تكتسب الزيارة التي قام بها السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، إلى فرنسا ومباحثاته مع الرئيس إيمانويل ماكرون، ومذكرات التفاهم والتعاون التي تم توقيعها على هامش الزيارة، أهمية كبيرة، كونها تدشن مرحلة جديدة لشراكة استراتيجية واستثمارية بين مسقط وباريس، وتؤكد على متانة العلاقات الثُّنائية التي تجمع البلدين، والتي تشهد تطورًا متواصلًا منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما قبل أكثر من خمسة عقود.
ترسخ هذه الزيارة للإستراتيجية العُمانية القائمة على تعزيز علاقاتها الخارجيّة التي تتسم بالتوازن والانفتاح وبناء الشّراكات الفاعلة، بما يعكس نهجها في السياسة الخارجيّة في توسيع مجالات التّعاون مع الدّول الشّقيقة والصّديقة، ودعم المصالح المُشتركة، وتعزيز جهود الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي .
وتتميز العلاقاتُ العُمانيّة الفرنسيّة، المُمتدة عبر العقود الماضية، بطابعها القائم على الاحترام المُتبادل والتّعاون البنّاء؛ الأمر الذي أسهم في ترسيخ شراكة راسخة شملت مختلف المجالات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والعلميّة، وعزّزت فرص التّنسيق المُتبادل في القضايا ذات الاهتمام المشترك.
تعود بدايات العلاقات العُمانية الفرنسية إلى القرن الثامن عشر، مع انطلاق أوّل الاتصالات عبر التجارة البحرية في المحيط الهندي وشرق أفريقيا، في إطار الدور البحري والتجاري الذي اضطلعت به عُمان وانخراطها في شبكات التجارة الدولية آنذاك، إذ اتسمت تلك المرحلة بطابع تجاريّ وملاحيّ وتفاعل تدريجيّ مع القوى الأوروبية .
وفي أواخر القرن التاسع عشر، تطوّر هذا التواصل إلى مستوى التمثيل القنصلي الفرنسي في سلطنة عُمان، وهو ما شكّل محطّة مهمّة في مسار العلاقات الثنائية، ومع انطلاق النهضة الحديثة عام 1970، دخلت العلاقات مرحلة جديدة اتسمت بالاستقرار والتوسع منذ إقامتها رسميًّا عام 1972م، وتبادل السفراء لأول مرّة عام 1974م، لتشمل مجالات الاقتصاد والطّاقة والدّفاع والثّقافة، إلى جانب التنسيق السياسي.
وفي المرحلة الراهنة، تجسّد العلاقات العُمانية الفرنسية مستوىً متقدّمًا من التنسيق والتشاور بين قيادتي البلدين، إذ بحث السُّلطان هيثم بن طارق والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال سلسلة من الاتّصالات الهاتفيّة المُتبادلة كان آخرها في 31 مايو الماضي، مُستجدات الأوضاع الإقليميّة والدوليّة، والجهود الدبلوماسية الرامية إلى دعم الأمن والاستقرار وحرية الملاحة البحرية وحركة التجارة الدولية، ومسارات التعاون والشراكة بين البلدين الصديقين .
يجمع البلدين تعاونٌ متنامٍ في عدد من القطاعات الاقتصادية والاستثمارية الواعدة، من بينها الطاقة المُتجدّدة، وحلول الطاقة النظيفة، والصناعة، والفضاء، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والتكنولوجيا، والأمن الغذائي، والبنية الأساسية، والدّفاع، بما يعزز المصالح المشتركة ويفتح آفاقًا أوسع للشّراكة المُستقبلية.
وعقد الجانبان خلال أبريل 2026 في العاصمة الفرنسية باريس الجولة الأولى من الحوار الاستراتيجي بين البلدين التي أكدت على عمق الشراكة القائمة واستعرضت مسارات التعاون الثنائي، لا سيما في القطاعات الاقتصادية والاستثمارية وأمن الطاقة والثقافة والتعليم والتدريب، بما يُسهم في توسيع آفاق التعاون ورفع مستواه .
وفي الجانب الاستثماري، وقّعت سلطنة عُمان خلال مشاركتها في مهرجان العمران العالمي "ميبيم 2026" بمدينة كان الفرنسية على 17 اتفاقية استثماريّة وتطويريّة بقيمة تجاوزت 762 مليون ريال عُماني، شملت مشروعات مُرتبطة بتطوير المُدن المُستقبليّة والأحياء السكنية المتكاملة.
ويواصل مجلس الأعمال العُماني الفرنسي تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين ودعم الشركات الراغبة في الاستثمار في السوقين العُماني والفرنسي، والاستفادة من الخبرات والتقنيات المتقدمة، إذ بحث خلال اجتماعه بمسقط في أكتوبر 2025 فرص الاستثمار وخطة العمل لتعزيز التّعاون بين مؤسسات القطاع الخاص في البلدين .
أكثر من 100 مليون ريال حجم التبادل التجاري بين عُمان وفرنسا
وأظهرت البيانات الصادرة عن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أن حجم التبادل التجاري بين سلطنة عُمان والجمهورية الفرنسية ارتفع خلال عام 2025 إلى أكثر من 100 مليون ريال عُماني، وسجلت الواردات الفرنسية ارتفاعًا إلى سلطنة عُمان من 63.1 مليون ريال عُماني في عام 2024 إلى 70.8 مليون ريال عُماني في عام 2025، فيما بلغت الصادرات العُمانية إلى فرنسا في العام ذاته أكثر من 29 مليون ريال عُماني، وتمثلت في منتجات الألمنيوم والحديد والبولي إثيلين والأدوية وغيرها.
وبلغ عددُ الشّركات المسجلة في سلطنة عُمان التي تضم إسهامات فرنسية حتى نهاية عام 2025، نحو 298 شركة، بارتفاع نسبته 29.53 بالمائة مقارنة بعام 2024 الذي سجل 210 شركات، كما ارتفع حجم رأس المال الفرنسي المستثمر من أكثر من 16.9 مليون ريال عُماني إلى أكثر من 19.7 مليون ريال عُماني، بزيادة بلغت 16.84 بالمائة، بحسب بيانات وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، وتركزت تلك الاستثمارات في قطاعات تجارة الجملة والتجزئة والأنشطة المهنية والعلمية والتقنية والمعلومات والاتصالات .
ويعمل الجانبان العُماني والفرنسي على وضع مُستهدفات لزيادة حجم التبادل التجاري وتنويع قاعدته السلعية، مع تعزيز حصة المنتجات غير النفطية، بما في ذلك الصناعية والغذائية والدوائية والتقنية.
ومن المقرر مشاركة عدد من كبار المستثمرين والشركات الفرنسية في النسخة الثانية من منتدى "أدفانتج عُمان" الذي سيُعقد في مسقط خلال شهر أكتوبر المقبل، والترويج للمنتدى في فرنسا عبر الجهات المعنية مثل "بيزنس فرانس"، والغرف التجارية، واتحادات الأعمال، وصناديق الاستثمار؛ بما يسهم في إبراز الفرص الاستثمارية الواعدة في سلطنة عُمان .
المؤكد أن التطورات التي شهدتها بيئة الأعمال في سلطنة عُمان خلال السنوات الأخيرة، وما رافقها من تحديثات تشريعية وتسهيلات استثمارية، إلى جانب وجود مشاريع عملاقة في مختلف المحافظات العُمانية، مثل ولاية الدقم، تُعد قفزة كبيرة يُعوّل عليها في استقطاب مشاريع كبيرة من الجمهورية الفرنسية وغيرها من دول العالم، لما تمتاز به من تسهيلات وإجراءات تخدم المستثمرين وفرص واعدة، جعلت البلاد أكثر قدرة على استقطاب الاستثمارات الأجنبية وإقامة شراكات ذات قيمة مضافة، وهو ما يمنح الشركات الفرنسية فرصًا واعدة للدخول في مشروعات مشتركة مع القطاع الخاص العُماني.
كما أن الاستثمارات الفرنسية تحظى باهتمام كبير في سلطنة عُمان، إذ تنفذ شركات فرنسية مشروعات استراتيجية في قطاعات الطاقة والخدمات اللوجستيّة والتقنيات الحديثة وإعادة التدوير والفضاء من بينها مشروع (مرسى الغاز الطبيعي المسال) المشترك بين مجموعة أوكيو وشركة توتال للطاقة، ومشروع (منح 1) للطاقة الشمسية، ومشروعات إنتاج الكهرباء والمياه في بركاء وصحار، ومشروع القمر الصناعي العُماني (عُمان سات-1)، وغيرها من المبادرات التي تعكس الثقة المتبادلة بين الجانبين وتؤكد على مكانة سلطنة عُمان بوصفها وجهةً جاذبةً للاستثمارات النوعية .
ومن المتوقع أن تفتح الزيارة أبوابًا جديدة أمام رجال الأعمال العُمانيين من خلال تعزيز الشراكات مع الشركات الفرنسية، مما سينعكس إيجابًا على القطاع الخاص عبر نقل الخبرات والتقنيات الحديثة، وإقامة مشروعات مشتركة تسهم في خلق فرص عمل، ورفع تنافسية الشركات الوطنية، وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في التنمية الاقتصادية.
خاصة أن القطاع الخاص العُماني يمتلك اليوم من الإمكانات والخبرات ما يؤهله للدخول في شراكات استراتيجية مع نظيره الفرنسي في قطاعات المستقبل، لا سيما الصناعات التحويلية، والطاقة النظيفة، والاقتصاد الرقمي، وسلاسل الإمداد، والتقنيات المتقدمة، والخدمات اللوجستية، مؤكدًا أن هذه الشراكات تعمل على نقل المعرفة، وتعزيز الابتكار، وخلق فرص استثمارية جديدة للمؤسسات العُمانية.
إجمالاً يمكن القول أن مثل هذه الزيارات تبعث برسالة واضحة للمستثمرين بأن سلطنة عُمان تمضي بثبات نحو بناء اقتصاد أكثر انفتاحًا وجاذبية للاستثمار، مستندة إلى منظومة تشريعية مستقرة، وموقع جغرافي استراتيجي، وبنية أساسية متطورة تشمل الموانئ والمطارات وشبكات الإمداد، بما يعزز مكانتها كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية.