رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

المقترح العُمانى لإدارة مضيق هرمز.. هل يُنهى الحرب الأمريكية الإيرانية؟


3-8-2026 | 16:36

جانب من المحادثات العُمالية الإيرانية

طباعة
بقلم: أحمد تركى - خبير الشؤون العربية
لم تغِب سلطنة عُمان يومًا عن ممارسة دورها الدبلوماسى المعروف بالنزاهة والحيادية والحكمة، من خلال تقديم المبادرات أو طرح حلول لأعقد القضايا سواء على المستوى الإقليمى الخليجى والعربى أو على المستوى الدولى، وبرز هذا الدور من خلال الوساطة الهادئة، وتقريب وجهات النظر، واستضافة المحادثات السرية.

الشواهد التاريخية تؤكد أن الدبلوماسية العُمانية نجحت عبر مواقفها الثابتة تجاه القضايا الإقليمية والعالمية فى الاصطفاف مع السلام والدعوة إليه كخيار استراتيجى راسخ لنهجها التاريخى فى حل الخلافات والنزاعات بين الدول مجددة فى كل محفل دعوتها للحوار، كسبيل وحيد للحل وتجنيب الشعوب ويلات الحرب وتداعياتها الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية .

وأثبت موقف سلطنة عُمان -رغم كل التداعيات وتأثيرات الحرب الأمريكية الإيرانية- أنه قرار لا يميل للضغوطات، ولا يتأثر بالضجيج، ويتكئ على إرث من الحكمة السياسية والدبلوماسية القادرة على ضبط موازين وإيقاع التعامل مع الأحداث مع كافة الأطراف، بما يضمن استقلالية القرار، وعدم التدخل فى شؤون الغير، أو تدخل الغير فى شؤونها.

ومع بدء سريان الهدنة والمفاوضات بين أطراف النزاع فى الحرب التى استمرت قرابة 40 يوما بين كل من إيران، وأمريكا وإسرائيل، وما آلت إليه تداعياتها على المستوى العالمى، جددت سلطنة عُمان ترحيبها بعودة أطراف الخلاف إلى طاولة المفاوضات، ودعت العالم إلى تكثيف الجهود لترسيخ الهدنة، ودعم نجاح المفاوضات، لتجنيب العالم مزيدا من الدمار والتداعيات التى طالت الجميع بلا استثناء .

والواقع أن مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران تمت صياغتها بوصفها "بوابة العبور" الأبرز نحو تهدئة إقليمية شاملة، ومدخلا إلزاميا نحو مفاوضات ستناقش ملفات كبرى ومفصلية وتحتوى نزاعا بين البلدين دام سنوات.

بيد أن حسابات الحبر والورق لم تصمد طويلا أمام عاصفة الميدان؛ إذ بدلت التطورات المتسارعة المشهد تماما. وما بين الطموح الدبلوماسى الذى كُتب، والواقع العسكرى المعقد الذى يفرض نفسه اليوم؛ تكشف المقارنة بين بنود الاتفاق الموقّع والوضع الميدانى عن انهيار شبه كامل لخريطة الطريق التى كان مأمولا أن تمتد 60 يوما .

وبالنسبة لمضيق هرمز، فقد نص الاتفاق على أن إيران ستقوم باتخاذ الترتيبات اللازمة وبذل قصارى جهدها لضمان المرور الآمن للسفن التجارية فيه دون أى رسوم لمدة 60 يوما، من الخليج إلى خليج عُمان والعكس، مع استئناف حركة الملاحة فورا واستكمالها فى غضون 30 يوما بعد إزالة العوائق الفنية والعسكرية والألغام.

وبحسب النص الموقع، فإن إيران تُجرى حوارًا مع سلطنة عُمان بشأن الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية فى مضيق هرمز، وبالنقاش مع الدول الساحلية الأخرى المطلة على الخليج، بما يتماشى مع القانون الدولى المعمول به والحقوق السيادية لتلك الدول .

واقعيا كان مضيق هرمز بمثابة الرصاصة التى خرقت جدار الاتفاق؛ إذ تقول إيران إنه يمنحها الحق فى إدارة حركة المرور عبر المضيق وفرض رسوم محتملة بعد 60 يوما. بينما تعارض الولايات المتحدة وأطراف أخرى ذلك، وتقول إن المضيق يجب أن يكون مفتوحا للجميع دون رسوم، كما كان قبل الحرب.

وقد أنشأت الولايات المتحدة مسارًا بديلاً فى المضيق قرب ساحل عمان وخارج سيطرة إيران، وأدت الهجمات على السفن التى تستخدم هذا المسار إلى تجدُّد الأعمال العدائية، ومن ثم انخفاض حركة الملاحة عبر المضيق بشكل حادّ مع تصاعد القتال فى الأيام الأخيرة .

وفى ظل هذا الوضع المعقد والمتشابك، قدمت سلطنة عُمان إلى إيران مقترحًا ينص على إنشاء آلية إقليمية لإدارة مضيق هرمز، مع الاكتفاء بمساهمات مالية اختيارية من السفن مقابل خدمات محددة، مستندة فى ذلك إلى نموذج مضيق ملقه، فى صيغة تختلف عن رؤية طهران التى تسعى إلى تثبيت سيطرتها على الممر المائى وفرْض رسوم على استخدامه.

تضمن المقترح العُمانى، إنشاء آلية للدفع الطوعى مقابل الخدمات المقدمة للسفن العابرة للمضيق، فى إطار رؤية تهدف إلى تعزيز تنظيم حركة الملاحة وتأمين الخدمات البحرية فى أحد أهم الممرات المائية فى العالم. ورفضت إيران المقترح العُمانى المتعلق بالإدارة الإقليمية المشتركة لمضيق هرمز، معتبرة إياه غير قابل للتطبيق، ومتمسكة بالسيادة المنفردة على الممر المائى، ومع ذلك أعلنت طهران أنها مستمرة فى مباحثاتها مع عُمان وأنها فى المرحلة النهائية .

المؤكد أن سلطنة عُمان تتعامل مع الحرب الجارية فى المنطقة من موقع شديد التعقيد؛ فهى تتحرك بين أطرافها لفتح طريق نحو التهدئة، وفى الوقت نفسه تقع داخل الجغرافيا التى تهددها الحرب وتعيد ترتيب توازناتها. مضيق هرمز جزء من أمن وسيادة عُمان واضطراب الملاحة فيه يطال اقتصادها وموانئها وخططها التنموية، وأى نظام إقليمى تفرزه هذه الحرب سيؤثر فى موقعها وعلاقاتها لعقود.. لذلك تمثل الوساطة العُمانية فى هذه الأزمة امتدادا لسياستها التاريخية كما تمثل دفاعا مباشرا عن أمن الدولة ومستقبل المنطقة.

ولذا تتجه أنظار العالم إلى نتائج المحادثات الجارية بين سلطنة عُمان وإيران بشأن إعادة فتح مضيق هرمز والممرات المائية التابعة للطرفين، خاصة أن الرئيس ترامب قد أمر بوقف أو تعليق الضربات العسكرية ضد إيران لحين الانتهاء من المحادثات .

تأتى هذه المحادثات فى أعقاب استئناف الولايات المتحدة هجماتها على إيران فى السابع من يوليو، فى محاولة لوضع حدّ لسيطرة طهران على المضيق، وذلك بعدما أسهمت مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب أُبرمت بين الجانبين فى يونيو، فى تهدئة التوترات فى المنطقة لبعض الوقت. واكتسبت عُمان خلال العقود الماضية قدرة نادرة على مخاطبة أطراف انقطعت الصلات بينها، ساعدت اتصالاتها الهادئة فى تمهيد الطريق إلى الاتفاق النووى الإيرانى عام 2015، وأسهمت فى ملفات اليمن، وفى تهيئة الطريق أمام التقارب السعودى الإيرانى، وفى تسهيل إطلاق محتجزين خلال أزمات مختلفة. وتكشف هذه السوابق عن منهج متماسك يتجاوز تسجيل النجاحات الدبلوماسية، ويقوم على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة والفصل بين الخلاف والعداء، وإدراك أن دول المنطقة ستظل متجاورة بعد انتهاء الحروب مهما بلغت حدة المواجهة بينها. وإذ تمنح هذه السياسة عُمان أوراقا مهمة فى الأزمة الراهنة، فهى تحتفظ بعلاقات فاعلة مع طهران وواشنطن، وتنتمى إلى مجلس التعاون وتملك خبرة متراكمة فى إدارة المفاوضات غير المباشرة، كما تتحمل مسؤولية قانونية وسيادية خاصة فى مضيق هرمز. غير أن قيمة هذه الأوراق تكمن فى قدرتها على فتح مسارات التسوية، فيما يبقى قرار السير فيها مرهونا بأطراف ما زالت تعتقد أن مزيدا من القوة قد يحسن شروطها السياسية. سيناريوهات أمام استمرار المحادثات بين طهران ومسقط بشأن مضيق هرمز، يمكن طرح عدة سيناريوهات مستقبلية وهي: الأول- سيناريو الوضع قبل الحرب: يتكون المضيق من المياه الإقليمية لإيران وعُمان، وتمر الحدود البحرية فى منتصفه. وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التى تحكم القانون البحرى الدولى، على أنه لا يجوز للدول المُطلة على المضائق المطالبةُ برسوم لمجرد منح الإذن بالمرور. ومع ذلك، يمكنها فرض رسوم محدودة مقابل خدمات محددة، مثل الإرشاد البحرى أو القَطْر أو خدمات الموانئ، بشرط ألا تكون تمييزية أو أعلى بالنسبة إلى دول بعينها. ولم تُوقّع إيران ولا الولايات المتحدة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لكنها تُعد على نطاق واسع مرجعًا للقانون البحرى الدولي. واتفقت إيران وسلطنة عُمان مع المنظمة البحرية الدولية فى عام 1968 على خطة مرور تنص على استخدام السفن الكبيرة الممرات البحرية الواقعة فى منتصف المضيق. وتقول المنظمة إن الألغام التى زرعتها إيران خلال الحرب جعلت ذلك المسار غير آمن حاليًا. وأمام إصرار إيران وتمسكها بموقفها بفرض رسوم على العبور، وأن المضيق بعد الحرب لن يكون كما كان قبل الحرب، وفى ضوء ارتباك وتخبط القرارات الأمريكية، مرة بالإعلان عن ضربة عسكرية قوية على إيران، ثم يعقبها قرار بتعليق الضربة لمدة أيام لمنح الدبلوماسية دورها، يبدو هذا السيناريو غير قابل للتطبيق على أرض الواقع. الثانى- سيناريو فرض الرسوم: التاريخ الحديث لم يشهد إجراءً أحاديًا مماثلًا لفرض رسوم على عبور مضيق دولي. وتُبدى دول المنطقة قلقًا بالغًا حيال فرض الرسوم؛ نظرًا إلى أن مضيق هرمز يمثل منفذها الرئيسى إلى أعالى البحار لتصدير إمدادات الطاقة الحيوية. وتُعامل قناتا بنما والسويس، اللتان شُقتا اصطناعيًا ولم تتشكلا طبيعيًا، معاملة مختلفة عن المضائق البحرية. أما المضائق التركية، وهى البوسفور وبحر مرمرة والدردنيل، الواقعة بين البحر الأسود والبحر المتوسط، فتخضع لاتفاقية مونترو لعام 1936، التى تضمن حرية مرور السفن التجارية فى وقت السلم. وتسمح الاتفاقية لتركيا بفرض رسوم موحدة لتغطية تكاليف الخدمات، لكنها لا تمنحها حق فرض رسوم عامة على العبور. ولا تفرض سنغافورة أى رسوم على السفن العابرة لمضيق سنغافورة. وبناء على ما سبق، يبدو هذا السيناريو غير قابل للتطبيق أيضًا. الأخير- سيناريو التهدئة والتفاهمات المؤقتة: وهو وقف الحرب الأمريكية على إيران وفكّ الحصار الأمريكى عليها مقابل فتح المضيق، مع وجود تحوطات إيرانية للمستقبل، والتوصل لتفاهمات عُمانية إيرانية مؤقتة تعمل على حلحلة الموقف المتصلب من الجانبين الأمريكى والإيراني. وإيًا كانت النتائج المتوقعة للمحادثات العُمانية الإيرانية، يمكن القول إنها ربما تشكل لبنة محورية يمكن البناء عليها أو تطويرها لوضع حدّ لنزيف الحرب فى المنطقة، باعتبار هذه المبادرة تأتى من قلب دول المنطقة، وتعكس حالة الإقليم فى الخليج.

الاكثر قراءة