رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

المهرجان القومى للمسرح ينتصر لـ«بلد المحبوب».. و«التياترو» فى انتظار الجوائز..!


2-8-2026 | 16:36

.

طباعة
بقلم: محمد رمضان عدسة: إبراهيم بشير
«رهان على مجهول».. هكذا هو حال جميع المغامرين الذين يتخذون من الحلم عنوانًا لطموحهم فى الحياة، فإما أن ينتصروا بالوصول إلى غايتهم أو الانهزام والاستسلام لواقعهم المرير..

هذا ما لمسته فى روح التحدى التى يتمتع بها النجم الكبير محمد رياض رئيس المهرجان القومى للمسرح المصرى لأربع دورات متتالية هو ورفاقه، حيث شهدت هذه الدورات العديد من النجاحات والطموحات بمعاونة الدكتور عادل عبده مدير المهرجان الذى تولى مهمته منذ عامين بخروج أنشطة المهرجان إلى العديد من محافظات مصر، تحقيقًا لمبدأ العدالة الثقافية الذى تتبناه الدولة المصرية من منطلق حرصها على دعم تكافؤ الفرص فى تلقى جموع المصريين على حد سواء خدماتها الثقافية..

 

 

انطلقت هذه الدورة الـ19 بإحيائها المزيد من الفعاليات المتنوعة التى تضمنت الكثير من الندوات والورش الفنية وتواصل الأجيال من خلال «الماستر كلاس» للاستفادة من الخبرات المتراكمة لدى نجوم المسرح المصرى أمثال النجمة الكبيرة سهير المرشدى التى أُقيمت لها ندوة «ماستر كلاس» داخل مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية مسقط رأس الست أم كلثوم صاحبة أغنية «على بلد المحبوب» وغيرها من الفنانين العظماء أبناء محافظة المنصورة مثل النجم أحمد وفيق وسامح الصريطى والكاتب وليد يوسف وغيرهم من كبار رموز المسرحيين، فضلًا عن الاستثمار الجيد لنتاج الورش الفنية بالمهرجان من خلال إنتاج المهرجان بالتعاون مع صندوق التنمية الثقافية للعرض الرائع جدًا «فتاة المترو» الذى يعد باكورة العروض المسرحية التى تولى المهرجان هذا العام ضرورة خروجها للنور بهذا العرض المسرحى الفائز بمسابقة المهرجان فى العام الماضى للتأكيد على حرص المهرجان ودعمه على إمداد الحركة المسرحية بدماء شابة من الفنانين الواعدين.

يشترك فى هذه الدورة ستة وثلاثين عرضًا مسرحيًا من مختلف الفرق المسرحية ويعرض على هامش المهرجان ثلاثة عروض أخرى، ويشارك قطاع المسرح بوزارة الثقافة فى المهرجان هذا العام بعشرة عروض مسرحية من بينها العرض المتميز «التياترو» من إنتاج المسرح الحديث بقيادة الفنان محسن منصور، حيث يتقاسم هذا العرض الرائع فكرة هذا المهرجان نفسها القائمة على بث روح التحدى والمغامرة لدى الجمهور بطرحه الفنى المتجدد من خلال تقديمه قالبًا كوميديًا غنائيًا استعراضيًا ينبثق من فكرة تحدى الشباب للضغوط التى قد يواجهونها خلال معترك حياتهم.

يندرج هذا العرض تحت مسمى العروض الميوزيكال التى تجمع ما بين الغناء والاستعراض والكوميديا الخالصة التى تبتعد عن الابتذال باعتمادها على كوميديا الموقف، والتى صاغها ببراعة المؤلف أحمد الملوانى الذى يقدم إلينا نصًا يعبر من خلاله عن قضية من أهم قضايا المجتمع، وتتلخص فى سطوة أنصاف الموهوبين على المشهد فى كافة المجالات، ولكنه أراد أن يختزل ذلك كله من خلال إلقائه الضوء على ما يحدث أحيانًا داخل المجال الفنى بشكل واقعى بلوره لجمهوره بتحكم المنتج «سامى السمح» الذى فشل فى مستهل حياته فى أن يلتحق بفرقة «اللورد المسرحية» كممثل لكونه ليس موهوبًا، ومن ثم أراد أن ينتقم من المجتمع بأكمله ويمارس عقده النفسية على الموهوبين بإحباطهم واستغلالهم لتحقيق مجد شخصى لنفسه من خلال تنظيمه مسابقات فنية لهم لإحباط الموهوبين باختياره أفشلهم لكى يفرض وصايته الفكرية والفنية من خلال هذه المسابقات على الجمهور، معلنًا الحرب على عقول الجماهير بتشجيعه لكل ما هو غث وردىء من أعمال فنية بغرض إفساده للذوق العام.

استطاع المؤلف أحمد الملوانى من خلال نصه المكتوب بحنكته الإبداعية أن يجذب الجمهور إلى عرضه الرائع بلغة تتواكب مع مفردات العصر من دون أن يشوبها أى نوع من الإسفاف.

كما أن نجاح «الملوانى» فى طرحه لقضية الظلم التى قد يتعرض لها بعض الشباب الموهوبين قد جعل المتلقى يرى نفسه جزءًا من عرضه، فمن منا لم يتعرض للظلم فى حياته بتفضيل عليه أنصاف الموهوبين فى مجال عمله، لدرجة أن البعض يتعامل مع الكوميديا الراقية التى يقدمها هذا العرض المتفرد على كونها كوميديا سوداء ترفع شعار «هم يضحّك وهم يبكّى».

هذا النص المسرحى يعطى انطباعًا للمتلقى بأنه يعبر عن تجربة شخصية لمؤلفه الموهوب أحمد الملوانى الذى من المحتمل أن يكون قد تعرض فى مقتبل عمله بالمسرح إلى هذه الإحباطات وتلك الابتزازات داخل الوسط المسرحى، لذلك استطاع عرضه أن يمثل حالة من التحديات التى تواجه بدايات الشباب داخل الوسط الفنى أو بصفة عامة فى معترك الحياة العملية، ما جعل عنصر المصداقية يتوافر فى كافة أحداث مسرحيته، بالإضافة إلى لمسات المخرج أحمد فؤاد الواضحة والتى انعكست على اختياراته الجيدة لجميع ممثليه بالعرض وتقديمه عرضًا تتوافر فيه كل عناصر الفرجة المسرحية والتى تتمثل فى نص يطرح قضية تهم الجميع، بالإضافة إلى تركيزه على بعض المفردات الكوميدية والغنائية التى تمثل حالة من «النوستالجيا الغنائية الساحرة» بتطعيم المخرج عرضه ببعض الأغانى التراثية لسيد درويش وأم كلثوم وعبدالوهاب وغيرهم من عمالقة الغناء كنوع من الرمزية لاستعادة الحنين للماضى لإحياء أمجاد فرقة «اللورد» المسرحية، بالإضافة إلى الاستعراضات التى وظفها المخرج بشكل ينم عن خبرته فى إيجاد حالة من الإبهار والإيقاع السريع، كى ينجو بعرضه من السقوط فى فخ الملل، وإن كانت النصف ساعة الأولى من هذا العرض قد يشعر أثناءها البعض بنوع من الرتابة والمط والتطويل، إلا أن إسناد المخرج للنجم التليفزيونى نور محمود بطولة عرضه المسرحى للمرة الثانية بعد تألقه معه فى عرض «النقطة العمية» الذى قدمه من قبل فى مسرح الغد كان له دور كبير فى جذب الجمهور لمتابعة أحداث هذا العرض، خاصة أن أداء الفنان الراقى نور محمود يتصف بالسلاسة والتلقائية ما جعل الجمهور يتوحد مع أدائه الصادق لشخصية «آدم مندور» المؤلف والمخرج المسرحى الشاب الذى أراد المنتج الفاسد «سامى السمح» إحباطه بمنحه على مضض الجائزة الأولى فى مسابقة يستعبد بها الذوق العام مناصفة مع شاب آخر يفتقد للموهبة والذى يرمز إلى هذا المنتج الفاسد الذى ينتصر عليه فى النهاية هذا المؤلف المسرحى الشاب «آدم مندور» بإرادته وإصراره على تحدى هذا المنتج الفاشل الذى يدعم كل ما هو سيئ وردىء.

بلا شك أن شخصية المنتج الفاسد «سامى السمح» الذى يجسده بدوافعه النفسية المريضة الفنان الرائع عبدالمنعم رياض كانت مبعث لتحريض الجمهور على رفضه لما تحمله من دلالات تهدر قيمة كل ما هو جيد داخل المجتمع.. نجح عبد المنعم رياض فى أن يمتع جمهوره كالعادة بأدواره ذات الأبعاد النفسية المركبة بأدائه الكوميدى وخفة ظله المطلقة فى تأكيده لجمهوره الذى شاهده من قبل يستحوذ على إعجابهم بأدائه المتفرد لشخصية «سرحان الهلالى» فى مسرحية «أفراح القبة»، إلا أن «عبدالمنعم» استطاع ببراعته المعهودة فى أن يبتعد بشخصية «سامى السمح» عن ملامح «سرحان الهلالى»، ذاك الشرير المتخفى خلف ستار تعاطفه مع أبطال مسرحية أفراح القبة ليكشف عن وجهه القبيح فى نهاية العرض، إلا أنه فى هذه المرة يقدم إلينا الشرير منذ بداية ظهوره على المسرح الذى ينتقم من جميع أقران حلمه الذين نجحوا فى أن يصبحوا فنانين بالإضافة إلى أنه غلب على أداء عبد المنعم رياض لشخصية «سامى السمح» حسه الكوميدى المفرط، لكن هذا لم يمنع بعض الجمهور من أن يصفوه بأنه «أدهمى الهوى» أى أن أداءه يذكرهم أحيانًا فى بعض مشاهده بالمسرحية بأداء الراحل عادل أدهم بتألقه فى أداء أدوار الشر، إلا أن عبد المنعم رياض استطاع أن يقدم لنا شخصية «سامى السمح» بحرفية تنم عن مدى براعته ونضجه، ما جعل المؤلف أحمد الملوانى يلخص كل دوافع «سامى السمح» فى جملة أوردها على لسان هذا البطل فى إفساده للذوق العام وسعيه خلف صناعة التريندات بتقديمه للأعمال الفنية النشاز التى تستهدف الإضرار بالذوق العام بأنه «يطبخ الطبخة السيئة للمجتمع ولا يتناولها».

كما ظهرت بصمات المخرج الإبداعية على أحداث هذا العرض من خلال استعانته بمهندس الديكور أحمد أمين الذى قدم لنا ديكورًا يعبر بصدق عما آل إليه حال «مسرح اللورد» من انهيار بظهور البراويز الفارغة وتحوله من مسرح يبث الفكر والإبداع إلى مجرد «خرابة» بها أشياء متناثرة وبلا قيمة مثل الجرادل المنكسة التى رأيت من خلالها مشهدًا أشبه بمحاكمة الظروف التى أدت بهذا المسرح إلى حالة من التردى والانسحاب من الحركة المسرحية، فضلًا عن أن تألق الفنانة الشابة ألحان المهدى التى جمعت ما بين الحس التطريبى المرهف وأدائها التمثيلى المتقن لشخصية «دنيا» تلك الفتاة التى تحلم هى الأخرى لكى تكون ممثلة على غير رغبة أبيها «بسيونى المنياوى» الذى يجسده بأداء كوميدى راق الفنان المبدع أحمد السلكاوى الذى يتعاون مع بطل العرض «آدم مندور» فى محاولة جادة لإعادة بعث وإحياء فرقة مسرح اللورد للساحة المسرحية مرة أخرى من خلال الاستعانة بفنانيها القدامى الذين أرى ظهورهم بمثابة طاقات كوميدية متجددة وكان على رأسهم الفنان الكوميدى المحترف «محمد يوركا» الذى نجح فور ظهوره على المسرح من خلال أدائه لدور «عمارة المنشاوى» فى إسعاد كافة جمهور العرض بخفة ظله وحضوره الساخر الطاغى الذى يستحوذ بتلقائيته على نظرات إعجاب الجمهور ويستأثر لنفسه بأصوات ضحكاتهم التى تعانق السحاب.. «يوركا» سبق له أن استحوذ على إعجابى أثناء اشتراكه فى مسرحية «الحفيد» منذ عدة سنوات داخل المسرح القومى ما أكد لى مصداقية أدائه فى جميع أدواره وتشاركه فى ذلك «صفية العويل» إحدى نجمات فرقة مسرح اللورد القدامى التى تؤديها باقتدار الفنانة شريهان الشاذلى التى استطاعت بأدائها الكوميدى المتميز أن تكون أشبه بطلقة الكوميديا الحية داخل هذا العرض المبهر.

يعد من أهم الوجوه الشابة المشاركة فى هذا العرض الفنانة المتألقة دائمًا سمر نجيلى التى أدت دور فتاة بلوجر يستغلها سامى السمح فى عمل دعاية لبضاعته الرديئة من خلال توقيعه معها عقد احتكار بشرط جزائى مليون دولار ومنعها من تحقيق حلم حياتها فى أن تكون ممثلة، إلا أنها تحررت من الوقوع فى أسر مطامعه، حيث نجحت سمر فى إضفاء نوع من الواقعية بأدائها المتميز لدورها، خاصة أنها ممثلة تجيد أداء جميع أدوارها بطابع كوميدى، فقد بدأت متابعتها منذ ظهورها فى مسرحية «1980 وأنت طالع» داخل مسرح الهوسابير منذ عدة سنوات، إلا أننى قد لمست مدى تطور أدائها من خلال مسرحية «التياترو»، كما تألق الفنان الشاب باسم سليمان الذى نجح فى أن يصنع لنفسه «كاركتر» خاص به منذ أن شاهدته من قبل فى مسرحية «أفراح القبة»، إلا أنه أثبت للجميع بأنه فنان موهوب يمتلك أدواته ويستطيع توظيفها بشكل يجعله يحظى بقبول واستحسان الجمهور، أما مفاجأة العرض الثنائى المتميز، فادى رأفت وهاجر البديوى اللذان سقطا فى أسر الحب والهوى بأدائهما المتميز، فقد برع كلٌ منهما فى أداء دوره بوسامة حسه الفنى الراقى، فلأول مرة أشاهد «فادى» من خلال أدائه بهذا العرض والذى ينبئ عن ميلاد نجم صاعد فى عالم الكوميديا بأدائه السلس، أما هاجر البديوى خريجة كلية التربية الموسيقية والتى تجمع ما بين الحسنيين، حيث تمتلك صوتًا عذبًا وأداءً تمثيلًا رائعًا، فقد شاهدت لها من قبل داخل الأوبرا المصرية أوبريت «الباروكة» لسيد درويش، وكان أداؤها جذابًا، أما فى تجربتها مع مسرحية «التياترو» فقد تأكدت موهبتها وحضورها للجميع.

كما أنه تضافرت بجانب الأداء الرائع للممثلين كل عناصر النجاح لهذا العرض والتى تندرج تحت فن السينوغرافيا من موسيقى لشهاب محمد وديكور متميز لأحمد أمين وملابس مبهرة من تصميم أميرة صابر وإضاءة لأبو بكر الشريف واستعراضات لمحمد بيلا وماكياج لرحاب طايع، لذا أتوقع لهذا العرض الناجح حصوله على عدة جوائز داخل مسابقة المهرجان القومى فى دورته الحالية.

بالإضافة إلى وجود لمسات مدير دار العرض المخضرم ممدوح حفنى ورفاقه الذين يبذلون أقصى ما فى وسعهم من أجل التيسير على الجمهور فى عملية دخولهم المنضبط داخل قاعة العرض الكبرى بمسرح السلام. 

 

الاكثر قراءة