رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

من أسواق الطاقة إلى التجارة العالمية.. الحروب تعيد توزيع الثروات


6-8-2026 | 15:13

.

طباعة
بقلـم: د. وفاء على

العالم كله يعيش أجواء شديدة التخبط وتقديرات الأسواق أصبحت تخطئ فى قراءة الخطر فهو لا ينتهى وإنما يتغير شكله فقط، تحول الرهان الأمريكى على ثروات الشرق الأوسط النفطية إلى نقمة تكبل بها الاقتصاد العالمى كله.

 

دخلت الأسواق العالمية في حالة ارتباك، وأصبحت تتحرك بالعناوين العريضة التى تغير كل آليات العرض والطلب، حاولت الأسواق شراء هدنة للاحتياطى الاستراتيجى للعالم من النفط وهو لن يدوم إلى الأبد وستأتى اللحظة التى يخشاها الجميع وهى جفاف المخزون الاستراتيجى وهو صمام الأمان وخط الدفاع الأول للدول، فالدول الأعضاء فى وكالة الطاقة الدولية سحبت منذ مارس الماضى أكثر من 290 مليون برميل، لذلك لم تقفز أسعار النفط إلى الحد الكبير لأن السحب من المخزون الاستراتيجى يعطى أريحية للأسواق العالمية.

حتى مخزونات الولايات المتحدة الأمريكية تنخفض بشكل ملحوظ وسط تقلبات أسعار النفط وسعى الإدارة الأمريكية إلى تعزيز إمدادات السوق والحد من الضغط على أسواق الوقود.

إن الأبعاد الاقتصادية للحروب ذات تأثير طويل المدى، حيث إن الحروب الحديثة لا تبقى محصورة فى نطاقها الجغرافى، فبمجرد تصاعد التوترات والمواجهة بين القوى الدولية أو الإقليمية، تبدأ موجات الارتداد الاقتصادية فى الانتشار عبر الأسواق المالية العالمية أيضًا.

وهناك حقيقة قديمة حديثة فى الاقتصاد السياسى أن الحروب تعيد توزيع الثروة كما تعيد توزيع القوة، وأى مواجهة فى الشرق الأوسط تظهر أولا فى سوق الطاقة، خاصة أن هذه المنطقة تضم أهم مراكز إنتاج النفط والغاز وحركة التجارة العالمية، كما تشرف على ممرات بحرية حساسة مثل مضيق هرمز الذى يمر عبره ما يقرب من خمس النفط العالمى.

إن مجرد التوتر فى هذه المنطقة يدفع الأسواق إلى حالة من القلق الاستباقى، تبدأ الأسعار العالمية فى الارتفاع حتى قبل أن يحدث أى تعطيل فعلى فى الإمدادات.

التأثير لا يقف عند النفط وحده، فالحروب الحديثة تربك سلاسل الإمداد العالمية وترتفع أيضًا تكاليف النقل سواء بريًا أو بحريًا، كذلك تكاليف التأمين وتزيد حالة عدم اليقين فى الأسواق المالية.

وهذا ما يجعل المستثمرين يميلون إلى الحذر ويؤجلون قرارات الاستثمار، بينما ترتفع تكاليف الاقتراض على العديد من الدول كأحد الآثار الاقتصادية المباشرة للحروب.

كما أن هناك أثرًا مهامًا غير مباشر يدفع الدول الكبرى إلى التفكير أو إعادة التفكير فى أمن الطاقة.

ويأتى تنويع مصادر الطاقة وبناء تحالفات اقتصادية جديدة كأحد الآثار الاقتصادية الضرورية، وبذلك تصبح الحرب فى كثير من الأحيان نقطة تحول فى بنية الاقتصاد العالمى.

يؤكد التاريخ الاقتصادى فى منطقة الشرق الأوسط أن كل حرب تترك بصمتها على سوق الطاقة العالمية، ولكن يظل النفط والغاز دائمًا أحد أهم المؤشرات التى تعكس توتر الجغرافيا السياسية.

نحن أمام حرب غير تماثلية فيها صاروخ «توما هوك» أمام المسيرات، وهنا تكمن خطورة الموقف والأسواق مع الحروب، فليس الأمر فى النفط والغاز ولكن مساره ومن أين يأخذ طريقه للدول المستهلكة، ولعل السؤال الأبرز ماذا يحدث لو طال أمد الحروب؟

الإجابة هى أن التضخم المفرط والارتفاع الحاد فى أسعار كل شيء واضطرابات سلاسل الإمداد والتموين العالمية التى تضغط على السلع الأساسية، وتراجع القدرة الشرائية وهو ما حدث بالفعل فى تقرير أثبتته جامعة ميشيغان فى تقريرها الأخير، مما يقتضى فرض إجراءات تقشفية فى الدول مع التهديد المباشر لملف الأمن الغذائى مع تآكل المداخيل الحكومية.

نحن أمام أزمة مفتوحة لا يوجد بها سقف زمنى محدد مما يهدد بالغلاء الشامل، ومع تغيير موازين القوى تستنزف الموارد وتتحول الدول نحو اقتصاد الطوارئ محليًا ودوليًا، لذلك «هرمز» يؤلم الجميع فى ميزان الاقتصاد العالمى والتجارة العالمية ويختصر المسافات ويقلل تكاليف الإنتاج.

والسؤال العالق هنا هل العالم كان تائهًا فى غيبوبته بأن هناك ما يسمى اقتصاديات الممرات البحرية وأمن الطاقة، ومع كل تطور علمى تبقى المضائق محور الاقتصاد العالمى ونقاط اختناق حقيقة وتؤثر بشكل مباشر داخل آثار الحروب.

الأسواق تحاول التعافى أو التقاط الأنفاس ولكن لعبة عض الأصابع تشتد، فمن يصرخ أولاً، واشنطن أم طهران بقواعد اشتباك جديدة والكل يبحث عن مخرج استراتيجى بعدما علق الجميع بجانب حالة الاستماتة بين الطرفين الأمريكى والإيرانى فى تجنب الصرخة الأولى، الكل يخشى الانزلاق إلى حرب مفتوحة فى العلن، الكل يحرص على إظهار التمسك بخيار القوة فى مواجهة الآخر، بينما الاقتصاد العالمى يدفع الثمن، وفى النهاية تبدو الخسائر مشتركة بين الجميع، وإلى حديث آخر.

 
 

الاكثر قراءة