رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

قراءة في سيرة فتوح البهنسا الغراء وذاكرة المكان


30-6-2026 | 12:23

.

طباعة
بقلم: د. عمرو عبد العزيز منير

حين نذكر البهنسا، فنحن أمام مدينة مصرية واسعة الطبقات. مدينة عرفت في العصور القديمة باسم ‏أوكسيرنخوس، وخرجت من أرضها برديات جعلتها حاضرة في تاريخ الكتابة والوثائق، ثم عرفت في ‏العصور الإسلامية بصناعة الستور والمنسوجات الفاخرة، واستقرت في الوجدان الشعبي والديني ‏بوصفها بقيع مصر، مدينة المقامات والشهداء والأولياء والصالحين‎.‎

وقد عادت البهنسا في الأيام الأخيرة إلى واجهة الاهتمام مع زيارة الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري، ‏وزير الأوقاف، واللواء عماد كدواني، محافظ المنيا، إلى المنطقة الأثرية بمركز بني مزار. الزيارة ‏مهمة في ذاتها، وأهميتها الأكبر في أنها فتحت بابًا واسعًا للحديث عن تاريخ البهنسا، وتراثها، ‏ومقاماتها، ومخطوطاتها، وذاكرتها الدينية والشعبية‎.‎
وما أعلنه وزير الأوقاف عن مشروع لجمع ما كتب عن البهنسا في الكتب والمراجع والرسائل ‏العلمية، تمهيدًا لإصدار موسوعة تاريخية وثقافية موثقة، مع إعداد منصة إلكترونية وتطبيق ذكي ‏بخريطة دقيقة للمقامات والمعالم، يمثل خطوة تحتاجها المدينة منذ زمن طويل. فالبهنسا تحتاج إلى ‏إحياء قائم على المعرفة، وتوثيق يحترم المكان، وخطاب ثقافي يشرح للزائر معنى ما يراه، ويصل ‏بين الأثر والمقام والحكاية‎.‎
ولوزارة الأوقاف صلة طبيعية بالبهنسا. فهذه المدينة مدينة مقامات ومشاهد وزوايا وجبانة شهداء، ‏وقد عرف تاريخ المدن الدينية في مصر دور الأوقاف في خدمة المساجد والمزارات، ورعاية ‏القائمين عليها، وتهيئة الطريق أمام الزائرين، وصون ذاكرة المكان. ومن هنا تبدو عودة وزارة ‏الأوقاف إلى البهنسا عودة إلى أصل من أصول وظيفتها الكبرى: خدمة العمران الروحي، وصناعة ‏معرفة دينية وثقافية رشيدة، وتقديم التراث للناس في صورة واضحة ومحترمة‎.‎
وفي هذا المشروع لا تقوم الدولة وحدها بكل شيء. فالمجتمع المحلي في البهنسا طرف أساسي في ‏حفظ الذاكرة. أهل المكان يعرفون الطرق والمقامات والحكايات، ويحملون ذاكرة الزيارة، ويحفظون ‏أسماء المواضع، ويتعاملون مع البهنسا بوصفها جزءًا من حياتهم اليومية لا مجرد موقع أثري. ‏والمهتمون بالتراث، والباحثون، والأثريون، ومحققو المخطوطات، ورجال التصوف، ودارسو ‏التاريخ القبطي والإسلامي، كلهم شركاء في تقديم صورة أعمق لهذه المدينة‎.‎
وقد كان لي نصيب مبكر في الاهتمام بتراث البهنسا من زاوية السيرة الشعبية والمخطوطات. ففي ‏عام 2012 صدر كتابي‎ : ‎قصة البهنسا: هذا الكتاب حكاية لغزوة من أعز الغزوات الإسلامية، وقصة ‏فتح مبين للصحابة المحمدية عليهم رضوان الله الصمدية، وفيها نوادر غريبة ووقائع عجيبة وما ‏وقع في أرض البهنسا، دراسة وتحقيق، بتقديم أستاذي الراحل الأستاذ الدكتور قاسم عبده قاسم. وقد ‏نال هذا العمل جائزة تحقيق التراث القصصي، وفتح أمامي طريقًا طويلًا لقراءة البهنسا بوصفها مدينة ‏ونصًا وذاكرة‎.‎
وسيرة فتوح البهنسا الغراء هي سيرة شعبية واسعة، لا تقدم تاريخًا مباشرًا بالمعنى الحديث، لكنها ‏تكشف كيف تخيل الناس تاريخ المدينة، وكيف ربطوا أرضها بالفتح، والشهادة، والزيارة، والكرامة، ‏والعجائب، ومحبة الصالحين. في هذه السيرة تظهر البهنسا بطلة للنص؛ حولها تتجمع الأخبار، وفي ‏جبانتها تستقر الذاكرة، ومن خلال مقاماتها يتشكل معنى المكان‎.‎
ومن أهم ما يستحق التوقف في هذه السيرة أنها تحتفي بالسيد المسيح وأمه السيدة مريم عليهما السلام ‏احتفاء واضحًا. فقد أفردت فصلًا بعنوان نزول سيدنا عيسى بن مريم بمدينة البهنسا وخروجه من ‏مصر وإقامته بها. يبدأ الراوي هذا الفصل بالآية الكريمة‎: ‎وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ‏ربوة ذات قرار ومعين، ثم يورد رأيًا يجعل الربوة هي البهنسا. وهنا يمنح المخطوط المدينة مكانة ‏روحية تتسع لأكثر من طبقة دينية، وتفتح بابًا لقراءة البهنسا بوصفها أرضًا استقبلت المسيح وأمه في ‏الذاكرة الشعبية‎.‎
وتروي السيرة أن يوسف النجار حمل السيدة مريم وابنها حتى دخلا أرض البهنسا، وأن هناك بئرًا ‏في المعبد كان الناس يستشفون بمائها من الأمراض. وتذكر الرواية أن الطفل طلب الماء، فحزنت ‏أمه، فارتفع ماء البئر حتى شرب منه. هذه الحكاية لا ينبغي أن تقرأ بوصفها خبرًا تاريخيًا مباشرًا، ‏فهي جزء من الذاكرة الشعبية والدينية التي منحت المكان معنى روحيًا، وجعلت البئر والمعبد ‏والمدينة علامات في سيرة مقدسة‎.‎
ثم تمضي السيرة في تصوير إقامة السيد المسيح وأمه في البهنسا. وتذكر أن مريم كانت تغزل الكتان ‏وتلتقط السنبل بعد الحصادين، وهي صورة بالغة الرقة، تجعل السيدة مريم قريبة من عالم الناس ‏والعمل اليومي، لا مجرد شخصية بعيدة في النصوص المقدسة. وتذكر السيرة أيضًا ذهاب المسيح ‏إلى الكتّاب في طفولته، وحواره مع المؤدب، ومعجزات منسوبة إلى صباه. هذه الحكايات تكشف أن ‏الوجدان الشعبي أحب أن يرى المسيح طفلًا يعيش في أرض مصر، يتعلم، ويتكلم بالحكمة، ويكشف ‏الصدق، ويعين الضعفاء‎.‎
وهذا الجانب مهم جدًا في قراءة البهنسا. فالسيرة تجعل المدينة موضعًا يجمع بين محبة المسلمين ‏للمسيح ومريم، وذاكرة الفتح والشهداء، ومقامات الأولياء والصالحين. ومن هنا يصبح الحديث عن ‏البهنسا حديثًا عن مدينة مصرية قادرة على جمع طبقات من القداسة داخل مكان واحد. فيها ‏أوكسيرنخوس القديمة، وفيها الذاكرة القبطية، وفيها مرويات مسار العائلة المقدسة، وفيها سيرة ‏الفتوح، وفيها جبانة الشهداء، وفيها مشاهد آل البيت والصالحين‎.‎
وتزداد هذه الصورة ثراء حين نقرأ حكاية بهاء النساء في السيرة. تروي المخطوطات أن بهاء النساء ‏كانت أميرة جميلة، وأن اسم المدينة ارتبط بها في الخيال الشعبي. وقد صورتها السيرة امرأة صاحبة ‏حكم وحضور وقوة، تدافع عن الرعية، وتشارك في إدارة الملك، وتظهر بوصفها شخصية مركزية ‏في تاريخ المدينة كما تخيله الراوي. هذه الحكاية تمنح البهنسا وجهًا إنسانيًا، وتجعل الاسم نفسه جزءًا ‏من قصة، لا مجرد لفظ جغرافي‎.‎
كما تمنح السيرة المدينة شجرة نسب أسطورية، إذ تربط عمارتها بإفرايم بن يوسف عليه السلام. ‏وتروي أن يوسف قسم الأرض بينه وبين إخوته، فكانت أرض البهنسا لإفرايم، فشرع في عمرانها ‏وبناء أسوارها ومناراتها وقناطرها. هذه الروايات لا تقدم أصلًا تاريخيًا دقيقًا، لكنها تكشف حاجة ‏الخيال الشعبي إلى منح المدينة نسبًا عريقًا، وربطها بالأنبياء، ثم بالفتوح، ثم بالمقامات والزيارة‎.‎
وتظهر البهنسا في كتب الجغرافيين والرحالة بوصفها مدينة عامرة ومنتجة. فقد وصفها ابن بطوطة ‏بأنها مدينة كبيرة كثيرة البساتين، تصنع فيها ثياب الصوف الجيدة. واشتهرت في العصور الإسلامية ‏بالستور البهنسية، أي الستائر والمنسوجات الكبيرة الفاخرة، وبالأغطية والفرش وأقمشة الخيام. ‏وذكرت المصادر أن هذه المنتجات كانت معروفة في أسواق واسعة، وأن بعضها صنع في ورش ‏رسمية للدولة. ولهذا تحمل البهنسا وجهًا اقتصاديًا مهمًا، إلى جانب وجهها الديني والروحي‎.‎
ومن جهة العمران، تذكر المصادر أن المدينة كانت تضم أسواقًا للأقمشة، ومساجد، وزوايا للفقراء ‏والمتصوفة، وحمامات، ومدرسة، وأماكن للتجار. وهذه الصورة تكشف مدينة نابضة بالحياة، فيها ‏صناعة، وتعليم، وعبادة، وتجارة، وزيارة. وحين نضع هذه الصورة إلى جوار مخطوطات سيرة فتوح ‏البهنسا، نرى مدينة كاملة: مدينة وثائق وبرديات، ومدينة أقمشة، ومدينة مقامات، ومدينة حكايات‎.‎
وتحتل جبانة البهنسا مكانًا كبيرًا في السيرة الشعبية. فالمخطوطات تتحدث عن قبور الشهداء ‏والصحابة والتابعين والصالحين، وتذكر مواضع للدعاء والزيارة، مثل مجرى الحصى، ومجرى ‏السيل، وبعض المشاهد القريبة من الجبل والجبانة. وينبغي التعامل مع الأعداد والأسماء في هذه ‏الروايات بروح علمية هادئة، مع احترام أثرها في وجدان الناس. فالقيمة الكبرى هنا أن السيرة ‏حفظت للبهنسا صورة مدينة مقدسة، وأنها جعلت زيارة المكان جزءًا من ذاكرة روحية واسعة‎.‎
وقد امتد اهتمامي بالبهنسا بعد تحقيق السيرة إلى دراسات أخرى، منها دراسة صورة البيزنطي في ‏السيرة، ودراسة التصوف والكرامات والزيارة في مخطوطات فتوح البهنسا. غير أن ما أود تأكيده هنا ‏أن قيمة السيرة لا تقوم على الخصومة أو التجريح، بل على كشف الطريقة التي صاغ بها المصريون ‏والعرب صورة المدينة في الخيال الشعبي. هذه السيرة تتيح لنا قراءة التاريخ من جهة الوجدان، وتفتح ‏بابًا لفهم كيف تحولت البهنسا إلى مكان تتجاور فيه الشهادة والزيارة والحكاية‎.‎
ومن هنا تأتي أهمية مشروع وزارة الأوقاف اليوم. فإحياء البهنسا يحتاج إلى ترميم، وتوثيق، وإرشاد، ‏ومعرفة، ومشاركة أهل المكان. يحتاج إلى خريطة واضحة للمقامات والمشاهد، وإلى تعريف علمي ‏مبسط بتاريخ أوكسيرنخوس والبرديات، وإلى تقديم مرويات المسيح ومريم في السيرة الشعبية بوعي ‏واحترام، وإلى بيان مكانة جبانة الشهداء في الوجدان المصري، وإلى فتح المجال أمام الباحثين ‏والمهتمين لترتيب هذا التراث وتقديمه للجمهور‎.‎
والمنصة الإلكترونية والتطبيق الذكي يمكن أن يكونا خطوة عملية مهمة في هذا الاتجاه. فالزائر ‏يحتاج إلى معرفة موضعه، ومعنى المقام الذي يزوره، وقصة المكان، وتاريخه، وحدود الرواية ‏الشعبية، وما تقوله الدراسات الحديثة. بهذا تتحول زيارة البهنسا إلى تجربة ثقافية وروحية، ويصبح ‏المكان مفتوحًا أمام المصريين والعرب والمهتمين بالتراث الديني والثقافي‎.‎
إن البهنسا تستحق هذا الاهتمام. فهي مدينة جمعت المسيح ومريم في السيرة الشعبية، والشهداء في ‏جبانتها، والستور في صناعتها، والبرديات في تاريخها القديم، والمقامات في وجدان زوارها. مدينة ‏بهذا الثراء تحتاج إلى خطاب يليق بها: خطاب هادئ، واضح، موثق، يحترم العلم، ويحترم محبة ‏الناس، ويقدر دور الدولة، ووزارة الأوقاف، والمجتمع المحلي، والباحثين، وكل محب لتراث مصر‎.‎

أخبار الساعة

الاكثر قراءة