الكاتب، الطبيب باهر دويدار، حالة خاصة جدًا من الإبداع، برع فى تقديم «دراما الوعي»، وتصدّر المشهد تمامًا فى كثير من الأعمال البطولية التى لاقت رواجًا ونجاحًا كبيرًا وتنتمى للدراما الوطنية، ورغم ذلك لا يعتبر نفسه كاتبًا مهمًا، أو رقم «واحد»، لكنه سعيد لكونه كاتبًا مؤثرًا - على حد قوله -، وهو ما يمثل له سعادة بالغة، كما رفض تشبيهه بالكاتب الراحل الكبير صالح مرسي، مؤكدًا أنه أستاذه الذى تربى على أعماله.
«باهر» فتح قلبه لـ «المصور»، كاشفًا عن أسرار نجاح دراما الوعى الوطنية، من خلال كواليس أعماله الملحمية «كلبش، العائدون، هجمة مرتدة، الاختيار»، وكيف تنبأ بما حدث فى سوريا؟، هذا إلى جانب عمله فى قطاع غزة، ولماذا تم استهدافه فى الصومال ومعايشته للجماعات الإرهابية، وتأثير دراسة الطب فى حياته، ومكتبة والده، وكتب محمد حسنين هيكل، وشغفه بالعالم د. جمال حمدان الذى يحلم بكتابة عمل عنه، وسر عشقه فى الوقت نفسه للشهيد البطل أحمد المنسي، الذى يعيش معه فى وجدانه.. و30 يونيو الخطوة التى غيّرت مسار مصر من «شديد القتامة والخطورة إلى إنقاذ البلد».. فإلى نص الحوار..
ونحن على أعتاب ذكرى «ثورة 30 يونيو» المجيدة.. لو تحدثنا عن - دراما الوعى - التى تميزت فيها عن غيرك.. هل هذه النوعية من الأعمال لها مواصفات خاصة وطريقة كتابة معينة تميزها عن غيرها، وهل كان فى خاطرك أنك تتفرد بهذه النوعية من الأعمال؟
فى البداية الموضوع ليس توقعات فيما يخص الشطر الأخير من سؤالك، لكن كان لدى رغبة أن أفعل ذلك منذ سنوات، حتى من قبل احترافى الكتابة، فمنذ صغرى كنت أحب مشاهدة هذا النوع من الدراما، ولم يكن يخطر ببالى على الإطلاق أننى سأقوم بهذا العمل مستقبلًا، والسر فى هذه الحكاية أنك غالبًا تتحدث عن وقائع وأحداث حقيقية، وهذا يفرض نوعًا من القيود بأن تلتزم بالحدث وتاريخه وشخوصه، وبخاصة إذا كانوا موجودين لأن فى توثيق للموضوع الذى تتحدث عنه، وبالتالى فى هذا العمل الدرامى تحديدًا لست فى مطلق الخيال بأن تقوم ما تريده فى هذه النوعية من الأعمال، ومن هنا يكون التحدى، وأضف إلى ذلك هذه النوعية من الدراما قد لا تكون جماهيرية بمعناها التجارى، وبالتالى يكون مطلوبًا منك فى الإطار أو السياق الدرامى لهذه النوعية من الأعمال يتميز بالتشويق ويستطيع تحقيق جماهيرية، ومن التحديات الأخرى التى تواجه كاتب هذه الأعمال، تناول أحداث قريبة زمنيًا «الناس حضرتها وعايشتها»، وبالتالى أى تغير ولو طفيفاً، الجمهور واعٍ وسيلاحظه على الفور، وبالتالى لابد وأن يستشعر المتفرج بأنه كان متعايشًا مع الأحداث التى يراها على الشاشة، ويشعر بنفسه داخل الحدث ويقول «أنا كنت موجود وهذا ما حدث».
تماشيًا مع ما تم ذكره على لسانك.. هل من السهولة على أى مؤلف «مبدع» الالتزام بما وقع من أحداث حقيقية، وفى نفس الوقت العمل يحمل طابعًا جماهيريًا أو تجاريًا.. والربط بين هذه التوليفة التى تثبت نجاحها دائمًا؟
بحماس شديد يقول: «لأ.. صعبة جدًا»، وتحدٍ كبير جدًا أيضًا بالنسبة للمؤلف، ويستدعى مجهودًا مضاعفًا، وعن نفسى أقول لك كيف أعمل على هذه النوعية من الدراما.. أولًا «الجزء البحثي»، مثل أى استقصائى وهو يعمل على شغله المنوط به، بعيدًا عن الدراما خالص، كل ما هو متاح من معلومات حول الموضوع الذى أكتبه، من تواريخ وشخوص وتفاصيل وقعت.. إلى آخره، وكل فرد كيف كان دوره، كأنك تقوم ببحث استقصائى بالضبط، الذى تستغرق حوالى ستة أشهر، ثم أبدأ فى تحويل تلك المعلومات لشكل «دراما»، ومرحلة الكتابة بعد ذلك.
كما أن التحديات الكبيرة الأخرى بأننى أكون على علم بأن هذا العمل سيكون مستهدفًا، وهذا يجعلنى مثل الذى يسير على الحبل، غير مسموح على الإطلاق بخطأ وحيد، لأنه لو حدث ذلك – لا سمح الله -، المتربصون سيمسكون بهذا الخيط للضرب فى مصداقية العمل ككل، ولذلك مرحلة البحث تكون شاقة، يصاحبها نوع من الوسواس القهرى للتأكد من كافة التفاصيل الدقيقة، خاصة وأنا لا أستقى معلوماتى على الإطلاق من مصادر مجهولة، أو التى لا يكون لها احترامها ومصداقيتها، كما أن هناك معلومات مغلوطة كثيرة على «السوشيال ميديا»، وبالتالى أراعى أن تكون مصادرى موثوقة جدًا، والمعلومة أجدها موجودة عند أكثر من مصدر، أو من خلال مصدرها الرئيسى، فى حين لو بتكتب مسلسل درامى عادى.. تطلق خيالك فى المطلق أو العموم وتكتب ما تشاء، أما الجزء الثانى فى الموضوع أحيانًا فيقيد خيالك غصب عنك.. وتلغى من عقلك أفكارًا معينة، وتلتزم بأشياء أخرى، لمجرد أنها لا تتناسب مع الأحداث الحقيقية داخل العمل.
ما العمل الذى أخذ منك مجهودًا شاقًا فى التدقيق والبحث والكتابة والتحضير له - قبل خروجه للنور؟
«الاختيار 1»، كان أكثرها صعوبة، لأننا تعرضنا من خلاله لأكثر من شهيد، وأكثر من بطل، صحيح هو يحكى قصة البطل المحورى الشهيد «أحمد المنسي» يرحمه الله، ولكن استعرضنا مجموعة كبيرة أخرى من الضباط والأحداث.
كنت حريصًا على الحصول على «تفاصيل التفاصيل»، مثل تسلسل الخدمة - لكل ضابط من هؤلاء، - بداية من «المنسي» نفسه مرورًا ببقية الشخصيات الأخرى بالعمل «فى الوقت الفلانى كان بيخدم فين ومتى انتقل للمكان الآخر.. و.. و.. إلى آخره»،.. وهذا ليس بالعمل السهل حتى أجمع كل هذه المعلومات، يحتاج لمجهود شاق.. والالتزام به، كما أنه كان لا ينفع ظهور كل ما سبق ذكره فى مشهد واحد، وعلى سبيل المثال حادثة «البرث» (هجوم رفح).. كل عسكرى وصف ضابط وقتها كان مكانه فين، وعندما بدأ الضرب، فلان كان متواجد أعلى السطح، والأوضة الفلانية، واللى كانوا نايمين.. وفى الخدمة، وما حدث بالضبط، وأستطيع القول بأنها صورت كأنها صورة «طبق الأصل» وبأدق تفاصيلها، وكان موضوع صعب جدًا.
كما كان هناك توثيق أيضًا من خلال الأحداث فى «الاختيار1» لما كان يحدث فى مصر فى تلك المرحلة فى عمومها، سنة حكم الإخوان، 30 يونيو، والتسلسل الزمنى لعمليات الإرهاب، والمشاركين والجماعات المسؤولة عنها، ويمكن خط الإرهابى «هشام عشماوي» بمفرده، لا أعتقد أن هناك أحدًا يعرف عنه هذا الحجم من التفاصيل، بداية من وهو طفل إلى أن تم القبض عليه، جزء كبير من هذه المعلومات جاءت على لسان هشام عشماوى نفسه من خلال التحقيقات معه، وليست نقلًا من أحد.. وكل شيء يخص حياته.
هل كان كل هذا المجهود الشاق والتدقيق الدءوب لعمل مشرف مثل «الاختيار 1» لأنه جاء بتكليف بالنسبة لك؟
«شرف ما بعده شرف»، أن أحظى بكتابة «الاختيار 1» وحدث على المستوى الشخصى يفوق أحلامى «فى الوقت ده لم أكن أحلم بكتابة هذا المشروع»، وكانت أمنية عزيزة لدى ولم أتخيل حدوثها، وقد كان بفضل الله، ويمكن الدافع الرئيسى ما يجعلنى أعمل هكذا، إحساسى بالمسؤولية تجاه المشاهد الكريم، وأنه لا يتم استهداف العمل، لأنه أعلم جدًا مدى تأثيره، ولذلك سيُحارب، والحمد لله كانت تجربة رائعة وكل التيارات التى كانت ضد مصر لم تنجح فى أنها تشكك فى معلومة واحدة جاءت ضمن أحداث المسلسل، لدرجة أن أهل هشام عشماوى على سبيل المثال، لم يشككوا فى أى شيء يخصه ضمن سياق العمل الدرامى، لأننى نقلت الحقيقة -كما هى-، وفى النهاية أعلم جيدًا بأنه عمل درامى «وثيقة تاريخية» وهناك بلد وأجهزته سمعتها على المحك، وهذا العمل سيبقى ونحن إلى زوال فى نهاية الأمر «سنة الحياة»، وعندما تستشعر كل ما قلت وحجم المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقك، لابد من الالتزام بها، فلا مجال لخطأ واحد، كما سبق وذكرت، لأنه سيكون مثل «ألف خطأ»، وهذا أكثر شيء كنت حريصًا عليه حتى لا يفقد العمل المصداقية بسبب المتربصين به، خاصة أننى «موسوس» بطبعى فى شغلى، ولذلك تعاملت مع هذا الموضوع بحرص شديد جدًا، والحمد لله ربنا كرمنا، والعمل خرج على أحسن ما يكون، وما كنا نريده، ويعد «الاختيار 1» وثيقة تاريخية لا يُستهان بها، للأجيال التى ستأتى من بعدنا، ويعرفون ما دار فى تلك الحقبة الزمنية ولا يجدون أى شيء يدعو للتشكيك.
بصراحة.. ألم يكن هناك أية تدخلات من قبل أى أطراف فيما يخص سيناريو العمل قبل بدء التصوير؟
لا خالص.. التجارب التى خضتها جميعًا سواء فى «الاختيار 1»، أو «هجمة مرتدة» أو «العائدون»، بالعكس كانوا متعاونين جدًا، وطريقة التحضير للعمل فى البداية أسمع منهم فيما يخص العمل، ثم أبدأ الكتابة، وبالتالى مساحة الخطأ محدودة جدًا، أو أن يكون هناك شيء غير مرغوب فيه.
مثل ماذا؟
على سبيل المثال لم أؤد الخدمة العسكرية، وبالتالى أنا تمامًا بعيد عن الحياة العسكرية، ومن الجائز يكون هناك تفصيلة صغيرة عن الحياة داخل معسكرات الجيش على سبيل المثال.. لا أعرفها، فيقوموا بتصحيحها لى، أشياء بسيطة لا تُذكر مثل الذى ذكرت، ولكن الحمد لله صلب الموضوع لم يتغير منه شيء بفضل الله، لأنهم كانوا متعاونين جدًا الحقيقة وواثقين فينا ويمنحونا مساحة كبيرة من الحرية فى التعامل مع الموضوع.
ماذا لو سمح لك بالكتابة عن عمل جديد «دراما وعي» فأى القضايا التى سيتبناها مشروعك الفنى الجديد لو افترضنا ذلك صحيحًا؟
بعد أن أخذ برهة من الوقت للتفكير وصاحب كلامه «تنهيدة» ثم قال:- أحمل «هم» حاجتين مهمين، الجزء الأول تقديم «المثل الأعلى»، ليس بالضرورة يكون ضابط، ونستطيع أن نقدم له «بطل»، وتاريخنا سواء القديم والحديث حافل بنماذج كثيرة جدًا فى كل المجالات، تستحق أن يشاهدها الناس على الشاشات المختلفة، وينطبق عليها هذا الكلام، فأتمنى أحقق ذلك، وأتذكر منذ أن كنت طالبًا فى الجامعة وقبل احتراف الكتابة كان نفسى أكتب عملًا عن العالم المفكر الراحل الدكتور جمال حمدان، لأنه إنسان مؤثر للغاية، ونموذج محبب للشباب فى الزمن الذى نعيشه حالًا، الحاجة الثانية «ملف الفساد»، وفى وجهة نظرى المتواضعة فى العموم يعتبر بالنسبة للدول أحد التهديدات التى تواجهها، مثل الإرهاب بالضبط، لأنه يمثل خطورة أيضًا، ولدى موضوع آخر أتمنى أن يظهر للنور فى يوم من الأيام يتناول «التطرف (الإرهاب) والإلحاد» لأنهما وجهان لعملة واحدة، يقومون بتغذية بعضهم البعض، بمعنى انتشار الإلحاد يؤدى إلى انتشار التطرف، ومن يتبع لهم أشخاص تركيبات إنسانية واحدة تعانى من الخلل، شديدى التطرف فى أفكارهم، وردود أفعالهم على الأحداث، ولأننى طبيب بشرى لدى معلومات فى علم النفس تفيد بذلك، ولذلك كانت هذه الفكرة تراودنى فى تقديمها وربنا يكرم وتخرج للنور فى أقرب وقت ممكن، لأنها كانت مشروعاً قائماً، واشتغلت عليها بالفعل، وللأسف حصلت ظروف أدت للتأجيل، وأعتقد أننا قطعنا شوطًا جيدًا فى موضوع الإرهاب والتطرف، ومن الممكن فتح ملفات أخرى، لأن التعامل مع فلسفة التطرف مهم جدًا، وأن «الناس تبقى فاهمة التطرف ده جاى منين» أدبياته، وكيف يستهدف الشباب ويستقطبهم، والمعركة فيها جزء كبير فكرى، ولذلك أتمنى لو أمدّ الله فى عمرى، بأن أقوم بهذا المشروع.
هل توافقنى الرأى لو قلت بأن عملك فى الأمم المتحدة ومعايشتك للأحداث الملتهبة فى ليبيا والصومال.. ومع الإغاثة فى غزة أثر على كتاباتك عن هذا النوع من الأعمال الدرامية وميزك عن غيرك من زملائك المؤلفين؟
الحمد لله هى منحة من قبل المولى عز وجل، يمكن مسار حياتى ساعدنى جامد جدًا فى كتابة تلك المشروعات، لأننى رأيت الإرهابيين رأى العين، وحضرت حوادث إرهابية كثيرة، وشخصيًا تم استهدافى فى وقت من الأوقات عندما كنت موظفًا فى الأمم المتحدة، والوقت الذى عملت فيه فى الصومال تحديدًا كان مهمًا، ولم يكن فى بالى قطعًا كتابة مشروعات شبه كده، وكان يستهوينى أنى عايش وسط هؤلاء الإرهابيين، وعايز أفهم طريقة تفكيرهم، والأفكار التى يتبنونها.. ويعتمدون فيها على إيه؟، وبحكم أن الحركة محدودة جدًا فى الصومال، كان عندى وقت فراغ كبير، خلال العامين اللذين عشتهما هناك، كنت أذاكر الإرهاب من كل جوانبه هناك، وقرأت كل كتبهم الرئيسية التى يعتمدون عليها، وكنت أضحك مع أصحابى هناك وأقول لهم مازحًا «أنا بقيت أفهم فى الإرهاب أكثر من أبوبكر البغدادي»، لكن كنت أقوم بذلك بشكل شخصى، أمر يستهوينى «عايز أفهم الناس اللى من حولى فى الصومال»، ومؤكد كل هذا المخزون أفادنى جدًا عند الكتابة، وباقى الزملاء لم تسنح لهم الفرصة لتلك التجارب والمعايشات والقراءات مثلما حدث معى فى تلك الدول، وهذا وسع مداركى ومعرفتى للأمور بشكل أوسع عن أقرانى -، ومن المؤكد هذا يصنع فارقًا فيما بيننا مع احترامى الكامل لهم ولمواهبهم جميعًا.
هل نشأتك وحب والدك للقراءة والكلام فى السياسة أثرت على كتاباتك ومخزونك وتفكيرك وتكوينك بشكل عام؟
والدى لعب دورًا كبيرًا جدًا فى نشأتى، حيث كنت أكبر إخوتى وصاحبنى، فقرأت فى مرحلة سنية صغيرة من مكتبته الخاصة كتاب «لعبة الأمم»، وكتب للأستاذ محمد حسنين هيكل، وكان يناقشنى فيما قرأت، كما كنت طالبًا نشطًا فى الاتحادات الطلابية المختلفة طوال فترات الدراسة، ولذلك كان هناك صدام مع تيارات الإخوان داخل المدرسة والجامعة، والاحتكاك بهم أفادنى قطعًا فى معرفة حقيقتهم، «من بدرى، مكشوفين بالنسبة لى غير باقى الناس»، لأنهم فى المنافسات التى كانت بيننا طوال الدراسة كانوا يظهرون أمامنا بوجه مغاير تمامًا مع الناس العادية من حولهم، وسبحان الله، عندما أتفكر فى مسار حياتى، أحمد الله عز وجل، كأنه يعدنى أشتغل الشغلانة دى، وجاهز لتلك التجربة، ومن المؤكد لم أكن أدرك ذلك من قبل، وليس لى يد فيها، والموضوع قدرى بحت.
وهل ستكتب عملًا يناقش قضية الحرب المشتعلة ما بين إيران وإسرائيل وأمريكا.. والأحداث الملتهبة على الساحة العالمية الآن؟
قبل اندلاع الحرب بين أمريكا وإيران طرح على سؤال فى مقابلة إعلامية فى هذا الخصوص، وكانت إجابتى بأننى لا أحب الحديث فى شيء لا أفهمه بشكل جيد، هذا الملف لست ملمًا به بشكل كامل حتى أعطى وجهة نظرى، ولكن بعد وقوع الحرب من الطبيعى بدأت أبحث وأتابع حتى أفهم ما يحدث، أظن إشكالية السنة والشيعة والطوائف الموجودة فى الدول العربية تستحق إلقاء الضوء عليها، وفى رأيى كل ما هو يمكن استخدامه ضدك كمنطقة جدير بأنك تسلط الضوء عليه وتفنده وتحلله بشكل موضوعى «علشان كلنا نبقى فاهمين وشايفين الصورة بشكل صحيح»، ولا يتم التلاعب بنا باستخدام تلك الملفات.
عند عملك مع هيئة الإغاثة فى قطاع غزة.. هل كنت تتوقع ما آلت الأمور إليه حاليًا؟
لم يكن تم الكشف عن حقل «الغاز» على سواحل غزة وقت عملى هناك، ووقت عملى هناك كان وقت حرب ولكن ليس بهذه الصورة الموجودة عليها غزة الآن، وعشت مع «الغزاوية» 45 يومًا سواء عندما جاءوا إلى مصر، أو نقل المرضى من داخل القطاع، وشاهدت غزة بعينى، نمط حياة الناس وتركيبتهم الديموغرافية، وجلست معهم وسمعت وجهات نظر مختلفة من تيارات متعددة، من رفح الفلسطينية مرورًا بخان يونس حتى هناك، فشاهدت على الطبيعة كل شيء، والأخبار التى تأتى من هناك تترجم لى صورة وناس، لأننى عارف كل الأماكن هناك، ومستشفى «الشفاء» التى كانت عليها المشاكل، سبق لى دخولها وأحضرت مرضى الرعاية المركزة ونقلتهم من هناك، وكوّنت صورة مختلفة عن الذى يسمع الأخبار ولم يسبق له السفر إلى هناك.
ماذا عن الملف السورى؟
سوريا أول مرة سافرت إليها للسياحة فى حياتى، سنة 2006، ووقعت فى غرام هذا البلد العربى الشقيق، من أجمل سفريات حياتى، كنت صغيراً وقتها وإمكانياتى المادية محدودة ورغم ذلك قدرت أنبسط فيها، ولذلك أحببت دولة سوريا وأهلها وشعبها جدًا، وعندما ظهر ملف الإرهاب بدأت أقلب فيه، وقرأت وبحثت عنه كثيرًا، فتكونت لدى وجهة نظر، واستقر فى وجدانى موضوع باب البحر المتوسط محرك رئيسى جدًا للكثير من الأحداث، ولذلك ربطت كثيرًا من الأمور مع بعضها، واللاعبون الرئيسيون بها محركو الأحداث، وأجندات الدول هناك، وبالتالى تستطيع التوقع لما سيحدث بعد ذلك من أمور، بالاستقراء التاريخى وتحديد المواقف، وربما فى مسلسل «العائدون» المفارقة أن الموضوع كان «شبهه أوى وقريب جدًا»، وتنبأت بأحداث سوريا – كما تقول- من خلال أحداث المسلسل، وقلت من خلال «العائدون» أن خطوة «داعش» القادمة ستكون فى إفريقيا،..لأنهم كما يطلقون عليهم باللغة الإنجليزية «بندقية للإيجار»، وتحولوا لذلك، لأن الثروات الإفريقية أصبحت مطمعًا كبيرًا لكل الكيانات الاستعمارية والإرهابية، وبالتالى كان متوقعاً حدوث ذلك، والحمد لله توفقنا فيها.
أى من أعمالك الناجحة يلامس الواقع الذى نعيشه الآن.. وأيها أقرب إلى قلبك؟
لن أقول لك «كلهم ولادي» وما شابه، ولكن كل عمل فيهم يمتاز بشىء معين مختلف عن الآخر، ويمكن أكثر عمل أخذ منى وقتاً طويلاً فى الكتابة «هجمة مرتدة» لمدة عامين، من المشاريع التى أحبها جدًا، وكان الملف الذى يتناوله المسلسل حساسًا جدًا، وكانت لدى وجهة نظر بأنه فى حالة استقطاب قوية جدًا تجاه أى موضوع، واصلين لمرحلة من يقول «يمين» يصبح يمينيًا جدًا وغير قابل أى كلام فى «الشمال».. والعكس صحيح، مع اختفاء وجهة النظر المتوسطة، العقلانية، بأن يسمع الطرفان لكليهما، ولذلك أحببت أقدم هذا الموضوع، تعالوا نخرج من حالة الاستفراد فى الرأى، ونفند الموضوع بموضوعية شديدة، لأنه فى النهاية هذا تاريخ بلدى ودروس مستفادة نخرج بها من المسلسل، والحمد لله أدعى بأننا نجحنا فى تقديمه بشكل كبير «لا نبقى دفاعيين جداً ولا هجوميين أوي»، ونكون هادئين ونحن نتناول هذا الملف، وموضوعيين وأمناء مع الناس التى تشاهد العمل، وننقل ما حدث كما هو بدون حالة تطرف فكرى.
وبعيدًا عن الكتابة خالص، أؤكد لك على المستوى الشخصى بأننى وقعت فى غرام «أحمد المنسي»، وما زال عايش معى حتى الآن لا يفارقنى لحظة واحدة من فرط حبى وإعجابى به، وكنت زعلان جدًا وأنا أكتب الحلقة الأخيرة من المسلسل لتوقفى عن الكتابة عنه، لم أر فى حياتى شخصا بهذا النبل، والرقى، والولاء، والوطنية، ومع أسرته وزملائه وأصدقائه، «مقاتل مفيش أحسن من كده»، وقائد يحتذى به، شخص استثنائى بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ وجميل فى كل شيء، و«المنسي» أثر فى حياتى شخصيًا، وتعلمت منه.
ما تفسيرك بأن أعمالك الملحمية يمكن تصنيفها بأنها ضمن أعمال الأكشن والتشويق؟
فى الأساس أستهدف الشباب أكثر من الكبار، لأن كبار السن تكاد تكون تلك الأفكار يحملونها فى الأساس، ولكن المعركة بينى وبين الأطراف الخارجية التى تستهدف مصر حول الجيل الصغير، ونحن الاثنين هدفنا واحد، ومن يلحق يستقطبهم ويأخذهم فى حضنه أولًا، وبالتالى السياق الدرامى الشيق مع الجزء الدرامى الإنسانى يجعل الشباب يكونون مستمتعين بالمشاهدة، بعيدًا عن الملل، حتى لا ينصرفوا عن المسلسل، وتصل الرسالة إليهم فى النهاية، وبالتالى الجزء الفنى الشيق مهم جدًا ولا يقل أهمية بل بالعكس، وهو بمثابة السفينة التى تحمل العنصر الفكرى الرئيسى وتوصله للناس، و«بدونه عمرك ما هتوصل لحاجة».
ماذا لو قلت لك بأنك امتداد للكاتب الرائع الراحل الكبير «صالح مرسي»؟
امتلأ وجهه بالفرحة والخجل فى نفس الوقت وهو يقول: «لا يا عم.. ده كلام كبير عليّ».. أستاذ صالح مرسى له مكانة خاصة جدًا متفردة لا يستطيع أحد الوصول إليها، قامة كبيرة جدًا، تربيت على أعماله الفريدة، وللمفارقة العجيبة أننى حرصت الأسبوع الماضى على مشاهدة أولادى المسلسل الشهير «دموع فى عيون وقحة» للأستاذ صالح مرسى، وبطولة النجم الكبير عادل إمام، وكانوا سعداء جدًا، وارتبطوا بالمسلسل، ومما لا شك فيه أساتذتنا جميعهم أثروا فينا بشكل كبير جدًا، ومدين لهم بالمستوى الذى أنا عليه اليوم، لأن وقتهم كانت الدراما تقوم بتربية الناس بالفعل، أجيال كاملة، أمثال الأساتذة أسامة أنور عكاشة، ومحمد جلال عبد القوى، وحيد حامد.
سؤالى الأخير.. ماذا تقول فى 30 يونيو؟
«التاريخ بعد فترة زمنية كبيرة والصورة تتبلور تمامًا، اليوم ده 30 يونيو فى تاريخ مصر، سيُذكر لمئات السنين القادمة، يوم محورى وخطوة غيّرت مسار مصر من شديد القتامة والخطورة إلى إنقاذ البلد، ويمكن لأننا عشنا هذا اليوم عن قرب، لن نعرف قيمته بالشكل المطلوب إلا بعد مرور سنين طويلة، والأجيال اللى بعد كده هتعرف قيمته أكثر مننا».