حين نذكر البهنسا، فنحن أمام مدينة مصرية واسعة الطبقات. مدينة عرفت في العصور القديمة باسم أوكسيرنخوس، وخرجت من أرضها برديات جعلتها حاضرة في تاريخ الكتابة والوثائق، ثم عرفت في العصور الإسلامية بصناعة الستور والمنسوجات الفاخرة، واستقرت في الوجدان الشعبي والديني بوصفها بقيع مصر، مدينة المقامات والشهداء والأولياء والصالحين.
وقد عادت البهنسا في الأيام الأخيرة إلى واجهة الاهتمام مع زيارة الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، واللواء عماد كدواني، محافظ المنيا، إلى المنطقة الأثرية بمركز بني مزار. الزيارة مهمة في ذاتها، وأهميتها الأكبر في أنها فتحت بابًا واسعًا للحديث عن تاريخ البهنسا، وتراثها، ومقاماتها، ومخطوطاتها، وذاكرتها الدينية والشعبية.
وما أعلنه وزير الأوقاف عن مشروع لجمع ما كتب عن البهنسا في الكتب والمراجع والرسائل العلمية، تمهيدًا لإصدار موسوعة تاريخية وثقافية موثقة، مع إعداد منصة إلكترونية وتطبيق ذكي بخريطة دقيقة للمقامات والمعالم، يمثل خطوة تحتاجها المدينة منذ زمن طويل. فالبهنسا تحتاج إلى إحياء قائم على المعرفة، وتوثيق يحترم المكان، وخطاب ثقافي يشرح للزائر معنى ما يراه، ويصل بين الأثر والمقام والحكاية.
ولوزارة الأوقاف صلة طبيعية بالبهنسا. فهذه المدينة مدينة مقامات ومشاهد وزوايا وجبانة شهداء، وقد عرف تاريخ المدن الدينية في مصر دور الأوقاف في خدمة المساجد والمزارات، ورعاية القائمين عليها، وتهيئة الطريق أمام الزائرين، وصون ذاكرة المكان. ومن هنا تبدو عودة وزارة الأوقاف إلى البهنسا عودة إلى أصل من أصول وظيفتها الكبرى: خدمة العمران الروحي، وصناعة معرفة دينية وثقافية رشيدة، وتقديم التراث للناس في صورة واضحة ومحترمة.
وفي هذا المشروع لا تقوم الدولة وحدها بكل شيء. فالمجتمع المحلي في البهنسا طرف أساسي في حفظ الذاكرة. أهل المكان يعرفون الطرق والمقامات والحكايات، ويحملون ذاكرة الزيارة، ويحفظون أسماء المواضع، ويتعاملون مع البهنسا بوصفها جزءًا من حياتهم اليومية لا مجرد موقع أثري. والمهتمون بالتراث، والباحثون، والأثريون، ومحققو المخطوطات، ورجال التصوف، ودارسو التاريخ القبطي والإسلامي، كلهم شركاء في تقديم صورة أعمق لهذه المدينة.
وقد كان لي نصيب مبكر في الاهتمام بتراث البهنسا من زاوية السيرة الشعبية والمخطوطات. ففي عام 2012 صدر كتابي : قصة البهنسا: هذا الكتاب حكاية لغزوة من أعز الغزوات الإسلامية، وقصة فتح مبين للصحابة المحمدية عليهم رضوان الله الصمدية، وفيها نوادر غريبة ووقائع عجيبة وما وقع في أرض البهنسا، دراسة وتحقيق، بتقديم أستاذي الراحل الأستاذ الدكتور قاسم عبده قاسم. وقد نال هذا العمل جائزة تحقيق التراث القصصي، وفتح أمامي طريقًا طويلًا لقراءة البهنسا بوصفها مدينة ونصًا وذاكرة.
وسيرة فتوح البهنسا الغراء هي سيرة شعبية واسعة، لا تقدم تاريخًا مباشرًا بالمعنى الحديث، لكنها تكشف كيف تخيل الناس تاريخ المدينة، وكيف ربطوا أرضها بالفتح، والشهادة، والزيارة، والكرامة، والعجائب، ومحبة الصالحين. في هذه السيرة تظهر البهنسا بطلة للنص؛ حولها تتجمع الأخبار، وفي جبانتها تستقر الذاكرة، ومن خلال مقاماتها يتشكل معنى المكان.
ومن أهم ما يستحق التوقف في هذه السيرة أنها تحتفي بالسيد المسيح وأمه السيدة مريم عليهما السلام احتفاء واضحًا. فقد أفردت فصلًا بعنوان نزول سيدنا عيسى بن مريم بمدينة البهنسا وخروجه من مصر وإقامته بها. يبدأ الراوي هذا الفصل بالآية الكريمة: وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين، ثم يورد رأيًا يجعل الربوة هي البهنسا. وهنا يمنح المخطوط المدينة مكانة روحية تتسع لأكثر من طبقة دينية، وتفتح بابًا لقراءة البهنسا بوصفها أرضًا استقبلت المسيح وأمه في الذاكرة الشعبية.
وتروي السيرة أن يوسف النجار حمل السيدة مريم وابنها حتى دخلا أرض البهنسا، وأن هناك بئرًا في المعبد كان الناس يستشفون بمائها من الأمراض. وتذكر الرواية أن الطفل طلب الماء، فحزنت أمه، فارتفع ماء البئر حتى شرب منه. هذه الحكاية لا ينبغي أن تقرأ بوصفها خبرًا تاريخيًا مباشرًا، فهي جزء من الذاكرة الشعبية والدينية التي منحت المكان معنى روحيًا، وجعلت البئر والمعبد والمدينة علامات في سيرة مقدسة.
ثم تمضي السيرة في تصوير إقامة السيد المسيح وأمه في البهنسا. وتذكر أن مريم كانت تغزل الكتان وتلتقط السنبل بعد الحصادين، وهي صورة بالغة الرقة، تجعل السيدة مريم قريبة من عالم الناس والعمل اليومي، لا مجرد شخصية بعيدة في النصوص المقدسة. وتذكر السيرة أيضًا ذهاب المسيح إلى الكتّاب في طفولته، وحواره مع المؤدب، ومعجزات منسوبة إلى صباه. هذه الحكايات تكشف أن الوجدان الشعبي أحب أن يرى المسيح طفلًا يعيش في أرض مصر، يتعلم، ويتكلم بالحكمة، ويكشف الصدق، ويعين الضعفاء.
وهذا الجانب مهم جدًا في قراءة البهنسا. فالسيرة تجعل المدينة موضعًا يجمع بين محبة المسلمين للمسيح ومريم، وذاكرة الفتح والشهداء، ومقامات الأولياء والصالحين. ومن هنا يصبح الحديث عن البهنسا حديثًا عن مدينة مصرية قادرة على جمع طبقات من القداسة داخل مكان واحد. فيها أوكسيرنخوس القديمة، وفيها الذاكرة القبطية، وفيها مرويات مسار العائلة المقدسة، وفيها سيرة الفتوح، وفيها جبانة الشهداء، وفيها مشاهد آل البيت والصالحين.
وتزداد هذه الصورة ثراء حين نقرأ حكاية بهاء النساء في السيرة. تروي المخطوطات أن بهاء النساء كانت أميرة جميلة، وأن اسم المدينة ارتبط بها في الخيال الشعبي. وقد صورتها السيرة امرأة صاحبة حكم وحضور وقوة، تدافع عن الرعية، وتشارك في إدارة الملك، وتظهر بوصفها شخصية مركزية في تاريخ المدينة كما تخيله الراوي. هذه الحكاية تمنح البهنسا وجهًا إنسانيًا، وتجعل الاسم نفسه جزءًا من قصة، لا مجرد لفظ جغرافي.
كما تمنح السيرة المدينة شجرة نسب أسطورية، إذ تربط عمارتها بإفرايم بن يوسف عليه السلام. وتروي أن يوسف قسم الأرض بينه وبين إخوته، فكانت أرض البهنسا لإفرايم، فشرع في عمرانها وبناء أسوارها ومناراتها وقناطرها. هذه الروايات لا تقدم أصلًا تاريخيًا دقيقًا، لكنها تكشف حاجة الخيال الشعبي إلى منح المدينة نسبًا عريقًا، وربطها بالأنبياء، ثم بالفتوح، ثم بالمقامات والزيارة.
وتظهر البهنسا في كتب الجغرافيين والرحالة بوصفها مدينة عامرة ومنتجة. فقد وصفها ابن بطوطة بأنها مدينة كبيرة كثيرة البساتين، تصنع فيها ثياب الصوف الجيدة. واشتهرت في العصور الإسلامية بالستور البهنسية، أي الستائر والمنسوجات الكبيرة الفاخرة، وبالأغطية والفرش وأقمشة الخيام. وذكرت المصادر أن هذه المنتجات كانت معروفة في أسواق واسعة، وأن بعضها صنع في ورش رسمية للدولة. ولهذا تحمل البهنسا وجهًا اقتصاديًا مهمًا، إلى جانب وجهها الديني والروحي.
ومن جهة العمران، تذكر المصادر أن المدينة كانت تضم أسواقًا للأقمشة، ومساجد، وزوايا للفقراء والمتصوفة، وحمامات، ومدرسة، وأماكن للتجار. وهذه الصورة تكشف مدينة نابضة بالحياة، فيها صناعة، وتعليم، وعبادة، وتجارة، وزيارة. وحين نضع هذه الصورة إلى جوار مخطوطات سيرة فتوح البهنسا، نرى مدينة كاملة: مدينة وثائق وبرديات، ومدينة أقمشة، ومدينة مقامات، ومدينة حكايات.
وتحتل جبانة البهنسا مكانًا كبيرًا في السيرة الشعبية. فالمخطوطات تتحدث عن قبور الشهداء والصحابة والتابعين والصالحين، وتذكر مواضع للدعاء والزيارة، مثل مجرى الحصى، ومجرى السيل، وبعض المشاهد القريبة من الجبل والجبانة. وينبغي التعامل مع الأعداد والأسماء في هذه الروايات بروح علمية هادئة، مع احترام أثرها في وجدان الناس. فالقيمة الكبرى هنا أن السيرة حفظت للبهنسا صورة مدينة مقدسة، وأنها جعلت زيارة المكان جزءًا من ذاكرة روحية واسعة.
وقد امتد اهتمامي بالبهنسا بعد تحقيق السيرة إلى دراسات أخرى، منها دراسة صورة البيزنطي في السيرة، ودراسة التصوف والكرامات والزيارة في مخطوطات فتوح البهنسا. غير أن ما أود تأكيده هنا أن قيمة السيرة لا تقوم على الخصومة أو التجريح، بل على كشف الطريقة التي صاغ بها المصريون والعرب صورة المدينة في الخيال الشعبي. هذه السيرة تتيح لنا قراءة التاريخ من جهة الوجدان، وتفتح بابًا لفهم كيف تحولت البهنسا إلى مكان تتجاور فيه الشهادة والزيارة والحكاية.
ومن هنا تأتي أهمية مشروع وزارة الأوقاف اليوم. فإحياء البهنسا يحتاج إلى ترميم، وتوثيق، وإرشاد، ومعرفة، ومشاركة أهل المكان. يحتاج إلى خريطة واضحة للمقامات والمشاهد، وإلى تعريف علمي مبسط بتاريخ أوكسيرنخوس والبرديات، وإلى تقديم مرويات المسيح ومريم في السيرة الشعبية بوعي واحترام، وإلى بيان مكانة جبانة الشهداء في الوجدان المصري، وإلى فتح المجال أمام الباحثين والمهتمين لترتيب هذا التراث وتقديمه للجمهور.
والمنصة الإلكترونية والتطبيق الذكي يمكن أن يكونا خطوة عملية مهمة في هذا الاتجاه. فالزائر يحتاج إلى معرفة موضعه، ومعنى المقام الذي يزوره، وقصة المكان، وتاريخه، وحدود الرواية الشعبية، وما تقوله الدراسات الحديثة. بهذا تتحول زيارة البهنسا إلى تجربة ثقافية وروحية، ويصبح المكان مفتوحًا أمام المصريين والعرب والمهتمين بالتراث الديني والثقافي.
إن البهنسا تستحق هذا الاهتمام. فهي مدينة جمعت المسيح ومريم في السيرة الشعبية، والشهداء في جبانتها، والستور في صناعتها، والبرديات في تاريخها القديم، والمقامات في وجدان زوارها. مدينة بهذا الثراء تحتاج إلى خطاب يليق بها: خطاب هادئ، واضح، موثق، يحترم العلم، ويحترم محبة الناس، ويقدر دور الدولة، ووزارة الأوقاف، والمجتمع المحلي، والباحثين، وكل محب لتراث مصر.