رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

العميد والقائد.. وما بينهما


9-7-2026 | 13:43

.

طباعة
بقلـم: إيمان رسلان

أكتب هذا المقال بعد الفوز على أستراليا وقبيل مباراتنا مع الأرجنتين، وأتمنى أن نفوز طبعا، ولكن أيًا ما كانت النتيجة فينبغى أن نقول شكرا لمنتخب مصر فردًا فردًا وعلى رأسهم «العميد» حسام حسن، والقائد الفذّ المذهل محمد صلاح، وهو موضوع مقالى عن هذا الجيل تحديدا، وما حدث من تطور علمى وذهنى، لنعبر من مقولة التمثيل المشرف إلى الفوز وتخطى الأدوار الإقصائية.

لماذا نكتب الآن؟ ولماذا فرحنا تلك الفرحة العارمة؟ ولماذا نشعر بالسعادة والفخر والقلق أيضا؟.. أقول لكم وبصدق، لأننا عبرنا مفاهيم ترسخت فى العقل الجمعى، وأتمنى ألا يتعالى بعض من نخبنا والمثقفون أو الأساتذة على الكرة وأنها إلهاء، وينظروا للأمر من وجهة نظر الشعب، ويتدارسوا الأمر بجدية، سواء عن حالة كرة القدم منذ بدايتها كلعبة الغوغاء والعامة كما وصفها الأرستقراطيون والحكام فى بدايات انتشارها، وربما فى استعلاء لأنها لعبة العامة، ولهذا نجحت عالميا، لأن العامة هم الشعوب والأغلبية، وبتطبيق حالة ذلك على فريقنا القومى وجمهورنا فى انتمائه لحب الكرة.

منذ سنوات قليلة كنت فى زيارة لمدينة كامبريدج البريطانية، وهى مدينة قائمة بأكملها على الجامعة العريقة والتى تضم 31 كلية، وهى ثانى أقدم جامعة بعد أكسفورد العريقة، ومدينة كامبريدج ممتعة للزيارة والتجول بمعالمها التاريخية؛ فتعيش فى أجواء صناعة تاريخ الفلسفة والعلم والإنجاز الفكرى والتكنولوجى، من شجرة نيوتن الشهيرة، لمبنى وكلية دارون، ثم للكلية ترينتى التى تخرج فيها أعظم فلاسفة القرن العشرين برتراند رسل وبالجامعة أيضا فرانسيس بيكون، وفنجشتاين، وزرت مقر كلية الرياضيات ومبنى العالم الفذّ بها ستيفن هوكينج، وقد درس بها مطور القنبلة الذرية أوبنهايمر.

لماذا أذكر كامبريدج الآن؟.. لأن علاقتها بكرة القدم وكأس العالم وطيدة، حيث وضعت أول القواعد عام 1848، أى قواعد كرة القدم التى نلعب بأغلبها الآن؛ ففى هذه الجامعة العريقة الآن وكانت بدايتها بلدة صغيرة قريبة للغاية من جامعة أكسفورد. وفى عام 1209، وقعت حادثة قتل بأكسفورد أدت إلى معارك وهروب الأساتذة إلى قرية مجاورة هى كامبردج، وهناك أعادوا تأسيس كلياتهم ونشأت الجامعة منذ ذلك الوقت، وكانت القرى والمواطنون البسطاء والفلاحون ينظمون لعبة للترفيه هى اللعب بكرة الأرجل، وهو ما أطلق عليه لاحقا كرة القدم، وكانت تنظم المباريات بين القرى المتجاورة فى أيام الإجازات ونهاية الأسبوع، وكانت الأرستقراطية بل الحكام والسياسيون لا يمارسون هذه اللعبة باستعلاء شديد عليها، ويبغض بعضهم اللعبة لأنها لعبة العامة والرعاع، ولكنها انتشرت رغما عنهم لأنها لعبة الأغلبية البسطاء، وتجرى فى العلن بين الجميع، ولكل قرية مشجعون، وهنا كانت الحاجة لوضع القواعد؛ فتم وضع القواعد بجامعة كامبردج، وفى المدينة يفتخرون بذلك ويتداولون ذلك بالجامعة وتاريخها، وحينما تأسس الاتحاد الإنجليزى بعد ذلك أخذ هذه القواعد من كامبردج، وأضاف إليها بعض القواعد مثل ضربات الجزاء. وفى حقبة الاستعمار الإنجليزى، انتشرت اللعبة بالبلاد المختلفة، وانتقلت الفكرة كذلك لتطبقها المستعمرات الأخرى المنافسة للإنجليز مثل الاستعمار الفرنسى، كانت لعبة الرعاع العلنية أمام الجميع هو سر تعلق وحب الملايين بها.

ولأنها مثل أى شيء عالمى؛ تأسست منظمة دولية لها، وبدأ كأس العالم، وغالبا شبه احتكار للدول المتقدمة، ومعها القليل من أمريكا الجنوبية التى عشقت اللعبة وتفوقوا بها للغاية، إذن بداية القواعد والشهرة جاءت من الجامعات وأساتذتها.

لذلك عند العودة لتاريخ اللعبة هناك ما يفسر لماذا يحبها ويعشقها الجميع، أما نحن فلم نذهب إلى كأس العالم حتى نهاية الألفية إلا مرتين فقط، وكانت الأخيرة عام سنة 1990، وشاهدت مبارياتها، ولا أخفى على أحد أننى أحب الرياضة وعلى رأسها كرة القدم، ولكن لم يحدث أن تطورنا أو تفوقنا أو حتى مررنا بعد الأدوار الأولى فى كأس العالم رغم فوزنا بأمم إفريقيا كثيرا، إلا فى كأس العالم الحالية.

وهنا سوف أضع اجتهادا فى تفسير هذا التطور والإنجاز بجانب العمل الجماعى؛ فهناك عاملان هما حسام حسن، المدرب المصرى، والفذّ محمد صلاح الذى سوف أبدأ به لأنه ليس لاعبا فقط، بل أراه هو الأداة إلى التحول والتغيير الفكرى والذهنى فى أداء اللاعب المصرى، وكما أطلقت عليه مبكرا ومنذ سنوات زويل الكرة المصرية، لأنه كان فى انطلاق ونجاح واستمرارية صلاح عالميا، ما عكس الثقة أن اللاعب المصرى يستطيع أن ينافس عالميا وفى المكانة الأولى بأعظم الدوريات العالمية وأقواها وهو الدورى الإنجليزى، ويكفى أن الفيفا اعترف مؤخرا وذكر أنه لم يكن يتوقع أن تكون جماهيرية محمد صلاح بهذا الانتشار والقوة عالميا، وأصبح يُذكر مع ميسى ورونالدو؛ ولذلك طلب الفيفا حماية إضافية له ولمنتخب مصر فى المونديال والسبب أن أداءه أوصله لشعبيته الطاغية، بين مشاهير العالم وبشهادة الفيفا والأجانب، هذا التأثير هو ما أحدث التحول فى تفكير اللاعبين، وأن اللاعب المصرى يستطيع إذا اجتهد وعمل بإخلاص وعلم، وجاء التألق الأكبر أو الاندماج والسيمفونية مع وجود حسام حسن مدربًا وطنيًا، لوهلة شعرت أنهما يتحاوران ويكملان بعضهما بعضا، رغم كل محاولات الوقيعة فى البدايات وبعضها مفهوم؛ فحسام حسن جاء من خارج التوقعات كمدرب وطنى، وصلاح نجم كبير عالميا، ولأنه نجم وعقله موزون ومخطط استراتيجيا كذلك داخل الملعب؛ التقط حسام حسن هذا الخيط، وأشهد له بالذكاء فى تلك الخطوة، وأنه لم يقصِ صلاح أو يغَر منه بل العكس تماما حدث، فهو يستمع وهنا حدثت الكيمياء –غير الكيمياء بالثانوية العامة- لأن الهدف كان المنتخب الوطنى ومصر، وكلاهما يسعى لذلك وليس فقط التمثيل المشرف.

هل كنا نتصور محمد صلاح يغنى فى الشارع أغانى شعبية ويتمايل مع زملائه؟ هل كان لنا أن نتصور حسام حسن يعانق صلاح بعد توأمه ويلفان الملعب بالعلم المصرى ولشكر الجماهير أو حمل علم فلسطين وشكر شعبها على صموده؟.. إنه التواضع الفذّ من الجميع والتحام وصورة مصرية أصيلة من العميد والقائد.

يضاف إلى ذلك أن صلاح هاجر مؤقتا إلى الخارج ونجح، وكذلك كان إحساس المصريين بالخارج؛ فتلاقت الرغبات بالمصريين والرغبة فى النجاح وإثبات الدعم والقدرة عليه، وربما يفسر ذلك هذا الحضور الرهيب من الجماهير المتعلمة والناجحة من المصريين المهاجرين بأمريكا وكندا وشعور رهيب بالانتماء والإنجاز، والتى تذهب وراء المنتخب فى كل مباراة وتعرف أن المصرى يحب اللمة والتشجيع، فذهبوا جميعا وكأن هناك خيطًا من العمل والإنجاز يربط الجميع وهو كذلك بالفعل حتى تحولت المباريات كأنها إلى استاد القاهرة وهو ما نشرته فيديوهات الأمريكان أنفسهم بالقول: الملعب كله مصريون، وأرسل لى مصريون بالخارج عشرات الفيديوهات، وكيف هى مكانة صلاح فى الخارج، وهنا حدث الالتحام هذه المرة مع حسام وروحه المصرية الأصيلة وأصبح محمد صلاح هو القائد عن حق مع زملائه فى الملعب، وهذا كان له دور حاسم فى التأهيل والشرح والمؤازرة؛ فلم يصبح المصريون يخشون الآخر الأقوى، ولعبنا كرة هجومية وليست بمبدأ حلق الله يسترك، هذا الجيل هو ابن لجيل أمم إفريقيا ثلاث مرات والتى نزل فى أعقابها الشباب وخاصة المرأة والفتاة المصرية إلى الاستاد والشارع، يحمل الجميع أعلام البطولة، فكسرت الحواجز.. مثلا لماذا تذهب المرأة إلى الاستاد أو يلعبن الكرة ويؤسسن الدورى النسائى، فهكذا صنع الفوز والقدرة تغيرات فى العقل الجمعى، لا سيما عند الشباب والسيدات والأسر المصرية ترحب بذلك وحاضنة لهذه التغيرات الاجتماعية.

الآن يحدث تحول آخر أراه مماثلا، وأن المصريين، الذين فتح لهم محمد صلاح الباب بالاجتهاد والعزيمة والإصرار مع الموهبة، فقد فتح الباب لهم للثقة بالنفس، وذلك وفق كود اللعب العالمى والاحتكاك به تماما، مثلما فتح لنا علماء مصر طريق النهوض حتى وصلنا إلى نوبل بالعلم والاجتهاد، وعدم الخوف وهكذا أصبح أمامنا هذا الجيل الذى صعد بنا بعد الأدوار الإقصائية ولم يصبح يخشى الآخر تماما، نعم نحترم الآخر والفرق القوية، ولكن المعادلة أصبحت أمام الجميع فى الملعب -أى 11 لاعبا أمام 11 لاعبا- وليس الأمر غير ذلك إلا بالاجتهاد والعمل العلمى ومنهم المساعد لشئون التكنولوجيا التى يدرس الفرق الأخرى ويقدم عنها الفيديوهات للمدرب واللاعبين، فهكذا تكتمل منظومة الاجتهاد والعلم والعمل والقيادة.. شكرا لكم لأنكم أثبتم أن المصرى يستطيع، وعبرتم حاجز حلق الله يسترك.

 

أخبار الساعة

الاكثر قراءة