رئيس مجلس الإدارة

عمــــر أحمــد سامى

رئيس التحرير

عبد اللطيف حامد

الشيخ إمام.. مسكون بالنغمة!


6-6-2026 | 14:50

.

طباعة
بقلـم: أشرف التعلبى

«الشيخ إمام عيسى

راجل مسكون بالنغمة

أعمى..

لكن بيشوف، أبعد من أبعد نجمة

وف عز الليل، البرد الشَّرْد الغاشي

تلاقيه ماشى،

حاضن حزمة نور، فى الضلمة». شعر زكى عمر.

رغم أننا نتحدث اليوم عن الذكاء الاصطناعى، وما حوله من حداثة وتكنولوجيا متسارعة، إلا أن صوته ما زال صامدا وسط كل هذه التحديات، وحاضرا وسط جموع الشباب، الذى يستمع له بلذة، ربما لصوته العذب القوى أو للحنه الشجى الذى يجذب محبيه بيسر، أو لصدق مشاعره، أو للكلمات التى اختارها بعناية من شعراء عباقرة، أو لغيرها من الاعتبارات التى جعلته شيخ طريقة له مريدوه، لتبقى الطريقة والفكرة خالدة رغم موته، يجتمع حولها العشاق حتى يومنا هذا.

 

 

الشيخ إمام كان يحمل تراثا موسيقيا عربيا ضخما جدا لا يستهان به- وهو ما قاله كاتب الوتد خيرى شلبي- وكانت صحوة التراث فى نفسه دائمة، كأنه يغرف من بئر عميقة لا تنتهى، وعندما تلقى كلمات الشاعر أحمد فؤاد نجم وهى معاصرة، استخدم قدراته التراثية المتينة فى تلحينها ألحانا ذات بناء فنى فيه بُنى فنية من أول ضربة إيقاع حتى ضربة الإيقاع الأخيرة.

بينما ذكر الكاتب سيد مهدى عنبه فى كتابه «الشيخ إمام.. الإنسان والفنان»، أن المتأمل فى أغانى الشيخ إمام بعد ترتيبها زمنيا يجد أنها تمثل دفتر أحوال الوطن فى فترة هامة من تاريخ أمتنا، ومن هنا تكمن قيمة الإبداع التنويرى الذى قدمه ذلك الفنان الكبير.

طفولته القاسية:

«إذا الشمس غرقت فى بحر الغمام

ومدت على الدنــيا مــوجة ظــــلام

ومات البصر فى العيـون والبصايــــر

وغاب الطريق فى الخطوط والدواير

يا ساير يا دايــر يا ابــو المفهومــــية

ما فيش لك دليـل غير عيون الكلام» شعر أحمد فؤاد نجم.

وُلد الشيخ إمام محمد أحمد عيسى فى 2 يوليو 1918، فى قرية «أبو النمرس»، التابعة لمحافظة الجيزة، وينتمى لأسرة فقيرة، مصدر رزقها الوحيد هو الأب الذى يسرح بقفة مليئة بزجاجات المصابيح «للمبات الجاز»، المستخدمة وقتها فى الإنارة.

وسرعان ما فقد بصره فى الشهور الأول من ولادته، دون أسباب معلومة، لتلازمه النظارة السواد حتى نهاية العمر، دون أن يدفعه هذا الفقدان للبقاء فى المنزل وهو يرثى حاله، بل تمرد على الواقع، وذهب للكتاب عند الخامسة من عمره، ليكمل مشواره اليومى من المنزل للكتاب حتى حفظ القرآن الكريم كله عندما بلغ الحادية عشرة من العمر.

وجوده فى قرية أبوالنمرس أثّر كثيرا فى تكوينه الفنى، ففى السابعة من عمره كان يجلس بجوار نسوة القرية- عماته وخالاته- وهن يتغنون أثناء الخبيز فى مناسبات العرس أو الحج أو الطهور، وهذه الأغانى التراثية ساعدته فى بناء حس فنى، وهو ما اعترف به فى أحد حواراته المسجلة.

بدأت موهبته فى الظهور منذ أن أصبح عمره تسع سنوات، عندما كان يتغنى بالموشحات الدينية التى كان يسمعها من أصدقائه، بينما كان من عادات قريته فى المناسبات السعيدة أن تتم دعوة أحد مشايخ الجمعية الشرعية لوعظ الناس ثم يختتم بالإنشاد والصبية يقومون بالترديد كبطانة له، وكان «إمام» من هؤلاء الصبية، لذا انضم لفرع الجمعية الشرعية بالقاهرة عندما أصبح عمره 12 عاما.

وظل بالجمعية أربع سنوات وهو يتعلم التجويد والإنشاد، حتى شهد عام 1935 أكبر تحول فى حياة الشيخ إمام، عندما تم فصله من الجمعية الشرعية، ومبرر هذا الفصل عجيب وغريب أنه ضبط متلبسا وهو يستمع لصوت الشيخ محمد رفعت فى المقهى المجاور للجمعية، عندما كان يقرأ القرآن الكريم فى الراديو، حيث كان الاستماع للإذاعة من ممنوعات الجمعية لكونه بدعة.. ليعلن بعدها بسنوات أنه ممتن جدا لهذا الفصل الذى أتاح له الفرصة كاملة لاحتراف الطرب.

قبلها بعام واحد وبالتحديد عام 1934 ذهب الشيخ محمد رفعت إلى الشيخ السمالوطى أحد أعضاء هيئة كبار العلماء ليشرح له أن الإذاعة المصرية طلبته ليقرأ ما تيسر من كتاب الله بمناسبة افتتاحها، وقال له: «إنهم أنشأوا إذاعة ويريدوننى أن أقرأ القرآن فيها، وقد قلت لهم إن القرآن لم يخلق ليرتل أمام الميكروفونات الصماء»، ليرد الأخير: «إن قراءة القرآن حلال فى الإذاعة».

وحاول الشيخ «إمام» الرجوع للجمعية الشرعية عدة مرات لكن باءت كل محاولاته بالفشل، ليصطدم بأبيه الذى ضربه وعنّفه بشدة، حتى وجد نفسه بلا مأوى، وعليه أن يشق طريقه من أجل لقمة عيش تسد جوعه.

حارة حوش قدم:

فى الحجرة الفقيرة المورد

النار فى الموقد

والعود فى غطائه الأسود

معلق على الجدار.. كأنه شهادة ميلاد».. شعر بدر توفيق.

بعد أن أرهقه النوم فى مسجد الحسين والجامع الأزهر لمدة شهرين، أخذته أقدامه إلى حارة حوش قدم بالدرب الأحمر وسط القاهرة، وهى الحارة التى كان يسكنها الكثير من أبناء قريته أبوالنمرس، ليحتويه أهل الحارة ويعطفوا عليه، فعاش بينهم فى بيت قديم، بثمانية قروش فى الشهر، حتى تعرف على أهل المنطقة وبدأ يقرأ القرآن فى بيوتهم والمحلات لسكب قوت يومه.

وفى أحد أيام سنة 1938 كان يقرأ القرآن فى محل المزين محمد بيومى، حلاق الحارة، فسمعه الشيخ درويش الحريرى، أحد كبار الموسيقيين وقتها، وأستاذ فى معهد الموسيقى العربية، فأبدى إعجابه بصوته، حتى ترجاه الشيخ إمام أن يعلمه الموسيقى على أصولها، وهذا ما حدث بالفعل، وبدأ يعلمه الموشحات الدينية والأندلسية، واصطحبه معه فى جلسات الإنشاد والطرب، فتعرف على كبار المطربين والمقرئين، أمثال زكريا أحمد والشيخ محمود صبح والشيخ على محمود، فشرب منهم الكثير من فنون المقامات والموسيقى.

وخلال السهرات فى بيت الشيخ على محمود توطدت علاقته بالشيخ زكريا أحمد، وأحبه الشيخ زكريا لنبوغ- الشيخ إمام- فى حفظ الجمل والأبيات من أول مرة، ووقتها كان «إمام» يغنى فى الحنة أو السبوع أو الطهور.

فاستعان به «الشيخ زكريا» عضوا فى بطانته، يساعده فى حفظ الألحان الجديدة واكتشاف نقط الضعف بها، وهو بالفعل كان يحفظ ألحانه لأم كلثوم قبل أن تغنيها، حتى أن ألحان زكريا أحمد لأم كلثوم بدأت تتسرب للناس قبل أن تغنيها أم كلثوم، مثل «أهل الهوى» و»أنا فى انتظارك»، فقرر الشيخ زكريا الاستغناء عن الشيخ إمام.. ورغم هذا القطيعة إلا أن الشيخ إمام لم ينكر تأثره بالشيخ زكريا أحمد، وظهر هذا بوضوح فى أول لحن للشيخ إمام وهو أغنية «أنا أتوب عن حبك أنا».

كان لهذه الواقعة أثر فى تحويل دفة حياة الشيخ إمام مرة أخرى عندما قرر تعلم العزف على العود، رغم أنه كان مقتنعا أن العود للمبصرين فقط، وكان اعتقادا خاطئا منه، عندما كان يستمع لأحد المكفوفين وهو يعزف بمهارة على العود عام 1942، فجن جنونه، وهو ما دفعه للاتفاق مع صديقه كامل الحمصانى ليعلمه العزف، وخلال أربع جلسات فقط تعلم كيف يضع أصابعه على الأوتار حتى اشترى عودا بخمسين قرشا.. ومنه احترف الشيخ إمام الغناء، وبدأ يستمع له الناس فى الأفراح والموالد، وأصبح يطلقون عليه «إمام إفندى» بعد أن استبدل العمة والقفطان بالبدلة.

مشروع إمام ونجم:

«مين فيكو نجم ومين إمام.. يا مبدعين لحن وكلام؟

اتنين فى واحد.. والعجيب الواحد اتنين.. يا سلام؟

كل اللى عايش فنكم يضرب لكم.. تعظيم سلام؟

للكوكبين نجم وإمام».. شعر: إسماعيل بخيت.

فى عام 1996 كتب خيرى شلبى مقالا قال فيه: «إنه ذكى وبارع ومصرى حتى النخاع، ذلك الذى جمع بين الشيخ إمام عيسى وأحمد فؤاد نجم، ذات ليلة عبقرية الصدفة، ليلتقى صعلوكان فاتنان كلاهما فذ فى صعلكته، فى جنونه، فى قدرته على الاستغناء والاكتفاء بحد الكفاف، ليحدثا معا ثورة فى عالم الغناء وعالم السياسة، قل أن يشهد لها التاريخ المعاصر نظيرا.

وقبلها بسنوات كثيرة وتحديدا عام 1962، التقى الشيخ إمام عيسى بأحمد فؤاد نجم، الذى كان خارجا لتوه من السجن بعد أن كتب ديوان «صور من السجن والحياة»، ليتم التعارف بينهما عن طريق صديقه «سعد الموجي» بحوش قدم، وسرعان ما انبهر نجم بأنامل الشيخ إمام وهو يحركها فوق أوتار العود ليخرج منها لحنا قديماً أضاف إليه بعبقريته ما جعله يناسب المرحلة باقتدار.

تكررت اللقاءات بينهما، حتى عرض نجم على الشيخ إمام أشعارا من تأليفه، فوافق الشيخ إمام على تلحينها وغنائها، وكانت أغنية عاطفية بعنوان «أنا أتوب عن حبك أنا.. أنا ليا فى بعدك هنا.. ده أنا بترجاك الله يجازيكى يا شاغلنى معاك وشاغلنى عليك»، ثم بدأت الثنائية بين الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم من تلك الأغانى «ساعة العصاري» و«عشق الصبايا»، حتى تأسست شراكة وكيان فنى دام سنوات طويلة بين الاثنين.

يقول الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم، بعد أن سلمت أول قصيدة للشيخ إمام لم يغنها، ومر شهران دون نتيجة، أيقنت أن الكلمات لم تعجبه، حتى فوجئت به فى إحدى الجلسات يردد المقطع الأول من الأغنية ملحنا كأعذب ما يكون من التلحين- ومن هنا استمر العمل بينهما لسنوات طويلة- لقد كنت محظوظا بالفعل حينما اختارتنى الصدفة المحضة لأشارك وأتعاون مع الشيخ إمام، وأن يكون لكلماتى المتواضعة نصيب الأسد فى ألحان هذا الفنان الكبير.

وعن هذه الشراكة، قال الكاتب المبدع خيرى شلبى إن نجم كان أكثر سلاسة بالنسبة للشيخ إمام ممن تعامل معهم من شعراء آخرين، فتعبيرات نجم أكثر شعبية، فهى تعبيرات قارحة شاربة من عرق الناس، من أفكار الناس، من أوهام الناس، من أحلام الناس، من أوجاعهم كما هى بدون محاولة لتجميلها أو صقلها.

فى حين اعترف الشيخ إمام فى أحد اللقاءات أن «نجم» أحد الشعراء القلائل الذين يكتبون كلمات سياسية وطنية بدون أى غرض تجارى، وتجربتنا ليست ظاهرة سياسية فقط، فنحن أيضا ظاهرة اجتماعية فنية، تحفل بألوان متعددة من فنون الغناء.

مع حلول عام 1969 رتب الكاتب الصحفى رجاء النقاش لإقامة حفلة كبيرة فى نقابة الصحفيين، فى الوقت الذى كان الجميع يغلق أبوابه أمام الشيخ إمام ونجم، والمنضم إليهم فى هذا الكيان عازف الإيقاع محمد على.. هذه الحفلة تعتبر تحولا كبيرا فى مسيرتهما الإبداعية نحو الشهرة، ليقدمه بعدها النقاش فى برنامج إذاعى طوال شهر رمضان بعنوان «مع ألحان الشيخ إمام»، كل هذا ساعد على انتشار صيتهم فى ربوع الوطن العربى كله.

ولم تقتصر ألحان وغناء الشيخ إمام على أشعار نجم، بل لحن وغنى لمجموعة كبيرة من الشعراء أمثال: فؤاد قاعود، وفؤاد حداد، وسيد حجاب ونجيب سرور، وتوفيق زياد، ونجيب شهاب الدين، وزين العابدين فؤاد، وآدم فتحى، وفرغلى العربى، وغيرهم.

ياأم طرحة وجلابية

«الشيخ إمام عيسى

اصلب من شجرة سنط

الشيخ من سجن لسجن، ما تاهت قدمه عن عنوان

وطريقه عمره ما خانه

وكثيرا ما يخلص عيشه وشايه ودخانه

لكن- أبدا- ما خلصت خلانه». شعر زكى عمر

مثل أى مصرى شعر الشيخ إمام بالإحباط أثر هزيمة حرب يونيو 1967، وهذه الحالة ظهرت فى بعض أغانيه مثل: الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا - يا محلى رجعة ظباطنا من خط النار، ويعيش أهل بلدى وبينهم مفيش - تعارف يخلى التحالف يعيش، ووقعت م الجوع ومن الراحة - البقرة السمرا النطاحة، وكانت له فى تلك الفترة أغانى تحث على الصمود والأمل، فغنى «مصر يا امة يا بهية - يا ام طرحة وجلابية».

انتشرت قصائد نجم التى لحنها وغناها الشيخ إمام كالنار فى الهشيم داخل وخارج مصر، وهو ما أغضب النظام الحاكم وقتها، فتم القبض عليهما ليحاكما بتهمة تعاطى وبيع الحشيش سنة 1969 ولكن القاضى أطلق سراحهما، وهو ما رفضه الأمن الذى ظل يلاحقهما حتى قبض عليهما بحجة إهانة رئيس الجمهورية، واستمر اعتقالهما لنهاية عام 1971 بعد وفاة الرئيس عبد الناصر.

وفى يوم 26 يناير 1972 كان الطلبة متظاهرين فى ميدان التحرير، ألقى «نجم» قصيدة «رجعوا التلامذة» ولحنها الشيخ إمام، فتم القبض عليهما مرة أخرى، وتكررت بعدها مرات الاعتقال إلى ثمانى مرات يتنقلان من سجن إلى آخر ومن معتقل إلى آخر حتى عام 1978، ما بين فترات قصيرة شهرين أو 45 يوما.. ليكون الشيخ أول سجين بسبب الغناء فى تاريخ الثقافة العربية.

فى الحقيقة كان للسجن دور فى شهرة الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، فذاع صيتهما نتيجة الألحان الثورية التى كان يؤلفها نجم داخل السجن ويلحنها الشيخ إمام.

وتقول الكاتبة والناقدة صافى ناز كاظم إن الشيخ إمام حاز على أسبقية لم يكن لها مثيل فى بلادنا وهى كونه أول موسيقى وأول مغنٍ يدخل المعتقل بسبب موسيقاه وغنائه، ولعلنا نجد فى إجراء اعتقاله اعترافا بأنه الفنان الذى قدم لأول مرة وبشكل فعال وبارز موسيقى الرأى وغناء الرأى.

ولحن الشيخ إمام أكثر من 300 لحن، ومن أشهر أغانيه: بقرة حاحا، وشرفت يا نكسون بابا، صباح الخير على الورد اللى فتح فى جناين مصر، ويا خواجه يا ويكا، ويا فلسطينية، وانادينكم، ومصر يمه يا بهية، والفلاحين، ودولا مين، وجيفارا مات، ويا بلح أبريم، وأنا رحت القلعة وشفت ياسين، وشيد قصورك.. وغيرها الكثير من الأغانى.

موته:

«يبكى عليك الوتر يبكى الحمام

يبكى عليك الوتر يا شيخ إمام

تبكى القصائد والمعانى يبكوا الغلابة وكل مين يعاني

ما أنت الأغانى ياللى تغنـّت

فى الحوارى والسجون وفى البيوت

أبدًا مش ممكن تموت».. شعر سميح شقير.

فى منتصف التسعينات آثر الشيخ إمام الذى جاوز السبعين العزلة والاعتكاف فى حجرته المتواضعة بحى الغورية، ولم يعد يظهر فى الكثير من المناسبات كالسابق حتى توفى فى هدوء فى 7 يونيو 1995 تاركاً وراءه أعمالاً فنية نادرة.

أخبار الساعة

الاكثر قراءة