في إطار محاولتها الوصول إلى السلطة والعمل على اختراق مؤسسات الدولة المصرية، قدمت جماعة الإخوان، عبر تاريخها الممتد منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى سقوطها عقب ثورة 30 يونيو 2013، مشروعًا حول ما يعرف ببناء “الدولة البديلة”، الذي يعمل على “أخونة” هوية الدولة ومرتكزاتها الفكرية والثقافية والاجتماعية، من خلال التوسع في بناء المؤسسات التعليمية والاجتماعية والإعلامية والتجارية، التي تمثل جسرًا لنقل أيديولوجيتها الفكرية إلى الفئات المجتمعية المختلفة. والتمعن في السياق التاريخي لمشروع بناء "الدولة البديلة" الذي طرحته أدبيات جماعة الإخوان، ابتداءً من حسن البنا وسيد قطب ومنظري الجماعة فيما بعد، يضعنا أمام محاولات مستميتة لتغيير هوية الدولة ورؤيتها الفكرية والثقافية، واستبدالها بمنطلقات فكرية وثقافية إخوانية، قائمة على مفاهيم دينية مغلوطة مستمدة من التفسير الحركي للقرآن والسنة النبوية، ودارت حول عدد من المفردات التي مثلت مرجعية فكرية للجماعة على المستوى الحركي والتنظيمي، ما بين الجاهلية والحاكمية والعزلة الشعورية وحتمية الصدام والمواجهة والخلافة الإسلامية.
وعلى مدار ما يقارب مائة عام، وضعت الجماعة خطتها ومنهجها لاختراق مؤسسات الدولة، أو بناء كيانات وتجمعات موازية، بهدف الاستحواذ على فئات عمرية متعددة، في مقدمتها الأجيال الشبابية، ثم القطاعات الأكثر احتياجًا وفقرًا، لصناعة ما يعرف بـ"الولاء التنظيمي"، وكذلك "الولاء المالي"، الذي يتم في إطاره السيطرة العقلية والسلوكية على هذه العناصر، وبناء قاعدتها العامة أو دوائرها التعاطفية، التي تدور معها في موقفها ضد الدولة ومؤسساتها تحت لافتة "العمل الدعوي" أو "العمل من أجل الإسلام".
وجدت جماعة الإخوان الإرهابية ضالتها لتحقيق هدفها في تغيير هوية الدولة، في السيطرة على المؤسسات التعليمية، سواء الحكومية أو الأزهرية، بما يحقق لها إنتاج مدرسين ومربين يعملون في نطاق هذه المؤسسات الرسمية ظاهريًا، لكنهم في الحقيقة ينشرون فكر الجماعة وأدبياتها، ويعملون في خدمتها على المستوى العملي والتنفيذي، فضلًا عن بناء المؤسسات التعليمية الخاصة، مثل الحضانات والمدارس والمراكز التعليمية، التي انتشرت في المناطق الشعبية والفقيرة تحت غطاء العمل الاجتماعي، وحملت بين دفتيها مشروعًا فكريًا وسياسيًا يعمل على اختراق الدولة وتغيير هويتها من الدرجة الأولى.
ففي بند المدارس الخاصة، أسست الجماعة أكثر من 100 مدرسة خاصة توزعت بين المحافظات المختلفة. ففي القاهرة تم تأسيس أكثر من 24 مدرسة خاصة للعمل على تجنيد المراهقين والتأثير في هويتهم الفكرية والثقافية، مثل مدارس "الرضوان" بالحي السابع في مدينة نصر، و"المساعي الحميدة" بالعبور، و"المنارة للغات" بمدينة نصر، و"جنى دان الدولية" بالقطامية، التي أشرفت على إدارتها خديجة خيرت الشاطر.
بينما شملت محافظة الجيزة مدارس "طلائع المستقبل" في الدقي، و"الأصدقاء" في منطقة كعبيش بالهرم، و"الفضل الحديثة" في منطقة الطوابق بفيصل، و"زهراء الأندلس" بشارع حسن النجار، و"دار حنان" في بولاق الدكرور، و"دار حنان" في شارع العشرين بفيصل.
وضمت القليوبية "مدارس الفتح" في بنها، وضمت الإسكندرية مدارس هي "زهراء المدينة" بالمنتزه، و"المدينة المنورة" بالمنتزه، و"الجزيرة" بالدخيلة. وفي الغربية انتشرت مدارس "الجيل المسلم" التي أسسها أحمد البس، وهو من الرعيل الأول لجماعة الإخوان، ولاشين أبو شنب، عضو مكتب الإرشاد السابق، ومدارس "أجيال" بالمنتزه.
وفي الدقهلية، مدارس "الهدى والنور" بمدينة المنصورة، ومدرسة "البشائر" بمركز بلقاس. وفي الشرقية مدارس "فاطمة الزهراء" بمركز فاقوس، و"المصرية الإنجليزية" بالزقازيق، ومدرسة "ههيا الثانوية" في ههيا، ومدرسة "أنوار الحرمين" بالزقازيق.
وضمت المنوفية مدارس "الشروق الخاصة" ببركة السبع، و"السرايا" بشبين الكوم، و"رياض الصالحين"، و"التربية الإسلامية" بشبين الكوم.
وفي المنيا انتشرت مدارس "الأندلس" بمغاغة، و"طيبة" ببني مزار، و"النهضة" ببني مزار، و"المنارة الخاصة" بمطاي، و"الأندلس" بملوي، و"المنارة" بالمنيا الجديدة، ومركز "المنارة" التعليمي بالمنيا.
وضمت محافظة أسيوط مدارس "دار حراء" التابعة للجمعية الإسلامية، التي أشرفت على إدارتها وفاء مشهور، ابنة مصطفى مشهور، المرشد السابق لجماعة الإخوان.
بينما ضمت سوهاج مدارس "دار الأرقم" التابعة لجمعية الصحابة بسوهاج، ومدرسة "أجيال" التابعة لجمعية الصحابة في دار السلام.
عمليًا، روجت هذه المدارس لمفاهيم قدمت "الانتماء الديني" على "الانتماء الوطني"، معتبرة أن الولاء للعقيدة أولى من الانتماء للتراب والأرض، وأن الدين يمثل في ذاته الوطن الحقيقي، بينما "الأرض" لا يمكن أن تعبر عن الدين، وذلك بما يخدم الأجندة الحركية والتنظيمية والفكرية للجماعة، والمساهمة في تكريس "المفاصلة الوطنية"، واستنساخ نماذج بشرية متمردة على الإطار المجتمعي.
لم يتوقف مشروع الإخوان عند السيطرة على المؤسسات التعليمية أو استبدالها بكيانات بديلة، وإنما اتجه إلى صناعة ما يعرف بالفن البديل، سواء للمسرح أو الغناء، فقدمت ما يعرف بـ"الاسكتش الإسلامي"، و"المسرح الإسلامي"، و"النشيد الإسلامي".
فنجد أن الجماعة قننت "خشبة المسرح الفني" ترويجًا لأهدافها ومنطلقاتها الفكرية بين الأوساط الطلابية، اعتمادًا على بناء "المسرح الموازي"، واستغلال تهميش مكانته من قبل المسؤولين عن العملية التعليمية، لا سيما خلال مرحلتي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.
شمولية فنون "المسرح" وتنوعها، ما بين الخطابة والإلقاء والاستماع، والتعبيرات الشفهية والكتابية والحركية، ووصفه بـ"أبو الفنون"، ومقدرته البالغة في التأثير والإدراك، جعلته في مقدمة الأدوات التي اعتمدتها جماعة الإخوان عمليًا في الاستقطاب المجتمعي وإنتاج ما عرف بـ"المسرح الإسلامي" أو "الفن البديل"، رغم تطاولهم الدائم على الأعمال الفنية والدرامية.
اعتبرت جماعة الإخوان فن "المسرح" طريقًا مهمًا في التعبئة الجماهيرية، ووضعت ضمن هيكلها التنظيمي لجانًا فنية وفرقًا مسرحية، مثلما بينت وثيقة "دليل العمل الطلابي الثانوي"، التي أشارت إلى أهمية "المسرح" في تشكيل وعي الأوساط الطلابية، والتي كتب سطورها القيادي الإخواني مصطفى الطحان، وأصدرتها "دار الوفاء" للطباعة والنشر، تحت عنوان "اتحاد المنظمات الطلابية الدولية"، كدليل للمساهمة في تبادل الخبرات بين كوادر العمل الطلابي.
حولت جماعة الإخوان الشقق السكنية، ومقرات النقابات المهنية، والجمعيات الخيرية، والمراكز والمدارس الخاصة التابعة لها، إلى ساحات لممارسة النشاط المسرحي، سعيًا إلى تحقيق الاستقطاب والتجنيد التنظيمي، وتأهيل النماذج الطلابية، وفقًا لمعطياتها الحركية، وتغيير الهوية الفكرية والدينية للدوائر الشبابية.
النشاط المسرحي لدى جماعة الإخوان مر بحالة من الازدهار في أربعينيات القرن الماضي، ثم سقط بسقوطها خلال المرحلة الناصرية، ثم عاد للظهور في شكل إرهاصات متباينة بين الأنشطة الطلابية في السبعينيات والثمانينيات، حتى تمتع بقدر من النضوج الفني الموجه في منتصف التسعينيات، في ظل سيطرتها على النقابات المهنية ومنصاتها الفنية.
توظيف جماعة الإخوان لفنون "المسرح" خرج عن إطار الرسالة الفنية إلى المضامين السياسية والفكرية، لصناعة صورة تبرز اضطهاد قيادات الجماعة، وعرقلة مسيرتها الدعوية، ومخاطبة قواعدها التنظيمية و"دوائر الربط العام" المتعاطفة والمتأثرة بالأصولية الإسلاموية في المجتمعات العربية.
ومن قبيل التدليس والخداع، أبرزت مسرحية "المحاكمة" الإخوانية الحصار الفكري للجماعة وسجن قياداتها، مدعية تعنت الأنظمة السياسية ضد وجودها، متناسية عملها المستمر على اختراق مؤسسات الدولة، تحقيقًا لمشروع "التمكين" والوصول إلى رأس السلطة.
تنقلت سرديات المسرحية الإخوانية بين مشاهدها على نهج من التضليل الفكري والسياسي، وصولًا إلى النهاية التي تنقلب فيها الأوضاع، وتقيم محاكمها لرموز النظام السياسي، وتتحكم في مقدرات الدولة وتوجهاتها، بعد سطوها على السلطة.
وفي أوائل عام 2007، عرضت جماعة الإخوان مسرحية "الشفرة"، التي أثارت جدلًا واسعًا، على منصة إحدى النقابات المهنية، وأعقبتها بمسرحية "ثمن الحرية"، متناولة دور التنظيم وجناحه المسلح، حركة "حماس"، في القضية الفلسطينية.
بينما تضمنت مسرحية "الفراعنة وصلوا" عددًا هائلًا من الإسقاطات السياسية، التي عملت الجماعة على توصيلها لأتباعها، زاعمة تكاتف الأنماط والأنظمة السياسية في محاربة مقاصدها، على اعتبار أنها الممثل الرسمي للدين، في إطار تجسيد الصراع التاريخي بين نبي الله موسى و"آل فرعون".
وفي محاولة لتخدير عقول وانفعالات قواعدها التنظيمية، جسدت مسرحية "عالم وطاغية"، التي كتبها يوسف القرضاوي عام 1954، ظلم "الحجاج بن يوسف الثقفي" للعالم التابعي "سعيد بن جبير"، مشبهًا الوقائع التاريخية للجماعة بمشاهد قصته، معتبرًا زعمًا أن منهج الابتلاء والمحن ركن أساسي في طريق تحقيق الجماعة لأهدافها.
في حين فضحت مسرحية "شقلبة" -التي عرضت نهاية تسعينيات القرن الماضي- عمليًا المنهج الحركي والتنظيمي للجماعة، ومشروعها "الانقلابي" في الإطاحة بالأنظمة الحاكمة، معتبرة أن طموحها ليس مقتصرًا على دولة واحدة بعينها، بل شاملًا لمختلف شعوب المنطقة العربية، وفقًا لنظرية "أستاذية العالم"، التي وضعتها الرسائل الفكرية لمؤسس الجماعة.
لم تنس جماعة الإخوان، في إطار استغلالها لخشبة "المسرح"، التأكيد على تقديس قياداتها، وإبراز دورهم التاريخي والفكري والحركي في بناء هيكلها التنظيمي، واتساع نطاق رقعتها الجغرافية، من خلال مسرحية "كفر الشرفا"، التي تناولت بدقة جوانب الملامح الرئيسية لشخصية حسن البنا.
وتأييدها وحيًا ونصرًا على خصومها مثل الرسالة الأولى في مضامين النصوص المسرحية التي عرضتها الجماعة أمام متلقيها ومشاهديها، فضلًا عن تعميقها وترسيخها لمفاهيم السمع والطاعة، وتقديس قيادتها والثقة فيها، لا سيما أن ما قدمته من فنون المسرح ليس انتصارًا للإبداع الفني، وإنما تزييفًا للوقائع وخداعًا لمريديها.
وتناولت مسرحيات أخرى نفس الإطلالات الموجهة والنهايات الدرامية المتعمدة، مثل: "أولاد الأبالسة"، و"مدينة بلا حدود"، و"احكي يا درة"، و"أهل الكهف"، و"أصحاب الأخدود"، و"الوصية"، والتي تعد في مجملها نصوصًا مسرحية قائمة على أحادية التحليل للروايات السياسية والأحداث الزمنية.
كذلك وظفت الجماعة مؤسسات النشر الثقافية كأداة في تمرير أيديولوجيتها الفكرية، ومن ثم توسعت في بناء دور الطباعة والنشر والتوزيع، بهدف تشكيل "العقول البيضاء"، والتأثير على وعي المراهقين والأجيال الحديثة والتلاعب بمخيلتهم، بإعادة تعليب المنهج الفكري المتشدد، وتحويل مضامين "معالم في الطريق"، و"أبجديات العمل الإسلامي"، و"الفريضة الغائبة"، و"رسائل البنا"، و"ماذا يعني انتمائي للإسلام"، وغيرها، إلى أعمال روائية وأدبية بسيطة وسهلة في الفهم والتناول.
ومن ضمن سياقات "الفن البديل"، تقديم الأناشيد الإسلامية كبديل للأغنية المصرية، من خلال اللجان الفنية التي أسستها داخل الجماعة، وكانت بمثابة معامل تفريخ للعديد من المنشدين الإخوان، الذين أنشأوا فرقًا للغناء الإسلامي، وتخصصوا في إحياء الأفراح الإخوانية، كما تمكنوا من اختراق السوق الفنية وإغراقها بمئات الشرائط الغنائية.
وفي مقدمة هذه الأناشيد شعار جماعة الإخوان، الذي دائمًا ما تردده داخل تجمعاتها المختلفة، وهو: (الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا)، ونشيد "رددي يا جبال"، ونشيد "يا أقصانا الحزين"، ونشيد "غرباء"، و"قصة شهيد"، و"لبيك فداك روحي"، ونشيد "حلم الأمة الإسلامية"، ونشيد "الإسلام هو الحل"، ونشيد "أتتني في سكون الليل"، ونشيد "صوني جمالك"، ونشيد "أمة المليار"، و"الانتفاضة مستمرة"، فضلًا عن الفرق التي تشكلت، مثل "فرقة النور"، و"فريق اليرموك"، و"فريق الرواد"، و"فريق أمواج"، و"فريق الوعد"، و"فريق البشائر"، و"فريق الشروق"، و"فريق الجيل".
وتعددت كذلك الفرق الغنائية الإخوانية، التي تخصصت في إقامة "الأفراح الإسلامية"، مثل "فرقة الندى" بطنطا، و"فرقة الفجر" بالمنصورة، و"فرقة نور الهدى" بالإسكندرية، و"فرقة النور" بالمنوفية، ونوعت إصداراتها في هذا الصدد، مثل "أفراح المؤمن الأول"، و"زفة إسكندراني"، و"عاوز أتجوز وأحلى زفة"، و"شاطئ الأفراح"، و"أفراح اليرموك"، و"أفراح وورود"، و"هيصة على حق".
وفي مجال أناشيد الأطفال، انتشرت أناشيد "هيا إلى الإيمان"، و"أصحاب الأخدود"، و"حكايات عم عارف"، و"أطفال زي العسل"، و"يوم العيد"، و"أوبريت عالم الحيوان"، و"طيور الجنة"، وغيرها من الأناشيد التي يتم ترويجها للتأثير في عقول الأطفال وربطهم بالمشروع الفكري للجماعة.
كما أن جماعة الإخوان امتلكت العديد من شركات الإنتاج الفني، مثل مؤسسة "محسن راضي" للإنتاج الفني، وشركة "علام" بالقليوبية، التي أسسها القيادي الإخواني أحمد علام، وشركة "براديس" التي أسسها سعيد الشافعي، وشركة "فنون" التي أسسها مؤمن الشرقاوي، وشركة "سما" للتجارة والتوزيع، التي أسسها أسامة البارودي بالجيزة، وشركة "الطارق" التي أسسها طارق أبو زياد، وشركة "الجزيرة" التي أسسها تامر صفاء بالهرم، وشركة "إبداع"، التي امتلكت ستوديو بمصر الجديدة بشارع أسوان، وشركة "المجد" للإنتاج الفني، التي أسسها رضا عبد الحميد، وشركة "أفنان"، وشركة "أصالة"، التي أسسها أحمد الفقي، وشركة "همسات" بمنطقة فيصل، وستوديو فتحي شهاب بشبين الكوم.
ومشروع جماعة الإخوان لم يكن مجرد سعي للوصول إلى السلطة، وإنما مشروعًا متكاملًا لإعادة تشكيل هوية المجتمع وبناء "الدولة البديلة" للدولة الوطنية، عبر التأثير في التعليم والثقافة والفنون والعمل الاجتماعي.
وعمليًا، كشفت التجربة العملية أن هذا المشروع استهدف تغيير منظومة الانتماء والولاء، وإحلال الهوية التنظيمية محل الهوية الوطنية، الأمر الذي يجعل المواجهة مع الجماعة تتجاوز البعد الأمني والسياسي إلى معركة وعي، وحفاظ على هوية الدولة المصرية ومرتكزاتها الحضارية والثقافية.