة، وليس كل خبير يملك وزنًا علميًا متساويًا، والخطوة الثانية هى العودة إلى تراكم الأدلة لا إلى لقطة واحدة، أى الإجابة عن سؤال: هل النتيجة مدعومة بمراجعات منهجية أو توافق بحثي، أم هى مجرد رأى معزول؟ أما الخطوة الثالثة فهى تعليم الجمهور مهارات التحقق لأن الدراسات الحديثة تؤكد أن رفع الوعى الرقمى والإعلامى يساعد الناس على تقييم المحتوى النقدى بدل تلقيه بوصفه حقيقة نهائية فالتنبيه المسبق وتوضيح أساليب التضليل يرفعان مناعة الجمهور ضد الوقوع فى الفخ، وهو ما يعرف بـ«التحصين المعرفي».
الأهم من ذلك أن المؤسسات الأكاديمية والإعلامية مطالبة بتبسيط العلم دون تشويهه، لأن ما سبق من حل قمت بعرضه لن يستطيع جميع القراء القيام به، وإن استطاعوا فلن يتمكنوا من ذلك على مستوى كافة القضايا والموضوعات، والمشكلة أيضًا ليست فى اختلاف النتائج العلمية، فهذا طبيعى داخل البحث العلمي، بل فى تقديم هذا الاختلاف للجمهور كأنه فوضى كاملة بلا معايير، يا سادة.. العلم يتقدم بالنقاش والتفنيد والمراجعة، لكن الجمهور يحتاج من يشرح له الفارق بين من يجادل بالعلم للوصول لمزيد من الحقائق ومن يتلاعب بالعلم لتحقيق أهداف أخرى.