في مشهد غير مسبوق منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، شهد المسجد الأقصى أكبر اقتحام للمستوطنين الإسرائيليين بعدما فتحت سلطات الاحتلال باب المغاربة على مصراعيه أمام أكثر من أربعة آلاف مستوطن بحماية مشددة من الشرطة، لإحياء ما يُعرف بـ"ذكرى خراب الهيكل"، وبحسب دائرة الأوقاف الإسلامية ارتكب المقتحمون انتهاكات غير مسبوقة داخل ساحات المسجد كان أبرزها إدخال ما زعموا أنه "حجر الهيكل"، إلى جانب أداء طقوس دينية خاصة بمناسبة "التاسع من آب العبري" الذي يعتقد اليهود بأنه يوافق ذكرى تدمير الهيكلين الأول والثاني.
وأعلنت محافظة القدس أن سلطات الاحتلال فرضت إجراءات عسكرية مشددة في محيط البلدة القديمة ومنعت أعدادا كبيرة من المصلين الوصول إليه، في حين تمكن عدد كبير من المستوطنين الدخول إلى باحات المسجد ومعهم ما يُعرف بلفائف "التفلين" السوداء الخاصة بالصلاة اليهودية، ورددوا الأناشيد والأدعية التوراتية بصوت مرتفع، بينما أقدم العشرات على أداء طقس السجود الملحمي قبالة قبة الصخرة في المسجد الأقصى، والذي يكون بالانبطاح الكامل واستواء الجسد على الأرض مع بسط اليدين والقدمين والوجه بالكامل.
انتهاكات متكررة
وأشارت إلى أنه بالإضافة لتلك الطقوس الدينية التي مارسها المستوطنون كانت من أبرز الانتهاكات هو ما قام به الحاخام أرييه ليبو الذي حمل حجارة جلبها من مستوطنة "حفات جلعاد" قرب مدينة نابلس شمالي الضفة الغربية، على اعتبار أنها ستُخصص لبناء الهيكل المزعوم، وخلال مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، أعلن الحاخام المتطرف يهودا جليك، عن الحدث قائلًا: "جلبنا أحجارا من بينها حجر أساس، لنتمكن من بناء بيت الرب"، وأن من بينها حجرًا صغيرًا مائلًا إلى اللون الوردي، زعم أنه "حجر من السماء".
فيما أعلنت وزارة الأوقاف والشئون الدينية الفلسطينية أن اقتحام المسجد الأقصى يُعد "انتهاكًا صارخًا لحرمة المقدسات الإسلامية، وتعديًا خطيرًا على الوضع التاريخي والقانوني القائم (الستاتيكو) في المسجد الأقصى المبارك"، ويُقصد بالوضع التاريخي والقانوني القائم، مجموعة الترتيبات المعمول بها منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، والتي تقضي بأن تتولى دائرة الأوقاف الإسلامية التابعة للأردن إدارة شئون المسجد الأقصى، مع اقتصار أداء الشعائر الدينية داخله على المسلمين، في حين يُسمح لغير المسلمين بزيارته في أوقات محددة دون ممارسة أي طقوس دينية، وتعود أصول اتفاق الوضع القائم في القدس إلى العهد العثماني، وقد اعتُرف به دوليا في مؤتمر باريس عام 1856، وتضمن منع إدخال أي تعديلات على الوضع الراهن في الأماكن المقدسة.
وأضافت الوزارة أن استغلال المناسبات والوقائع اليهودية لتكثيف الاقتحامات وأداء الطقوس التلمودية داخل المسجد الأقصى يأتي ضمن مخططات الاحتلال الممنهجة لفرض التقسيم الزماني والمكاني أمرا واقعا، وأن المسجد الأقصى المبارك بمساحته الكلية البالغة 144 دونما هو حق خالص للمسلمين وحدهم، ولا يقبل القسمة ولا الشراكة".
ويرى الفلسطينيون والأردنيون أن السماح للمستوطنين بأداء الصلوات أو إدخال رموز ذات طابع ديني إلى باحات المسجد الأقصى يمثل انتهاكا لترتيبات "الوضع القائم"، ومحاولة لتغيير الواقع التاريخي والقانوني للمسجد، وبحسب محافظة القدس فإن ما تشهده باحات المسجد لم يعد يقتصر على أنشطة تنفذها جماعات استيطانية متطرفة، بل أصبح جزءا من سياسة إسرائيلية رسمية تستهدف فرض وقائع جديدة داخل المسجد الأقصى وتقويض وضعه التاريخي والقانوني، تمهيدا لتكريس مشروع التقسيم الزماني والمكاني، وفي المقابل يرى بعض المراقبين أن الزيادة الملحوظة في أعداد المقتحمين هذا العام، إلى جانب طبيعة الانتهاكات التي شهدها المسجد تعكس توظيفًا سياسيًا لهذه الاقتحامات، لا سيما أن إحياء ما يُعرف بـ"ذكرى خراب الهيكل" تزامن هذا العام مع انطلاق أول سباق انتخابي في إسرائيل منذ اندلاع الحرب على غزة، وهو ما جعل اتساع نطاق الاقتحامات وتطور طبيعتها أمرا متوقعا حتى قبل أن تبدأ جماعات "المعبد" المتطرفة في الترويج لفعالياتها والإعلان عنها.
عمل خطير
وفي سياق النوعية غير المسبوقة من الانتهاكات، رصدت بعض المؤسسات الفلسطينية ارتكاب بعض المستوطنين عملا خطيرًا في المسجد الأقصى، حيث أقدموا على رسم شعار "المخلص في بيت الرب" الديني الذي يستعمله بعض أفراد هذه الجماعات المتطرفة، وهو شعار التاج الذي يتشكل من حرفين من كلمة (المسيح)، على مستطيل يشير للمعبد، وتحمل تلك الخطوة دلالات كثيرة ترتبط بفكرة "المعبد الثالث" التي يروج لها اليمين الصهيوني الديني الإسرائيلي، إضافة إلى اليمين الإنجيلي المسيحي الأمريكي، ولكن الأمر الأكثر خطورة هو أن العقيدة الخلاصية لم تعد تصورا دينيا مجردا وإنما تحولت إلى برنامج سياسي انتخابي.
إذ إن التخريب المتعمد بالرسم على حجارة المسجد الأقصى مسألة جديدة لم يشهدها المسجد منذ احتلاله، وهذا العمل ليس معزولا ولا مقصورا على جماعة دينية متطرفة بحد ذاتها، فإحياء ما يسمى "ذكرى خراب المعبد" في ظل الانتخابات لا يقتصر فعليا هذا العام على تيار الصهيونية الدينية، ففي تلك الاقتحامات غير المسبوقة حرص نفتالي بينيت، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "البيت اليهودي" اليميني سابقا وحزب "بينيت 2026" حاليا، على الظهور أثناء إحياء ذكرى خراب الهيكل، فيما شارك عضو الكنيست اليميني المتطرف إيتمار بن غفير المستوطنين في أداء صلاة حاشدة بعد صلاة العشاء أمام باب القطانين، أحد أبواب المسجد الأقصى من الناحية الغربية، فيما اختار بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الحالي استذكار هذه المناسبة في خطاب له بالتبشير "بخلود" إسرائيل.
وتظهر تلك المشاهد السياسية والمُغلفة بالغطاء الديني محاولة التيار اليميني المتطرف في فرض واقع جديد على المسجد الأقصى من أجل الفوز وحشد أصوات اليمين المتطرف بالانتخابات القادمة؛ إذ تسعى الجماعات الدينية المتطرفة وعلى رأسها "معهد المعبد" أكبر وأقوى منظمات جماعات المعبد المتطرفة حاليا إلى فرض واقع المشاركة الكاملة في الزمن في المسجد الأقصى بين المسلمين واليهود، وتنفيذ فكرة التقسيم الزمني الكاملة حسب وعد نائب رئيس الوزراء "ياريف ليفين" الذي قدمه لهذه الجماعات خلال احتفالات "عيد الحانوكاه" نهاية العام الماضي، ولعل هذا هو سبب تسمية المسيرة الليلية التي جابت الشوارع المحيطة بالمسجد الأقصى في عشية "ذكرى خراب الهيكل" باسم "مسيرة السيادة"، فالسيادة هي ما ينقص إسرائيل في المسجد الأقصى مهما حاولت أن تظهر غير ذلك.