لكن يبدو أن النظرة إلى المدرسة والعلاقة بها بدأت فى التغير، إن لم تكن تغيرت بالفعل، والدليل عدة أمور، أبرزها ذلك الخبر الذى تم تداوله بعد انتهاء امتحانات الإعدادية الخميس الماضى، فقد قام 13 تلميذًا بتمزيق مقاعدهم بالفصل عقب انتهاء الامتحان، وحطموا النوافذ وكسروا الأبواب، وهكذا أعمال قاموا بها فى لحظة انفعال، لا ندرى هل تم ذلك تعبيرا عن الفرح بانتهاء العام أم بانتهاء علاقتهم بالمدرسة أم هو تعبير عن الغضب المكتوم أم هى نشوة بحالة الخلاص من همّ وكابوس كان جاثما على صدورهم، الواقعة جرت فى مدرسة بإحدى محافظات الصعيد، لكن هناك حالة باتت متكررة سنويا، وهى مشهد الطلاب فى نهاية العام وهم يمزقون الكتب الدراسية فى فناء المدرسة أو أمامها، بصورة تكاد تكون جماعية.
فى إحدى المدارس قاموا بإشعال النيران فى الكتب، من قبل كان الكتاب صديقًا للطالب، يحتفظ به بعد نهاية العام اعتزازا، وقد يحتفظ بكتاب معين سنوات.. كانت تُوزع على الطلاب فى وقت ما نسخة من «المصباح المنير»، وهو قاموس مبسط للغة العربية وأطلس بالخرائط، كان هذان الكتابان يظلان لدى كل طالب فى المنزل أقرب إلى مرجع، تتوارثه الأجيال، الأبناء عن الآباء.. الآن ماذا جرى؟!
هل تغير المزاج العام، هل صار الطلاب لا يحبون مدرستهم، بل يكرهونها ويكرهون الكتاب المدرسى؟ أم أن هناك أمورًا أخرى وأسبابًا خفية عنا؟
يبدو لى أن المجتمع –فى المقام الأول- وكذا وزارة التربية عبر سنوات، قاما بـ اختزال العملية التعليمية فى ورقة الامتحان ونتيجة الامتحانات فقط لا غير.
المدرسة أكبر من ذلك بكثير، هى بناء للإنسان، ومن ثم ينبغى أن يكون فيها النشاط الرياضى والفنى (الموسيقى) والثقافى أيضا، بالإضافة إلى المناهج الدراسية، بحيث يكون الامتحان أشبه بتحصيل حاصل أو نتيجة طبيعية لمقدمة موجودة مسبقًا، وبهذا المعنى لن يكون الامتحان فى نظر الطالب معضلة ولا لحظة عقوبة يقضيها، فضلاً عن أن النتيجة لن تكون نهاية العالم.
فى العام الماضى انتحرت طالبتان فى الإعدادية، كل منهما فى محافظة مختلفة، الأولى لأنها خرجت من امتحان مادة الرياضيات وشعرت أنها لم تقدم الإجابة التى كانت تتوقعها، والثانية كانت فى مادة الكيمياء، والتساؤل هنا: ماذا حتى لو أن كلاً منهما لم توفق فى الامتحان فى تلك المادة هناك دور ثانٍ أو امتحان قادم، لكنْ واضح أن الضغط الأسرى والمجتمعى على الطلاب بات شديدًا وطاغيًا.
المدرسة والتعليم ليسا امتحانًا ودرجات نجاح فقط، لكن حياة كاملة وبناء إنسان يجتهد وقد لا يُوفق، ولا يكون قادرًا على احتمال الصدمة، ولكن بالثبات والإرادة يكون قادرًا على تحديها ومواجهتها.
والمفترض أن المدرسة تظلّ مفتوحة وتبقى علاقة الطلاب قائمة بها، حتى فى فترة الصيف- المكتبة والتدريب الموسيقى والفنى وغير ذلك، لا يصحّ أن تصبح المدرسة مجرد «برشامة» يحملها معه الطالب إلى الامتحان أو يحفظها فى رأسه ويضعها على الورقة، ثم ينتهى كل شيء.
حين تأسست المدارس فى زمن محمد على ثم فى عهد إسماعيل باشا، كان هناك حرص فى العديد من المدارس أن تكون «مدارس داخلية»، وكان الهدف أن يتم تكوين التلميذ وفق تصور معين، حين كانت الدولة الحديثة فى مرحلة بناء كوادر وطنية، ومن هنا كانت المدرسة أقرب إلى بيت وحياة كاملة.. الآن اختلف الأمر، لكن ليس معنى هذا أن تكون العلاقة مع المدرسة على هذا النحو الذى نراه وتكشف عنه بعض الشواهد أمامنا، خاصة أيام الامتحانات.
اختزال المدرسة والعملية التعليمية برمتها فى يوم ولحظة الامتحان فتح الباب لاعتبار «الغش» وسيلة مشروعة، ليس فى نظر بعض الطلاب والطالبات، بل فى نظر بعض الأولياء والأسر، ويمكن القول إن ذلك شعور قطاع فى المجتمع، للتذكرة فقط وحتى لا نقع فى خانة جلد الذات غير المبرر، فإن هذه الظاهرة موجودة فى عدد من الدول العربية، بل فى عدد آخر من دول العالم، واضح أنها ظاهرة عامة عابرة للحدود.
لا أقول ذلك للتهوين من الأمر ولا منحه أى قدر من المشروعية، أو اختلاق مبرر وإيجاد اعتذار، الغش هو الغش، فعل وتصرف مُدان أخلاقيا وتربويا وقانونيا، مرفوض ومُدان بكافة المعانى، لكن علينا أن نفكر: لماذا وكيف وصلنا إلى هذه الحالة؟!
الغش، خاصة الجماعى، يهزّ هيبة المدرسة وهيبة العملية التعليمية، حينما أراد أمير الشعراء أحمد شوقى تقدير مكانة المعلم، قال «كاد المعلم أن يكون رسولا».. وضعه فى درجة تقترب من درجة الرسل، تأمل ما جرى من ولية أمر تلميذة أو شلتها مع المدرسة التى رفضت ابنتها أن تغشش زميلتها، ابنة أخت تلك السيدة، انهالت عليها ضربا، صحيح أنه تم التصالح فى التحقيقات بينهما، لكن مهابة المعلم والمعلمة خُدشت، لن أقول كُسرت، الوقائع كثيرة وعديدة، تحدث فى السنوات الأخيرة.
ولما أراد شاعر النيل حافظ إبراهيم أن يعبر عن تقديره لمكانة ودور الأم وصفها بأنها مدرسة، فى البيت الشهير الذى يبدأ بالحكمة التالية «الأم مدرسة»، فلماذا يتم التعامل على هذا النحو من بعض الطلاب مع المدرسة؟ وكيف هانت المدرسة على نفر منا.
الغش قد يتجاوز العملية التعليمية برمتها؛ إذ إنه يهزّ الثقة فى تميمة العدالة بالمجتمع وبين الأفراد؛ إذ إنه يحقق لغير المجتهد ولمَن لم يبذل جهدًا كافيًا التساوى مع بل يسبق ويتقدم على مَن أخلص فى المذاكرة وبذل جهدًا طوال العام الدراسى، ويفتح الباب لأن يظل هناك مَن يرى إمكانية تحقيق فرصة ونجاح دون جهد يُذكر ودون استحقاق.. ومن هنا نحن بإزاء إشكالية يجب أن تُدرس جيدًا لأنها تمسّ كيان المجتمع كله.
أحد الأسباب ربما تكون أننا فى ثقافتنا العامة خلطنا بين عدة أمور، مثل مجانية التعليم، وإلزامية التعليم، ثم درجة النجاح.
مجانية التعليم تعنى أنه لا يُحرم طفل من دخول المدرسة، وفرصة التعليم بسبب عدم قدرة الأسرة على دفع المصاريف، فتتحمل الدولة المصاريف وتقدم الخدمة التعليمية بالمجان، وقد قطعت مصر فى ذلك أشواطًا عديدة، وتحققت المجانية للتعليم الابتدائى سنة 1942، حين كان نجيب الهلالى وزيرا للمعارف، ثم مجانية التعليم الثانوى سنة 1950 حين صار طه حسين وزيرا للمعارف فى حكومة الوفد، وفى عهد ثورة يوليو 1952 زمن الرئيس عبدالناصر صار التعليم الجامعى والدراسات العليا مجانا.
أما الإلزامى فهو أن يكون ولىّ الأمر ملزمًا بإدخال ابنه أو ابنته إلى المدرسة، ولا يقدم ولىّ أمر على حرمان نجله أو نجلته من التعليم، والهدف من ذلك المشروع هو الحيلولة دون تسرب بعض الأطفال من التعليم.
هذه كلها حقوق قانونية ودستورية، لكن المجتمع أو بعض أطرافه فهموا أن المجانية والإلزامية تعنى ضرورة نجاح التلميذ والحصول على شهادة تفوق حتى وإن لم يبذل الجهد الكافى فى التحصيل، والتقت عدة عوامل لتختزل كل هذا فى يوم الامتحان، الذى تحول إلى يوم رعب فى حياة الأسرة والتلميذ.
والأمل أن يكون الارتباط بالمدرسة والعملية التعليمية منتظمًا طوال العام الدراسى، ولو حدث ذلك، لن يكون التلميذ مضغوطا على هذا النحو قبل الامتحان مباشرة، ويبدو أن هناك طوال العام إهمالًا أو استخفافًا بالمتابعة، ثم يبدأ التركيز فى الأيام التى تسبق الامتحان، فيكون الاضطراب والارتباك.
وينبغى أن تحدد الأسرة مع ابنها الهدف الذى يسعى إليه، المدرسة الثانوية التى يريدها والدراسة التى يفضل التخصص فيها، لكن أن يركز الجميع كل شيء فى الأيام التى تسبق الامتحان مباشرة، فهذا يمثل عبئًا نفسيًا وبدنيًا وعقليًا على التلميذ، ثم إنه يرهق الذين يراقبون مسألة الامتحانات ويشرفون عليها.
وتركيز الأهالى وأولياء الأمور على كلية واحدة أو عدة كليات محدودة، تسمى كليات القمة، يعنى خللاً فى نظرة المجتمع إلى المستقبل وإلى سائر الكليات، فإذا كان لدينا نصف مليون طالب أو أكثر فى عام دراسى، فلا يعقل أن كلية الطب سوف تستوعب كل هؤلاء، لا هى ولا معها عدة كليات أخرى من تلك التى يطلق عليها كليات القمة، وهذا ما يخلق تلك الحالة من التناحر فى الامتحانات والغش الفردى والجماعى، فضلا عن التهافت على مراكز الدروس الخصوصية وغيرها، بما يرهق ميزانية الأسرة.
هذا يقتضى تعديل ثقافة المجتمع ونظرته إلى التعليم وإلى مستقبل الأبناء، فإذا ذهب جميع الطلاب إلى كليات الطب وطب الأسنان والصيدلة والهندسة.. فهل تتوقف جوانب المجتمع الأخرى، من قانونيين واقتصاديين ومفكرين وعلماء اجتماع ولغات ومترجمين ومعلمين وغيرهم؟ وهل يأتى يوم وتغلق فيه سائر الكليات ونبقى فقط على كليات القمة؟
أحيانا يضغط أولياء الأمور على الأبناء ليدفعوهم نحو كلية كان الأب يتمنى دخولها وتخصص كانت الأم تهواه، وكأن الابن مطالبًا أن يكون مستقبله تعويضًا عن إحباط الأب أو الأم عن حلم كان يريد أن يحققه ولم يتمكن، فيفرضه على ابنه، وتتحول المدرسة إلى مجرد مكان يحصل فيه الطالب على أعلى درجة بجهده وتعبه إن أمكن، أو بالغش والبرشام.
المسألة لا تخصّ وزارة التربية وحدها ولا القائمين على العملية التعليمية فقط، هى قضية وطنية واجتماعية بامتياز، علينا جميعا أن نتكاتف لدراستها وفهم أبعادها أولًا، ثم نقرر ما هو صالح لهذا المجتمع وما نريده لهذا الوطن.
الآن تؤسس مصر «دلتا جديدة»، وهذا يعنى أننا بحاجة إلى مهندسين وفنيين زراعيين فى المحاصيل والبساتين، ومن ثم تصبح الأولوية إلى كليات الزراعة وما يرتبط بها، ونتجه إلى تعمير الصحارى، وهذا يفترض وجود أخصائيين فى التربة وفى البناء والرى والتعمير وهكذا.
أما تركيز الجهد والأمل على قطاع واحد، هو الطب، فالنتيجة كما نرى، حتى لو لم يتمكن الطالب من الحصول على الدرجة التى تمناها، يرهق أسرته ويسافر إلى كليات مناظرة لا تشترط المجموع فى أوروبا الشرقية، وكان فى أوكرانيا قبل الحرب.. والجديد -الآن- أن البعض بات ينتحل صفة طبيب، رغم عدم الحصول على أى مؤهل فى هذا الجانب. دعنا الآن من الشقّ القانونى، فهذا يخصّ جهات إنفاذ القانون فى الدولة، وهم يقومون بواجبهم ودورهم فى ذلك، لكن يبقى الجانب الاجتماعى فى هذه الحالات، علينا أن ندرسه.
البداية أن تعود المدرسة إلى ما كانت عليه، مبنى تعليميا وحياة كاملة، وليست مجرد لجنة امتحان أو «برشامة».
كيف نعيد للمدرسة هيبتها ومكانتها، وتصبح مكانا عزيزا لدى طلابها، وليست مكانا يتم الاعتداء عليه وتخريبه مع انتهاء الامتحان ولا يتم تمزيق الكتاب مع آخر يوم فى الامتحانات؟
نتمنى أن تعود المدرسة إلى ما كانت عليه، ويوم أن يغادرها التلميذ أو الطالب، ينادى كما قال صلاح جاهين قبل أكثر من نصف قرن «باى باى على طول.. يا مدرستنا يا حبيبتنا باى باى».